بيدرو سانشيز.. الرجل الذي يسقط واقفاً

01 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:07 (توقيت القدس)
سانشيز خلال فعالية في مدريد، 31 أكتوبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بيدرو سانشيز، رئيس الوزراء الإسباني، يُعرف بقدرته على النهوض بعد الهزائم السياسية بفضل استراتيجيته وطموحه، حيث قاد الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني في 2014 وعاد بقوة في 2017 بعد إقصائه.
- تولى رئاسة الحكومة في 2018 وواجه تحديات مثل الجائحة والأزمة الاقتصادية والانفصال الكتالوني، وأظهر صلابته في "قضية كولدو" واعترافه بدولة فلسطين.
- يُعتبر رمزاً للاستمرارية والبراغماتية في إسبانيا وأحد الأصوات اليسارية البارزة في أوروبا، بينما لاقى موقفه من فلسطين تقديراً في العالم العربي.

يشبه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز تلك الشخصيات التي تتكرّر محاولاتها للنهوض من تحت الركام، كل مرة بطريقة مختلفة، ليس لأنه شجاع بالضرورة، بل ربما لأنه عرف كيف يستمر، مهما كانت الخسائر. كل هزيمة سياسية في مسيرته تبدو فصلاً إضافياً في قصة أطول، يعود إليها ليعيد ترتيب الأحداث، مرة بصياغة جديدة، ومرة بإجراءات واقعية تحرّكه إلى الأمام. هكذا وصل إلى رئاسة الحكومة الإسبانية: متعثّراً، لكنه واقف على قدميه.

وُلد سانشيز في مدريد عام 1972، وهو ابن لموظفة في الخدمة المدنية ورجل أعمال صغير في قطاع النقل. لم ينحدر من بيت حزبي أو سلالة سياسية، لكنه وجد في السياسة مجالاً لتوظيف طموحه طويل النفس وذكائه التحليلي. درس الاقتصاد في جامعة "كومبلوتنسيه"، ونال الماجستير من جامعة بروكسل الحرة، والدكتوراه في الاقتصاد من جامعة "كاميلو خوسيه ثيلا".

منذ دخوله الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، بدا سانشيز كمن يلعب الشطرنج مع واقعه السياسي: يسقط الملك، يعيد ترتيب القطع، ويبدأ من جديد لعبة جديدة. في عام 2014، ارتقى من الصفوف الخلفية إلى قيادة الحزب، شاباً وسيماً يملك هدوءاً وثقةً لفتت الأنظار. الثقة نفسها التي أغضبت "رجالات الاشتراكية المخضرمين في الحزب". ثم جاء خريف 2016 ليذكّره أنّ السياسة الإسبانية لا ترحم، وأن تاريخ الأشخاص له ثقله في السياسة أيضاً. رفض منح اليمين الإسباني فرصة لتشكيل الحكومة، فثار عليه قادة حزبه وأجبروه على الرحيل. شوهد وهو يغادر مقر الحزب حاملاً صندوق كرتون فيه أوراقه الخاصة، في صورة تلخص معنى الخسارة حين تكون علنية، صورة ستبقى في ذاكرة الإسبان أحدَ أكثر المشاهد إنسانية في السياسة الإسبانية الحديثة.

لكن الرجل عاد من الباب نفسه. وأسرع مما توقّع كثيرون: في 2017، انتصر في الانتخابات الداخلية للحزب على خصومه المدعومين من النخبة التقليدية، معيداً ترتيب المشهد الداخلي. كانت عودته درساً في المعاندة السياسية وانتصاراً في الصفوف الداخلية للحزب. لقد فهم جيداً تحولات المجتمع الإسباني، ولا سيما التحولات داخل القادة الشعبية للحزب الذي ينتمي إليه. القاعدة التي تقوم على مبدأ: القوة في السياسة لا تأتي من المكتب ولا من الصور الرسمية، إنما تأتي من القواعد الشعبية التي شعرت للمرّة الأولى أن أحداً يتحدث بلغتها.

بعد عامٍ واحد، كان الرجل ذاته يقف في البرلمان الإسباني مقدّماً اقتراحاً بحجب الثقة عن ماريانو راخوي، بعد فضيحة الفساد المعروفة بـ"غورتيل". لم يراهن كثيرون على نجاحه، لكنّه جمع المعارضة، وصوّت النواب لصالحه، فسقط راخوي وصعد سانشيز إلى قصر "لا مونكلوا" رئيساً للحكومة في يونيو/ حزيران 2018.

أدار سانشيز مفاوضات صعبة لتشكيل أول حكومة ائتلافية حديثة مع حزب "بوديموس" في يناير/ كانون الأول 2020، قبل أن تضرب الجائحة العالم، تبعتها أزمة اقتصادية عميقة، ثم تحديات داخلية من الانفصال الكتالوني وهجوم اليمين الشعبوي. كل اختبار كان جديداً، لكنه تعامل معه بشكل متدرّج، محافظاً على توازنه السياسي، من دون الانغماس في المبالغة في الذات. في عام 2024، عاد شبح الفضيحة ليطرق أبواب حكومته، ولكن هذه المرة عبر ما عُرف بـ"قضية كولدو"، نسبةً إلى أحد المقرّبين من وزير النقل السابق، والمتورّط في صفقات مشبوهة لشراء كمّامات خلال جائحة كورونا.

وجد سانشيز نفسه في مرمى عاصفةٍ سياسية جديدة، ودُعي إلى المثول أمام مجلس الشيوخ للدفاع عن نزاهة حكومته. واجه الاتهامات ببرودة أعصابٍ لافتة، متحدّثاً عن "محاولةٍ من اليمين لتسييس القضاء وتلويث الحياة العامة". خرج من الجلسة محاطاً بالجدل، لكنه خرج واقفاً، كما يفعل دائماً، وقد حوّل الأزمة إلى مساحةٍ جديدةٍ لاستعراض صلابته. وفي ظل تخبطات الداخل الإسباني، عرف كيف يستغل اللحظة التي ستنقله إلى موقع اللاعب الأوروبي الفعال: الإبادة في غزة. تميّز بموقفه وموقف حزبه وحكومته من فلسطين في مايو/ أيار 2024، حين أعلنت الحكومة الإسبانية رسمياً اعترافها بدولة فلسطين في عز الإبادة، مؤكداً أن القرار جاء "من أجل العدالة والسلام" في واحدة من أشد جلسات البرلمان التي عرفتها المملكة الإسبانية.

هي كلماتٌ أربكت أوروبا، وجعلت مدريد للمرة الأولى منذ عقود في موقعٍ أخلاقيٍّ متقدّمٍ داخل الاتحاد الأوروبي. تحدّث عن غزة بلغةٍ غير بيروقراطية، وكأنها ليست ملفاً سياسياً، بل جرحٌ إنساني. أثار قراره غضب حكومة بنيامين نتنياهو، كما هاجمته المعارضة الإسبانية اليمينية باعتباره "مغامراً بالسياسة الخارجية"، لكنه بدا مطمئناً. ثمة لحظات لا تقاس فيها الحياة بالكلفة السياسية، إنما بالوزن الأخلاقي.

اليوم، في مدريد، يرى فيه كثيرون داخل الحزب الاشتراكي رمزاً للاستمرارية أكثر منه للثورة؛ زعيماً أعاد للحزب توازنه بعد سنوات من الانقسام، وإنْ لم يُقنع بعد جميع أجنحته. بعض رفاقه يعتبرونه سياسيّاً براغماتيّاً أكثر من كونه حاملاً لمشروع أيديولوجي صافٍ، بينما يراه آخرون ضرورةً واقعية في زمنٍ يضيق فيه المجال أمام اليسار التقليدي. أما المعارضة اليمينية، فتتعامل معه بوصفه سياسيّاً مراوغاً يجيد فناً واحداً هو الكذب. فهو موجودٌ بسبب تحالفاته لا بسبب برنامج حكومته في الاقتصاد، والصحة، والسياسة، والثقافة والخدمات الاجتماعية.

داخل المجتمع الإسباني، تتأرجح صورته بين الإعجاب بقدرته على الصمود، والشكّ في عمق تحوّلاته، فهو بالنسبة إلى مؤيديه نموذج الزعيم العصري الذي يوازن بين العقل والعاطفة، ولمنتقديه وجهٌ دبلوماسيّ يكثر من الحسابات السياسية الدقيقة. في أوروبا، يُنظر إليه باعتباره أحد آخر الأصوات اليسارية القادرة على البقاء في الحكم، في زمن يميل إلى اليمين، زعيماً يفاوض من داخل مؤسسات الاتحاد لا من هوامشه، ويتحدّث لغة أوروبية منفتحة لكنها حذرة. وفي الولايات المتحدة، لم يكن سانشيز قريباً من إدارة ترامب، التي صنّفته ضمن "اليسار الليبرالي الأوروبي المتردّد".

أما في العالم العربي، فقد تحوّلت صورته بعد موقفه من فلسطين في مايو 2024، ورأى فيه الكثيرون زعيماً أعاد إلى أوروبا بعض ضميرها الإنساني، بينما قرأه آخرون سياسيّاً براغماتيّاً التقط اللحظة ليمنح بلاده حضوراً أخلاقيّاً في مشهدٍ عالميٍ مرتبك. بين هذه التناقضات كلها، يستمر سانشيز في السقوط، واقفاً على قدميه، تماماً كما وصفه الكاتب الإسباني الشهير، ميّاس.