بعد نصف قرن على رحيله: إرث الفاشية الفرانكوية في إسبانيا لم يُحسم

01 يناير 2026   |  آخر تحديث: 13:30 (توقيت القدس)
أنصار حزب فوكس اليميني المتطرف في فعالية انتخابية في مدريد، 26 إبريل 2019 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- إرث فرانشيسكو فرانكو لا يزال يؤثر على السياسة والمجتمع في إسبانيا، مما يعزز الاستقطاب السياسي ويدعم اليمين المتطرف، بينما تعاملت ألمانيا مع إرثها النازي بحسم.
- تزايد التأييد لديكتاتورية فرانكو بين الإسبان، خاصة الشباب، يعزز نفوذ حزب فوكس اليميني المتطرف، مستفيدًا من التسامح الاجتماعي والقانوني مع إرث فرانكو.
- منذ 2018، بدأت إسبانيا في مواجهة إرث فرانكو عبر خطوات مثل نقل رفات فرانكو وقانون الذاكرة الديمقراطية، لكن تواجه مقاومة سياسية واجتماعية قوية.

بعد خمسين عاماً على رحيل الديكتاتور الإسباني فرانشيسكو فرانكو، لا يزال إرثه حاضراً في الوعي السياسي والاجتماعي لإسبانيا، إذ يسهم في الاستقطاب ويؤثر في خيارات الناخبين، ويمنح اليمين المتطرف أرضية رمزية وسياسية متينة. وتوضح المقارنة مع ألمانيا، التي واجهت إرثها النازي بحسم قانوني وأخلاقي صارم، كيف يمكن لإدارة الذاكرة الجماعية أن تحصن الديمقراطية أو تضعفها.

أرقام مقلقة تكشف تحوّل المزاج العام في إسبانيا

تشير استطلاعات حديثة لمؤسسة المعهد الإسباني للبحوث الاجتماعية (CIS) إلى أن 21.3% من الإسبان ينظرون إيجابياً إلى ديكتاتورية فرانكو، مقابل أقل من 10% في مطلع الألفية، مع ارتفاع التأييد بين الشباب (24% بين 18 و28 عاماً)، مقابل 12% فقط لمن تزيد أعمارهم على 61 عاماً. وأشار استطلاع لصحيفة إل إسبانيول في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي إلى أن 36% من الإسبان يميلون إلى التقييم الإيجابي لما "مثّله" فرانكو، وأن الانقسام بين مؤيدي اليمين واليسار واسع حول كيفية تقييم الماضي. يُذكر أن النظام كان قائماً على القتل والسجن والتعذيب، حيث فقد نحو 500 ألف شخص حياتهم خلال الحرب الأهلية، واختفى نحو 140 ألف بعد الحرب، وفّر ملايين إلى المنفى هرباً من القمع والمجاعة.

النموذج الألماني والإيطالي: القطيعة شرطاً للديمقراطية

على النقيض، تواجه ألمانيا إرث النازية بصراحة، عبر تجريم تمجيدها ومحاكمات نورمبرغ وإدراج جرائمها في المناهج التعليمية، مع إنشاء متاحف ونصب تذكارية تركز على الضحايا، ما جعل أي تعاطف علني مع النازية مرفوضاً اجتماعياً ومجرماً قانونياً، رغم استمرار بعض التيارات المتطرفة المحدودة. أما إيطاليا، فقد حُرِّم الحزب الفاشي ورموزه، وأدرجت جرائم الفاشية في المناهج، وجرت محاكمة قيادات النظام، ما حد من تمجيد موسوليني علناً، لكنه لم يصل إلى الحسم الكامل مثل ألمانيا، وبقيت بعض الرموز والأفكار الفاشية ضمن حركات يمينية صغيرة، دون النفوذ الذي يتمتع به حزب فوكس في إسبانيا، رغم اتهامات بوجود جذور فاشية لدى حزب رئيسة الحكومة الإيطالية، جورجيا ميلوني.

الانتقال الإسباني: ديمقراطية بلا محاسبة

في إسبانيا، حصل الانتقال إلى الديمقراطية بعد وفاة فرانكو عام 1975 وفق منطق مختلف تماماً، إذ جرى التوافق السياسي على ما عُرف باتفاق النسيان، الذي تُوّج بقانون العفو الشامل عام 1977، والذي حال دون محاسبة أي شخص على الجرائم المرتكبة خلال الحرب الأهلية أو خلال الديكتاتورية التي استمرت 36 عاماً. ونتيجة لذلك، لم تُجر محاكمات لجلادي النظام، وانتقلت شخصيات من النظام الفاشي إلى مؤسسات الدولة الجديدة، كالجيش والأمن، وبقيت الرموز الفرانكوية حاضرة في الفضاء العام لعقود. وكان هذا الخيار، الذي برر آنذاك بالخوف من عودة العنف أو الانقلاب العسكري، قد أدى على المدى الطويل إلى هشاشة الذاكرة الديمقراطية، وترك المجتمع دون سردية أخلاقية واضحة تدين الاستبداد، رغم انضمام إسبانيا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

الفاشية رأياً لا جريمةً

بعكس ألمانيا، لم يُجرم في إسبانيا تمجيد فرانكو بشكل صارم إلا في وقت متأخر، وظل من الممكن حتى السنوات الأخيرة رفع رموز فاشية في الفضاء العام، وإطلاق أسماء شخصيات من النظام على الشوارع، والتعبير عن نوستالجيا/ الحنين للدكتاتورية دون تبعات قانونية. هذا التسامح حوّل الفاشية الفرانكوية أحياناً إلى وجهة نظر سياسية أو قراءة بديلة للتاريخ، لا إرث إجرامي، بينما يُعد تمجيد هتلر في ألمانيا خطاً أحمر لا نقاش فيه.

في هذا السياق، يجد حزب فوكس اليميني المتطرف بيئة مثالية لتوسيع نفوذه، إذ يمتنع عن إدانة فرانكو ويُلمّح إلى إنجازات عهد الديكتاتورية مثل النظام والوحدة، ويهاجم ما يسميه "تشويه التاريخ" وهوس اليسار بالماضي. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 43% من ناخبي فوكس ينظرون بإيجابية إلى حقبة فرانكو، مقابل 17% فقط لديهم موقف سلبي، ما يعكس استفادة الحزب من التسامح الاجتماعي والقانوني مع الإرث الفرانكوي لتعزيز شعبيته بين الشباب والناخبين الذين يفتقرون إلى معرفة دقيقة بالتاريخ. ويُعد فوكس الحزب الأكثر شعبية بين الشباب حالياً، بتحقيق تأييد يقارب 17% على المستوى الوطني، مقابل 33% لليمين الوسط و27% للحزب الاشتراكي بقيادة بيدرو سانشيز، وهو ما يحوّل التسامح مع الماضي إلى رأس مال سياسي يُستخدم لتقديم الاستبداد بديلاً فعّالاً للديمقراطية.

الذاكرة والتعليم الحلقة الأضعف في المواجهة

يرى مؤرخون وصحافيون إسبان أن المشكلة لا تكمن فقط في السياسة، بل في التعليم. فقد نشأت أجيال كاملة بمعرفة ضئيلة أو مشوّهة بتاريخ القرن العشرين، حيث خُفِّف من حجم القمع، وجرت المساواة بين الضحايا والجلادين، وغاب التركيز على جرائم النظام. وفي هذا الفراغ، يصبح من السهل على الخطاب الشعبوي إعادة صياغة الماضي بما يخدم الحاضر.

ومنذ وصول بيدرو سانشيز إلى رئاسة الحكومة عام 2018، بدأت الدولة الإسبانية خطوات متأخرة لمواجهة هذا الإرث، من بينها نقل رفات فرانكو من موقع رمزي، وإصدار قانون الذاكرة الديمقراطية في 2022، وإزالة الرموز الفاشية، وإصلاح المناهج التعليمية، وتكثيف البحث عن ضحايا المقابر الجماعية، غير أن هذه الخطوات تواجه مقاومة سياسية واجتماعية قوية، ما يجعل نتائجها غير مضمونة. وقانون 2022 يجعل الدولة مسؤولة عن البحث عن المختفين في مقابر جماعية ويضع آليات للبحث والتوثيق وإعادة الاعتبار لضحايا الديكتاتورية، ويمنع أيضاً المنظمات التي تمجّد نظام فرانكو.

الذاكرة خطاً دفاعاً ديمقراطياً

تُظهر المقارنة بين ألمانيا وإسبانيا أن التعامل مع الماضي ليس مسألة تاريخية بحتة، بل خيار سياسي له تبعات مباشرة على الحاضر والمستقبل. فقد ساهم الحسم الألماني مع النازية في تحصين الديمقراطية ضد عودة الفاشية، بينما أدى التسامح الإسباني مع إرث فرانكو إلى إبقاء الباب مفتوحاً أمام إعادة تأهيل فكر الاستبداد، وهو ما يستغله اليمين المتطرف اليوم بوضوح. وتقف إسبانيا اليوم أمام سؤال حاسم: هل تواصل إدارة ظهرها لماضٍ لم يُحاسَب، أم تخوض مواجهة متأخرة، لكنها ضرورية لحماية ديمقراطيتها من أشباح الفاشية؟