بوتين يضحي بمدفيديف قبل انتخابات الدوما

بوتين يضحي بمدفيديف قبل انتخابات الدوما

22 يونيو 2021
غاب مدفيديف عن الساحة السياسية عملياً منذ 2018 (Getty)
+ الخط -

قبل ثلاثة أشهر على انتخابات مصيرية لـ"الدوما" الروسي (البرلمان)، استبعد حزب "روسيا الموحدة" الحاكم، رئيسه ديمتري مدفيديف، عن صدارة القائمة الانتخابية الفيدرالية للحزب الذي تراجعت شعبيته كثيراً، لأسباب كثيرة، أبرزها تراجع دخل المواطنين، وتأثيرات وباء كورونا، وتورط بعض المسؤولين في قضايا فساد. وفي مفاجأة من العيار الثقيل، عرض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال مؤتمر الحزب، يوم السبت الماضي، أسماء الشخصيات التي ستتصدر قائمة الحزب في الانتخابات المقررة في 19 سبتمبر/أيلول المقبل.

تناوب بوتين ومدفيديف على تصدر القائمة منذ 2007

وللمرة الأولى منذ انتخابات 2007، لا يقود قائمة الحزب شخص واحد، بعدما تناوب بوتين ومدفيديف على تصدّر القائمة. ويشارك الحزب في الانتخابات بقائمة يقودها خمسة أشخاص، منهم "سياسيان ثقيلان"، بحسب وصف بوتين لوزيري الدفاع والخارجية، سيرغي شويغو وسيرغي لافروف، إضافة إلى ثلاث شخصيات "تكنوقراط" ساهموا بشكل لافت في تطور روسيا وحمايتها خلال العامين الماضيين، وهم كبير الأطباء في المستشفى رقم 40 في بلدة كوموناركا بضواحي موسكو، دينيس بروتسينكوف، الذي كان رافق بوتين في جولة تفقدية في مارس/آذار 2020 لقسم العزل لمرضى كورونا في المستشفى، وآنا كوزنيتسوفا، مفوضة حقوق الطفل لدى الرئيس، والتي اشتهرت أخيراً بتصريحاتها حول وجوب عدم مشاركة الأطفال القاصرين في تظاهرات المعارضة، وإعادة مئات أطفال "الدواعش" الروس من سورية والعراق. كما تضمّ اللائحة، الرئيسة المشاركة لمنظمة "الجبهة الشعبية الروسية"، يلينا شميليوفا، والمعروفة بإدارتها صندوق "الموهبة والنجاح" الذي يطور مركز "سيريوس" في مدينة سوتشي للأطفال المتفوقين.

واللافت أنّ الشخصيات التي تتصدر القائمة ليسوا أعضاء في الحزب، باستثناء شويغو الذي يشارك للمرة الأولى منذ 2003 في قائمة الحزب الذي أسسه مع عدد من السياسيين الروس، بعد دمج عدد من الأحزاب والحركات ليتحول إلى حزب السلطة. ويرجح ألاّ يشارك المرشحون الخمسة في أعمال "الدوما" المقبلة، نظراً للمهمات الموكلة إليهم حالياً. ومعلوم أن الطبيب بروتسينكوف، أعلن أنّه كان لا ينوي الترشح للانتخابات، نظراً لأنّه يفضل التفرغ لعمله في المستشفى، وليست لديه القدرة في مجال صوغ القوانين والتشريعات. لكنّ الطبيب الروسي غيّر رأيه، بعدما تحدث إليه بوتين، وأقنعه بأهمية تعميم تجربة محاربة كورونا على جميع المناطق الروسية، قبل الإعلان عن القائمة، بحسب ما صرّح بروتسينكوف لمحطة "روسيا 1" الحكومية. من جهتها، قالت شميليوفا إنّها فوجئت باختيارها في القائمة، وإنّ الرئيس أخبرها باختياره قبل يوم فقط من المؤتمر. وأضافت أنّ من المبكر الحديث عن مخططاتها المستقبلية، وفي ما إذا كانت ستتفرغ للعمل البرلماني. كما أكدت كوزنيتسوفا أنّها تعمل ضمن فريق الرئيس، ولذلك فمصيرها مرتبط بقراراته. وذكر موقع "إر بي كا" الروسي، أنّه أرسل طلبين لوزارتي الدفاع والخارجية حول مخططات شويغو ولافروف المستقبلية، لكنّه لم يحصل على جواب بخصوص العمل في الدوما.

أمام الأمر الواقع
ونقل موقع "بي بي سي" باللغة الروسية، عن مصدر في قيادة "روسيا الموحدة" أنّ 99 في المائة من أعضاء الحزب لم يعلموا باستبعاد مدفيديف إلاّ في صبيحة يوم المؤتمر، وأنّ القرار اتخذ بسرّية من قبل الطاقم القريب من بوتين. ونقل موقع "ميدوزا" الإخباري عن مصدر مقرب من مدفيديف، أنّ الأخير "كان متأكداً حتى بداية الأسبوع الماضي، أنّه سوف يتصدر القائمة الانتخابية للحزب"، مشيراً إلى أنّ الأخير "عرف بموضوع استبعاده من القائمة قبل يومين أو ثلاثة أيام فقط من انعقاد المؤتمر". ونقل "ميدوزا" عن مصدر آخر قوله إنّ بوتين "وضع مدفيديف أمام الأمر الواقع"، ما يفسر المزاج السيئ للأخير أثناء المؤتمر، والذي انعكس على تعابير وجهه.

الشخصيات التي تتصدر قائمة "روسيا الموحدة" ليسوا أعضاء في الحزب، باستثناء شويغو

وبدأ الحديث عن إمكانية استبعاد مدفيديف عن رأس القائمة منذ أشهر. وفي 8 يونيو/حزيران الحالي، نقل موقع "إر بي كا" عن مصدر في ديوان الرئاسة، أنّ "السيناريو الرئيسي للقائمة الانتخابية لحزب روسيا الموحدة، ينطلق من عدم حصرها في شخصية واحدة في حال عدم رغبة بوتين في ذلك، بل إدراج عدد من الشخصيات".
وإضافة إلى رئاسة الحزب، يشغل مدفيديف منصب نائب رئيس مجلس الأمن، وهو منصب أقرب إلى الفخري، ابتكره بوتين لصديقه بعد استقالة الأخير من رئاسة الحكومة في مطلع 2020. وشغل مدفيديف منصب الرئيس الروسي بين 2008 و2012، ضمن عملية تبادل المناصب قبل عودة بوتين إلى الرئاسة. وتراجعت شعبية مدفيديف بشكل كبير منذ تبني حكومته في عام 2018 قانون رفع السن التقاعدي، ولاحقاً غيابه عن الساحة السياسية عملياً. وفي أحدث استطلاعات رأي نظمها المركز الروسي لدراسة الرأي العام، "فينسوم" الحكومي، فإن 66.6 في المائة قالوا إنّهم لا يثقون في مدفيديف. وأظهرت نتائج الاستطلاع ذاتها أنّ الثقة في رئيس الحزب الشيوعي الروسي، غينادي زوغانوف، ورئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي، فلاديمير جيرينوفسكي، أكبر بكثير من الثقة بمدفيديف وبقادة "روسيا الموحدة"، ما يمكن أن يفسر إبعاد مدفيديف وقادة الحزب الآخرين عن القائمة.
في المقابل، يبدو أنّ الكرملين اختار بعناية "الخماسي القائد" لتصدر قائمة "روسيا الموحدة" بما يتوافق مع أهداف كسب أكبر قدر ممكن من الجمهور الانتخابي. ففي ظل الحديث عن قوة روسيا الصاعدة، والإنجازات العسكرية، وتحديث الجيش وتزويده بـ"أسلحة لا تقهر"، زادت شعبية شويغو كمدافع عن قوة البلد في وجه حلف شمال الأطلسي "ناتو". ومع الحديث في "بروباغاندا" الكرملين عن عودة روسيا عالمياً كقوة عظمى، وتعطيل محاولات الغرب للحدّ من تطورها، يبرز بقوة اسم الوزير لافروف كمدافع عن الوطنية والقيم الروسية ومصالح روسيا في العالم على رأس دبلوماسية نشطة. وعلى الرغم من عدم ارتباط الأسماء الثلاثة الأخرى بالسياسة، فإنّ الاختيار يصب في دعم حديث الكرملين عن تركيزه على قضايا تحسين الخدمات الطبية، وأوضاع الأطفال والأسر، وزيادة الاستثمار في قطاع التعليم وتحسين نوعيته.

أغلبية دستورية
وواضح أنّ الكرملين قرر "التضحية" بصديق بوتين الوفي مدفيديف، من أجل ضمان أغلبية دستورية في انتخابات الخريف المقبل، واختار شخصيات يمكن أن ترفع أسهم الحزب لدى الجمهور الانتخابي المتردد، بعدما تعرضت شعبية "روسيا الموحدة" لهزات بسبب فضائح الفساد.

تعرضت شعبية "روسيا الموحدة" لهزات بسبب فضائح الفساد

وعلى الرغم من أنّ الحزب قادر على كسب أكثر من نصف مقاعد "الدوما" وتمرير أيّ قوانين تحتاج إلى ثلثي الأصوات بتحالفه مع أحزاب "المعارضة النظامية" (الشيوعي، الليبرالي الديمقراطي، وروسيا العادلة)، وإقرار قوانين تحظر ترشح المعارضين الليبراليين، يبدو أن أهمية الانتخابات لتحديد آليات انتقال السلطة في 2024، لا تسمح بأي خطأ، ما دفع بوتين إلى التدخل شخصياً لحسم الموقف من أجل الحصول على أكثر من ثلثي أعضاء مجلس الدوما المقبل، أي أكثر من 300 عضو. ويبلغ عدد أعضاء كتلة "روسيا الموحدة" في مجلس "الدوما" الحالي، 335 عضواً، ولم يترشح نحو نصفهم للانتخابات المقبلة. وفي حين تبلغ نسبة تأييد "روسيا الموحدة" نحو 30 في المائة، بحسب استطلاعات نهاية إبريل/نيسان الماضي، فإنّ الكرملين حدّد هدفاً في نهاية العام الماضي بالحصول على 45 في المائة من الأصوات عبر القائمة، على أن يستكمل ما يريد عبر المرشحين في الدوائر. ومعلوم أنّ "الدوما" يتألف من 450 عضواً، يُنتخب نصفهم عبر القوائم في دائرة انتخابية واحدة على صعيد روسيا، فيما يُنتخب النصف الآخر في الدوائر المحلية.

تقارير دولية
التحديثات الحية

المساهمون