تحالفات حفتر الخارجية: تعزيز الدور الإقليمي أم تحويل ليبيا إلى ساحة صراع دولي؟

22 يناير 2026   |  آخر تحديث: 15:24 (توقيت القدس)
صدام حفتر يلتقي الجنرال فنسنت جيرو في باريس، 16 يناير 2026 (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعزيز التحالفات: شهدت قيادة خليفة حفتر تحركات دبلوماسية وعسكرية لتعزيز العلاقات مع فرنسا والأردن، وزيارة صدام حفتر للقاهرة، مما يعكس رغبة في توسيع شبكة التحالفات الخارجية.

- إعادة هيكلة القيادة: بعد هزيمته في طرابلس، أعاد حفتر ترتيب قيادته بتقليص نفوذ الضباط السابقين وتعزيز موقع أبنائه، مما ساعده في تقديم نفسه كقائد قوة منظمة واستثمار مواقع استراتيجية.

- التحديات والتوازنات: يواجه حفتر تحديات داخلية بسبب التنافس بين أبنائه، ويحاول موازنة علاقاته مع القوى الإقليمية والدولية في ظل التغيرات الجيوسياسية.

تواصل قيادة اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر بناء شبكة تحالفات خارجية متعددة لتعزيز نفوذها في الساحتين الإقليمية والدولية، في خطوة تعكس انتقالها إلى توسيع قنوات التواصل مع مختلف الأطراف. وخلال الأسابيع الأخيرة، شهد معسكر حفتر حراكاً دبلوماسياً وعسكرياً لافتاً، إذ زار صدام حفتر، بصفته نائب ما يُعرف بـ"القيادة العامة للجيش الوطني"، يوم الجمعة الماضي، العاصمة الفرنسية باريس، والتقى الجنرال فنسنت جيرو، رئيس الأركان الخاص لرئيس الجمهورية الفرنسية، وناقش معه رغبة قيادة والده في تطوير العلاقة مع فرنسا "لا سيما في مجالات التدريب، وبناء القدرات، والتطوير العسكري".

وبعد ثلاثة أيام فقط، استقبلت بنغازي رئيس هيئة الأركان الأردنية اللواء الركن يوسف الحنيطي، الذي عقد مشاورات ثنائية "لمناقشة آفاق التعاون وتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين، لا سيما في مجالات التدريب وتبادل الخبرات ورفع القدرات القتالية للقوات" التابعة لحفتر.

وجاء هذا الحراك في سياق تحولات إقليمية أكثر حساسية، أبرزها زيارة صدام حفتر إلى القاهرة في الحادي عشر من يناير/كانون الثاني، حيث التقى رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد خليفة، في توقيت كانت فيه القاهرة تعلن تطابق مواقفها مع السعودية بشأن ملفات السودان واليمن والصومال، وهي ساحات تنشط فيها الإمارات عبر شبكة نفوذ إقليمية واسعة، مستفيدة من الأراضي الخاضعة لسيطرة حفتر في تسهيل مرور الدعم العسكري إلى الفصائل المتحاربة في السودان.

وتكتسب زيارة القاهرة أهميتها من كونها جاءت ضمن سياق إقليمي أوسع، إذ سبقها في الثامن عشر من ديسمبر/ كانون الأول الماضي استقبال بنغازي رئيس هيئة الأركان الباكستانية الذي وقع اتفاقية لتزويد قوات حفتر بالأسلحة، في خطوة مدعومة من الرياض، ضمن مساع لدفع باكستان للانخراط في معسكر حفتر في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة.

وفي قراءته لحراك حفتر في اتجاه الخارج، يشير الضباط المتقاعد والخبير في الشأن العسكري والأمني ناجي بوسيف إلى أن هزيمة خليفة حفتر في طرابلس شكلت درساً استراتيجياً حاسماً، دفعه إلى التراجع عن فكرة الارتهان لحليف خارجي واحد، والبدء في بناء شبكات تحالفات منفصلة، لافتاً في حديث لـ"العربي الجديد" إلى أن حفتر بدأ، عقب هزيمته في طرابلس، في ترتيب قيادته عن طريق تقليص نفوذ الضباط السابقين لصالح تعزيز موقع أبنائه، لا سيما صدام وخالد، ما يضمن ولاء القيادة العليا.

ويعتبر بوسيف أن هذا الترتيب الداخلي مكن حفتر من تقديم نفسه قائدَ قوة منظمة وليس قائد مليشيات، ما عزز موقعه وحضوره واستدعى انتباه العواصم المؤثرة. ويلفت بوسيف إلى استثمار حفتر في أوراق قوة أخرى عززت من موقعه، مثل مواقع النفط وموانئ التصدير، والساحل المتوسطي الحيوي المرتبط بعمق أفريقيا، فضلاً عن عشرات المواقع العسكرية الاستراتيجية، وهي أوراق، برأي بوسيف، شكلت له شبكة منحته قدرة فعلية على التحكم في تدفقات السلاح والمرتزقة والموارد الأساسية.

ويؤكد أن الوجود الروسي أضاف لحفتر بعداً استراتيجياً بالغ الحساسية، فقد "فتح الباب أمام موسكو على مصراعيه بأن منحها مواقع عسكرية غاية في الحساسية بالنسبة لمنطقة البحر المتوسط والفضاء الأفريقي"، بالإضافة إلى الاستفادة من رغبة الإمارات في الوجود في ساحات التوتر الأفريقية، فمنحها ممرات عبر أراضيه للوصول إلى السودان.

بالنسبة للحليف الروسي، يعتبر بوسيف أن حفتر "لن يذهب إلى عقد اتفاقيات معلنة مع موسكو في خضم الصراع الدولي الحاد بينها وبين القوى الغربية، كما أن موسكو هي الأخرى لا تحتاج مثل هذه الاتفاقيات بعد حضورها الكبير في البلاد"، بخلاف الوجود الإماراتي "الأقل بكثير من الوجود الروسي"، ما يجعل حفتر قادراً على استثماره للحصول على دعم أطراف إقليمية أخرى.

ويلفت بوسيف إلى أن التقارب السعودي المصري، رغم وضوح انعكاساته في ملفات اليمن والصومال، لم يؤثر بشكل كبير على معسكر حفتر، فكل ما حدث "ربما تقليل الدعم لقوات الدعم السريع في السودان"، ومنح الرياض حضوراً قريباً منه من خلال ما حصده من الاتفاقية التي وقعها مع باكستان، وربما تكون الرياض وراء الاقتراب الأردني الأخير من حفتر".

وسبق أن كشفت معلومات أدلت بها مصادر ليبية لـ"العربي الجديد" عن تغيير أجراه حفتر في هرم قيادته، تمثل في إعادة توزيع الصلاحيات داخل هرم القيادة بين أولاده، بتكليف صدام بإدارة الملفات الخارجية، مقابل إسناد الشق العسكري الداخلي إلى خالد بصفته رئيساً للأركان. ويرى بوسيف أن ما يُقدَّم باعتباره استجابة من حفتر للضغوط المصرية السعودية لا يعدو كونه إجراءات شكلية "مُوهمة"، مثلها مثل الإعلان، الأحد الماضي، عن إغلاق مطار الكفرة الذي يعد الشريان الرئيسي لدخول الدعم العسكري إلى الساحة السودانية، مؤكداً أن ما تم إغلاقه هو الشق المدني من المطار، مع استمرار عمل الشق العسكري منه.

لكن أستاذ العلوم السياسية حسن عبد المولى يرى أن حفتر "لا يتحرك في دائرة المتغيرات الدولية إلا بهامش ضيئل"، لافتاً إلى أن معسكره يواجه إشكالية أساسية في بنيته التي "وصلت إلى حد وجود مواقع قوة متنافسة داخلها، وأكثرها ظهوراً بين ابنيه خالد وصدام، فهو تنافس لم يبرز إلا بعد نجاح صدام في تنفيذ سلسلة زيارات خارجية كثيفة استدعت البحث عن موقع عسكري بارز لأخيه خالد"، مشيراً إلى أن حفتر "يحاول نزع الفتيل بتوزيع الأدوار بينهما قبل أن يتحول إلى صراع، لكن الولاءات التي تتشكل داخل بنية حفتر قرب دوائر نفوذ الأولاد ستؤدي حتماً إلى الصراع".

وفيما يرى عبد المولى، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن التنافس داخل قيادة حفتر "سيزيد بفعل تعدد الارتباطات الخارجية" على بنية قواته بحدة في مراكز قوة أولاده، يرى أن السؤال القائم هو "هل تدار العلاقات الخارجية على منطق الشراكة؟.. باعتقادي الجواب: لا؛ فبخلاف شبكة تحالفات حفتر السابقة مع الإمارات وروسيا التي كان يديرها هو بنفسه، أجبرته متغيرات أولاده على التعامل مع الارتباطات الجديدة بمنطق كيف يصمد معسكره، لا كيف يحكم".

ويرى عبد المولى أن هذه الهشاشة "لا تقلق" الفاعلين الإقليميين والدوليين، وإنما "تشجعهم على البناء عليها، مثل القاهرة التي يبدو أنها تستثمر في هذه الخلافات للحد من غلواء صدام من خلال خالد، خاصة بعد التحالف مع الرياض لفرض شروط على امتداداته العسكرية في السودان، بينما تميل موسكو بشكل معلن إلى دعم خالد لصلاته المباشرة بالقواعد العسكرية على الساحل الشرقي، وأوروبا وواشنطن لا تتعاملان إلا مع صدام، فجميع الأطراف الخارجية تستثمر في الانقسامات".

ويقول عبد المولى: "حفتر فتح مجالات أمام روسيا، فاستفز واشنطن وأوروبا وتركيا، واستفاد مؤخراً من تحالفه مع الإمارات لعقد اتفاقيات مع أطراف قوية مثل باكستان التي دفعتها الرياض إليه، وهذا يعني أن كل تحرك خارجي يمكن أن يتحول إلى أداة بيده، لكن هل يملك القدرة على موازنة المصالح الدولية؟"، مضيفاً: "ربما استطاع حفتر التعامل مع الضغط السعودي المصري لتقليص دور الإمارات في المنطقة، لكن في حال تصاعد التنافس الروسي الأميركي، فستتحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة للتنافس الدولي والإقليمي، خاصة مع انفتاح المجال أمام أطراف جديدة لا تعرف مصالحها بشكل واضح في المنطقة، مثل باكستان".