قُصرة... من حصار المستوطنين إلى الإخلاء بأوامر جيش الاحتلال

13 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 19:09 (توقيت القدس)
جنود الاحتلال بمحيط منازل الفلسطينيين في قُصرة، 13 أغسطس 2026 (زين جعفر/ فرانس برس)

تمضي عائلات أبو ريدة وحسان ساعات من القلق والخوف منذ أن أبلغهم الارتباط الفلسطيني عبر بلدية قُصرة جنوب نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة صباح اليوم الخميس، بإخلاء منازلهم لتركها لجنود الاحتلال الذين بدأوا بعملية عسكرية لإخلاء بؤر استيطانية على أراضي بلدة قُصرة وبلدتَي جالود وتلفيت وقراها في محافظة نابلس. وتخشى هذه العائلات من أن وعود الاحتلال الإسرائيلي للارتباط الفلسطيني بأن هذه العملية العسكرية التي ستنتهي يوم الأحد المقبل وفق ما أُبلغوا، من الممكن أن تنتهي فعلاً، أو سيتم الاستيلاء على منازلهم من قبل المستوطنين الذين يحاصرون هذه المنازل منذ خمسة أيام.

في غضون ذلك برزت تصريحات للسفير الأميركي في إسرائيل مايك هاكابي، اليوم، وصف فيها المستوطنين المشاركين في الهجوم على بلدة قُصرة بالإرهابيين، نافياً عدم تدخل الولايات المتحدة. وأكد في منشور على منصة إكس أرفقه بمقطع فيديو لجرافات الجيش الإسرائيلي وآلياته في القرية في ساعات الليل، أن "هذا دليل على أن الجيش الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية توجها إلى بلدة قصرة لإخراج المتسللين غير الشرعيين الذين كانوا يقصدون ترهيب السكان الفلسطينيين. من غير الدقيق القول إن إسرائيل والسفارة الأميركية لم تفعلا شيئاً لحماية أصحاب المنازل الفلسطينيين/المواطنين الأميركيين".

وسبق ذلك منشور آخر رد فيه على أحد الأشخاص الذين تناولوا موضوع حصار منزل مواطن أميركي، قال فيه "هذا ادعاء كاذب آخر". وكتب هاكابي أن "السفارة الأميركية في القدس كانت منخرطة جداً في الموضوع، وقد توجه الجيش الإسرائيلي والشرطة الإسرائيلية بناءً على طلبنا لإبعاد الإرهابيين الإسرائيليين الذين يقومون بهذا الفعل. ما قام به هؤلاء ضد منزل هذه العائلة (تحمل الجنسية الأميركية لكنه لم يحددها) هو عمل إجرامي. البيت الأبيض لم يتدخّل لأننا أبقينا واشنطن على اطلاع مسبق بالوضع". وأضاف هاكابي أن "الأفعال التي ارتكبها أولئك الذين نفّذوا هذا العمل الإرهابي المروّع، الهادف إلى ترهيب هذه العائلة ومضايقتها، هي أفعال مقززة، ولا يوجد أي مبرّر لسلوكٍ بلطجي كهذا. لكن الادعاء بأن السفير الأميركي في إسرائيل أو السفارة الأميركية في القدس لا يهتمان أو لم يفعلا شيئاً هو ببساطة غير صحيح".

وأصدر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، أمس الأربعاء، توجيهاً بنشر كتيبة مشاة نظامية في قصرة، بهدف "تعزيز النظام والسيطرة العملياتية، ومنع استمرار الأحداث الخطيرة"، بحسب بيان للجيش. في الأثناء زعم المتحدث باسم جيش الاحتلال، أفي دفرين، أن "تمركز الجيش منذ ساعات الصباح في منطقة بلدة قصرة هدفه حماية سكانها والحفاظ على أمن المنطقة". ونقل موقع واينت العبري عن دفرين، اليوم، أن القوات تلقت تعليمات "تُتيح للسكان البقاء في منازلهم"، لافتاً إلى أن الجيش "لن يعمل في بيت العائلة الفلسطينية الواقع بالقرب من النقطة التي أقيمت بها الخيمة (الاستيطانية) والتي فُككت وأُخليت".

مخاوف من الاستيلاء على منازل في بلدة قُصرة

ويتصاعد التوتر جراء إقامة مستوطنين خيمة ومنشآت استيطانية مؤقتة بين منازل فلسطينية في منطقة رأس العين على أطراف البلدة، ومحاصرة ثلاثة منازل منذ الأحد الماضي، ومنع أصحابها من الدخول والخروج واستقبال الزوار. ونقلت وكالة الأناضول عن رئيس بلدية قُصرة، عبد العظيم الوادي، اليوم، قوله إن المستوطنين يواصلون، منذ أربعة أيام محاصرة ثلاث عائلات فلسطينية داخل منازلها في القرية، بينها عائلة تحمل الجنسية الأميركية.

الاحتلال أبلغ  بضرورة إخلاء 16 منزلاً في في قُصرة لاتخاذها ثكنات عسكرية للجيش الإسرائيلي

من جهته قال نائب رئيس بلدية قُصرة نزار فوزي، لـ"العربي الجديد"، إن المئات من الجنود الإسرائيليين اقتحموا البلدة، قرابة الساعة السابعة والنصف صباح اليوم، بهدف إخراج المستوطنين من منطقة جبل رأس العين، وتحديداً قمة عين عينا، قبل أن تتطور الإجراءات إلى إخلاء منازل فلسطينية وتحويلها إلى ثكنات عسكرية لقوات الاحتلال. وبحسب فوزي، فإن هذه القوات أبلغت الأهالي، بعد نحو ساعة من الاقتحام، بضرورة إخلاء 16 منزلاً في البلدة، لاتخاذها ثكنات عسكرية للجيش الإسرائيلي، مشيراً إلى أن نحو ستة منازل أُخليت فعلياً.

وبيّن فوزي أن المنازل المستهدفة موزعة بين مركز البلدة والمنطقة القريبة من جبل رأس العين، فيما تتركز الإشكالية الكبرى في ثلاثة منازل تقع في منطقة رأس العين نفسها، وتضم عائلات فلسطينية كانت محاصرة من قبل المستوطنين. وأشار فوزي إلى أن المنازل الثلاثة تعود إلى عائلات الشقيقين رزق ويوسف حسن، وقصي أبو ريدة، موضحاً أن السكان رفضوا في البداية إخلاء منازلهم، قبل التوصل إلى ترتيب يقضي بجمع أفراد العائلات الثلاث في منزل واحد، هو منزل رزق حسن، بدلاً من إخلائهم خارج المنطقة. وأكد أن هذا الترتيب جرى بالتنسيق مع الارتباط الفلسطيني والجانب الإسرائيلي، على أن يتمكن أصحاب المنازل التي تمت السيطرة عليها من العودة إليها صباح يوم الأحد المقبل، وفق ما أُبلغ به المجلس البلدي من الارتباط الفلسطيني. وعن الوضع داخل بلدة قُصرة. أوضح فوزي أن قوات الاحتلال فرضت، في بداية الاقتحام، منعاً للحركة، وأغلقت المحال التجارية، فيما بدأت الحركة تعود تدريجياً إلى البلدة بعد توجه قوات الاحتلال إلى منطقة رأس العين. وبشأن مداخل بلدة قُصرة فقد أوضح أن المدخل الرئيسي للبلدة مغلق منذ نحو ثلاث سنوات، فيما لا يزال الوصول إلى بلدة قُصرة متاحاً عبر مدخل آخر غير رئيسي بين بلدتي جوريش وقبلان.

ووجد قصي أبو ريدة نفسه مضطراً إلى مغادرة منزله الذي يحاصره المستوطنون في بلدة قُصرة. جاء ذلك بعد أن أبلغه أحد جنود الاحتلال بضرورة إخلائه خلال نصف ساعة، قبل أن يتبين له، عبر رئيس المجلس البلدي، أن قوات الاحتلال تريد استخدام المنازل مؤقتاً نقاطاً عسكرية لجنودها خلال تنفيذ مهمة في المنطقة. وقال أبو ريدة، لـ"العربي الجديد"، إنه فهم من رئيس المجلس البلدي، أن قوات الاحتلال تريد إبقاء جنودها في المنازل لمدة يومين أو ثلاثة، أو حتى يوم الأحد، إلى حين انتهاء المهمة التي جاءت لتنفيذها.

قصي أبو ريدة: الإخلاء شمل منزلنا ومنزل يوسف حسن، فيما جرى جمعنا في منزل واحد يعود إلى رزق حسن

وأكد أبو ريدة أن الإخلاء شمل منزله ومنزل يوسف حسن، فيما جرى جمعهم في منزل واحد يعود إلى رزق حسن. لكن أكثر ما يثير قلق أبو ريدة ليس إخلاء المنازل فحسب، وإنما استمرار وجود المستوطنين وتحركهم في محيط المكان الذي لجأت إليه العائلات. وأشار إلى أن هذا الوضع جعله غير مطمئن إلى ما سيحدث خلال الساعات والأيام المقبلة، خصوصاً أن الجندي الذي أمره بمغادرة المنزل لم يبلغه بشكل مباشر بأنه سيبقى خارج منزله لمدة يومين أو ثلاثة على وجه التحديد. وفهم أبو ريدة أيضاً أن الضابط المسؤول عن المهمة سيكون هو نفسه الذي يتولى إخراج الجنود من المنزل عند انتهائها من المهمة، وأنه يمكن الرجوع إليه عند عودة أصحاب المنازل.

وشدد على أنه إن لم يفهم من رئيس مجلس قُصرة بشكل رسمي أن الإخلاء مؤقت وأن هناك جهة ستتابع الأمر، لما غادر بهذه الصورة بعد أيام من وجوده وعائلته في منزلهم محاصرين من المستوطنين بعد قطع الماء والكهرباء وعدم السماح لأحد بالوصول إليهم لتزويدهم بالطعام والماء والدواء. رغم ذلك، لم يخف أبو ريدة مخاوفه من أن يكون ما يجري مقدمة لشيء آخر، مثل أن تُطلب منهم مغادرة منازلهم مؤقتاً، ثم تتغير الرواية لاحقاً، سواء بإبلاغهم بالبقاء خارجها أو بإبقاء المستوطنين فيها، معبراً عن عدم ثقته بالوعود الإسرائيلية.

ما سبب الاهتمام الأميركي؟

وفي رد على سؤال حول الاهتمام الأميركي غير المسبوق والغريب بشأن إخلاء بؤر للمستوطنين في بلدة قُصرة، قال المحلل السياسي عادل شديد، لـ"العربي الجديد"، إنه "يجب أن نرى الأمور بطريقة معكوسة، فهناك احتجاجات على ما يقوم به المستوطنون من أوساط إسرائيلية وأميركية وعربية ودولية، وحمّلت إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب المسؤولية عن التدهور الحاصل". وأضاف أن "السفير الأميركي في إسرائيل يلعب دوراً سلبياً ويدعم الاستيطان بشكل كبير". وأوضح أنه "بسبب هذه الاحتجاجات تراجع السفير هاكابي ووصف اليوم لأول مرة المستوطنين بأنهم إرهابيون".

 عادل شديد: الاحتجاجات الأميركية اليوم على المستوطنين هي نتاج جملة احتجاجات إسرائيلية وأميركية بسبب مواقف هاكابي الداعمة للمستوطنين

وفي رأيه فإن "الاحتجاجات الأميركية اليوم على المستوطنين هي نتاج جملة احتجاجات إسرائيلية وأميركية بسبب مواقف هاكابي الداعمة للمستوطنين ولإرهاب المستوطنين، فيما فُهم أن دعمه لإرهاب المستوطنين سيقود ليس فقط إلى الضم، إنما إلى تفجير الوضع الأمني بالضفة الغربية". واعتبر شديد أن "هذا ليس في صالح استقرار المنطقة في ظل المواجهة الأميركية الإسرائيلية على إيران، ولا في صالح الإدارة الأميركية". وأضاف أن "دعم هاكابي والإدارة الأميركية المفرط للمستوطنين أدى إلى تمرّد المستوطنين على الجيش، بحيث أصبح المستوطنون هم الذين يقررون، وهم الذين يسيطرون، وهم الذين يتحكمون بكل مفاصل القرار في إسرائيل". وأشار تحديداً إلى أن ذلك يرتبط "بإلغاء إدارة ترامب مجموعة عقوبات كانت قد فرضت من قبل إدارة (سلفه جو) بايدن على مجموعة من المستوطنين بالضفة الغربية، ما فُهم من المستوطنين على أنه غطاء أميركي وضوء أخضر لهم للسيطرة على الضفة الغربية استعداداً لمرحلة ما بعد الانتخابات (الكنيست أكتوبر/ تشرين الأول المقبل)، فيما لو تغيّرت الحكومة الحالية".