تحالف إسقاط الحكومة الباكستانية: خشية من صدام مع العسكر

27 سبتمبر 2020
الصورة
تعيش باكستان أزمة اقتصادية خانقة (عارف علي/ Getty)
+ الخط -

في وقت تواجه فيه باكستان ملفات عدة شائكة على الصعيدين الداخلي والخارجي، رصّ 11 حزباً معارضاً صفوفها في تحالفٍ جديد، أطلقت عليه اسم "الحركة من أجل الديمقراطية" بهدف إسقاط الحكومة، مطالبة رئيس الوزراء عمران خان بتقديم استقالته وملوحة بالتوجه إلى الشارع، بحجة عجز السلطة التنفيذية عن حلّ ما تواجهه البلاد من تحديات. وليس تشكيل تحالفٍ سياسي جديد بأمرٍ غريب عن الساحة الباكستانية، لكن ما بدا لافتاً هذه المرّة موقف بعض قادة هذا التحالف من المؤسسة العسكرية، والتي تلعب، على حدّ وصفهم، دورها من وراء الستار في مجريات السياسة. وعقدت معظم الأحزاب المعارضة للحكومة في 20 من شهر سبتمبر/ أيلول الحالي، اجتماعاً في أحد فنادق العاصمة إسلام أباد، حيث أعلنت عن تشكيل التحالف الجديد. وقال رئيس الوزراء الباكستاني السابق نواز شريف، وهو زعيم حزب "الرابطة الإسلامية"، أكبر الأحزاب السياسية في البلاد، في كلمة له وجّهها للاجتماع عبر تقنية الفيديو كونفرانس (يقيم في لندن لتلقي العلاج)، إنه "آن الأوان أن نقرر بشأن الحكومة، بعدما فشلت في مواجهة كلّ ما تعيشه البلاد من أزمات"، مؤكداً أن أحزاب المعارضة ليست ضد حكومة خان فقط، بل أيضاً ضد من جاء بالأخير في انتخابات 2018، في إشارة واضحة إلى المؤسسة العسكرية، التي لشريف تاريخ طويل من الصراع معها.

اتخذت الأحزاب المعارضة والتحالف الجديد موقفاً سلبياً من المؤسسة العسكرية

وأثارت تلك التصريحات ضجّة كبيرة، سياسية وإعلامية. ولم ترد المؤسسة العسكرية على تصريحات شريف، لكن الحكومة فسّرتها بشكل مختلف. وفي تصريحٍ صحافي، رأت القيادية في الحزب الحاكم، "حركة الإنصاف" الباكستانية، النائبة ملكه بخاري، أن ما قاله شريف وما تسعى إليه المعارضة، "ليس إلا محاولة من أجل إنقاذ بعض قياداتها من قبضة القانون والملاحقة القضائية في ملفات تتعلق بالفساد والاختلاس". واعتبر عمران خان، من جهته، أن سياسة شريف "انتهت"، وأن الشعب "لا يقبلها"، مضيفاً أن ما قاله الأخير أو ما تسعى إليه المعارضة هو لـ"خلق فجوة بين الحكومة والمؤسسة العسكرية". وفي لقاء جمعه ببعض الصحافيين، أمس الجمعة، أكد خان وجود "تنسيق وتعاون غير مسبوقين بين الحكومة والمؤسسة العسكرية في إدارة قضايا مختلفة، وهذا ما لا تتحمله الأحزاب السياسية المعارضة"، مضيفاً أن الهدف من تحرك هذه الأحزاب "هو فقط المساس بهذه العلاقة".

أما وزير السكّة الحديدية، شيخ رشيد، وهو أحد المقربين من رئيس الوزراء والمؤسسة العسكرية، فقال في بيان إن "الأحزاب السياسية حاولت التقرب من المؤسسة العسكرية من أجل الوصول إلى أهدافها، وهناك اجتماعات مكثفة بين قيادات تلك الأحزاب وقيادة المؤسسة، لكن بعدما يئس هؤلاء من الحصول على مبتغاهم بهذه الطريقة، تحولوا إلى أسلوب الاحتجاج، وممارسة الضغوط على المؤسسة العسكرية والحكومة معاً، وهو سعي بائس".

ويضم التحالف المعارض الجديد أهم الأحزاب السياسية والدينية في باكستان، منها حزب "الرابطة الإسلامية" - جناح نواز شيف، وحزب "الشعب" الذي يقوده الرئيس الباكستاني السابق آصف علي زرداري، وحزب "عوامي" القومي البشتوني، والحزب "القومي الوطني"، و"الحزب الوطني" في إقليم خيبر بختونخوا، و"الحركة القومية الوطنية البلوشية". ومن بين أحزاب التحالف أيضاً، "جمعية علماء الإسلام" بزعامة رجل الدين والسياسي المعروف، المولوي فضل الرحمن، جمعية "أهل الحديث"، و"حركة الدفاع عن البشتون". وشكّل التحالف مجلساً قيادياً يضم رؤساء الأحزاب والقياديين فيه سُمّي "الشورى القيادي"، معلناً تنظيم مسيرة كبرى في شهر يناير/ كانون الثاني المقبل بهدف إسقاط الحكومة.
وحول أجندة التحالف، قال القيادي في حزب "الشعب"، نير بخاري، الذي يعتبر عضواً فاعلاً في الجهود التي رمت إلى تشكيل هذا التحالف، في بيان، إن لـ"التحالف أجندة وخطّة عمل تهدف إلى إسقاط الحكومة واتباع أي طريق دستوري بهذا الشأن"، مؤكداً أن حكومة عمران خان "فشلت في كل الجوانب، والوضع المعيشي والاقتصادي الهش أبرز دليل على ذلك".

وتمتلك الأحزاب التي تحركت أخيراً ضد الحكومة نفوذاً كبيراً، على أكثر من صعيد. ومن هذه الأحزاب أربعةٌ بشكل خاص، صاحبة تأثير واسع، وهي "الشعب" و"الرابطة"، اللذان حكما البلاد لعقود طويلة، و"جمعية علماء الإسلام"، أكبر الأحزاب الدينية، والتي تنتمي إليها معظم المدارس الدينية، فضلاً عن حركة "حركة الدفاع عن البشتون"، حديثة المنشأ والتي تتبنى الدفاع عن العرقية البشتونية، وتنتمي إليها شريحة كبيرة من شباب البشتون والقبائل في جنوب وشمال غرب البلاد. وإذا تمكنت تلك الأحزاب من إنزال المواطنين إلى الشارع، فستضع الحكومة أمام تحدٍ كبير، لا سيما في ظلّ الوضع المعيشي الهش الذي تعيشه باكستان، والارتفاع الحاد في الأسعار.
من جهتها، تمتلك الحكومة، وإلى جانبها المؤسستان القضائية والعسكرية، أوراقاً عديدة لمواجهة التحالف قبل موعد الشارع، من أبرزها تحريك وإحياء قضايا الفساد في وجه قياداته، وتحديداً نواز شريف وأفراد أسرته، وآصف زرداري وقيادات في حزبه، وقياديين آخرين. وبالفعل، فقد طلبت محكمة إسلام أباد من الحكومة إحضار شريف ومثوله أمامها. وقالت المحكمة إنها تمنح فرصة أخرى للأخير كي يمثل أمامها في قضية "العزيزية"، وهي قضية اتهم فيها شريف بتهريب الأموال.

من أبرز أوراق الحكومة تحريك قضايا الفساد في وجه قيادات التحالف وخلق تصدعات فيه

من هنا، يرى مراقبون أن تحرك المؤسسة القضائية سيكون الوسيلة الأهم في يد الحكومة، لمقارعة التحالف قبل نزول المواطنين إلى الشارع، وقبل أن تحول المعارضة أجندتها إلى واقع، وهذا ما تخشى منه المعارضة أيضاً. وقال حزب "الرابطة الإسلامية" - جناح نواز شريف، في بيان، إن الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد قد تقدم في الأيام المقبلة على اعتقال زعيم المعارضة في البرلمان شهباز شريف، شقيق نواز شريف.
من جهتها، طلبت الهيئة من زعيم "جمعية علماء الإسلام"، المولوي فضل الرحمن، أن يقدم إيضاحات بشأن قضايا فساد ترتبط به. وأعلنت الجمعية أن فضل الرحمن سيذهب إلى مقر الهيئة، ومعه 10 آلاف من أنصاره، ولن تسمح باعتقاله، بعدما أوقفت الهيئة أحد المقربين منه، ويدعى موسى خان.

وإلى جانب الملاحقات القضائية، يُتوقع أن تعمل الحكومة والمؤسسة العسكرية على خلق تصدعات في صفوف المعارضة عموماً، والتحالف بشكل خاص. وأكد وزير السكّة الحديدية شيخ رشيد، أن هناك تنافساً بين قيادات المعارضة لإيجاد علاقات مع المؤسسة العسكرية. يذكر أن "الجماعة الإسلامية"، وهي أكبر الأحزاب الدينية في باكستان، لم تدخل التحالف الجديد بسبب بعض التحفظات، على الرغم من أن الجماعة كانت في الصف الأول ضد الحكومة، كما يُخشى أن يخرج آخرون من التحالف الجديد.
ويأتي تشكيل التحالف لإسقاط الحكومة في وقت تواجه باكستان تحديات مهمة دولياً وداخلياً، منها المصالحة بين حركة "طالبان" والحكومة الأفغانية، والتي تلعب إسلام أباد دوراً كبيراً فيها، وتحديداً حكومة خان والمؤسسة العسكرية. كما أن باكستان تنتظر نتائج نقاشاتها مع هيئة الرقابة المالية الدولية لغسيل الأموال، والتي يجب أن تعلن عنها الهيئة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل. وتتطلع إسلام أباد لإخراج اسمها من "القائمة الرمادية"، مع خشيتها من إدراجه في "القائمة السوداء"، ما سيجعلها أمام صعوبات جديدة. وبالنظر إلى هذه القضايا والوضع بشكل عام في المنطقة، لا تتحمل البلاد حدوث أي تغيير لا ترضى به المؤسسة العسكرية.

تقارير دولية
التحديثات الحية

المساهمون