بشار الأسد... الوريث الأمين لجمهورية القمع والاستبداد

بشار الأسد... الوريث الأمين لجمهورية القمع والاستبداد

26 مايو 2021
الصورة
قدّم الأسد سورية كلها للروس مقابل حمايته (محمد الرفاعي/فرانس برس)
+ الخط -

لم يخيب بشار الأسد، الذي تسلم الحكم في 17 يوليو/تموز 2000، خلفاً لوالده حافظ الأسد الذي حكم سورية على مدى ثلاثة عقود كاملة، ظنّ السوريين، بأن لا تغيير كبيراً منتظر في عهده، بل إن مجريات الأحداث في سورية سرعان ما أظهرت أنه نسخة مكررة من عهد والده القمعي والاستبدادي.  واليوم، لا يتردد الأسد (56 عاماً) في إجراء انتخابات رئاسية ستؤمن له ولاية رابعة، يدرك جيداً أن نتائجها محسومة لصالحه مع وجود مرشحين اثنين هما صناعة أجهزة أمنه بامتياز. 

الانقضاض على "ربيع دمشق" ومن ثم التورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري طبعا العقد الأول من حكم بشار الأسد

الآمال بالتغيير وانتشال سورية من قيعان الفقر والخوف والاستبداد على يد رئيس شاب لديه اطلاع واسع على التجربة الغربية بالديمقراطية بحكم إكماله الدراسة في جامعات بريطانية، ووصل إلى السلطة بغير ما كان مخططاً له بعد وفاة شقيقه باسل في حادث سيارة عام 1994 والذي كان يجهز لهذا المنصب، سرعان ما تبددت خلال أقل من عام من تسلمه السلطة. في الشهور الأولى من حكمه بدأ ما سمي بـ"ربيع دمشق"، وظهرت المنتديات السياسية، ولجان "أحياء المجتمع المدني" وملامح الانفتاح الاقتصادي. لكن سرعان ما كشف الأسد الابن عن وجهه الحقيقي، فبدأت حملات اعتقال المعارضين والناشطين السياسيين، لتبيّن أن الابن أمين في تقفّي أثر أبيه في القمع والاستبداد.  

وشهدت السنوات العشر الأولى من حكمه تراجعاً كبيراً في مستوى معيشة السوريين، حيث تدنى الدخل الى الحدود الدنيا، مع ارتفاع كبير بمستوى البطالة والأمية. وشكل الانقضاض على "ربيع دمشق" ومن ثم التورط في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في عام 2005، وما تلاه من خروج سورية من لبنان أبرز المحطات التي طبعت العقد الأول من حكمه.
وخلال تلك الفترة أيضاً ترك عائلته والدائرة الضيقة المحيطة به تضع يدها على مفاصل الاقتصاد. خلق رجال أعماله كي يسندوه. رتّب المؤسسة الدينية، فأحاط نفسه بمجموعة من "مشايخ السلطان". حوّل سورية إلى ملكية خاصة له، ولشقيقه ماهر ولأولاد خاله محمد مخلوف قبل أن تتأزم العلاقة معهم في الآونة الأخيرة. أفسح في المجال للإيرانيين مع مجيئه إلى السلطة للعبث بهوية سورية. كل هذا وأكثر، كان كفيلاً بتثوير السوريين في عام 2011، بعد أشهر عدة من انطلاق "الربيع العربي"، إذ لم يعد الشعب يحتمل. فاضت كأس القمع والتجويع عن آخرها في ذاك العام، وامتلأت شوارع سورية بالمتظاهرين، فواجههم طبيب العيون بالحديد والنار.

رفع بشار الأسد سريعاً شعار "أنا أو الخراب" في وجه الثورة السورية

رفع بشار الأسد سريعاً شعار "أنا أو الخراب"، في وجه الثورة السورية التي لم تكن تطالب سوى بتغيير سياسي بعد 48 عاماً من الاستبداد. اختار منذ البداية المواجهة مع جموع السوريين الذين وجدوا أنّ الفرصة سانحة لاسترداد بلادهم. أطلق يد أجهزة أمنه وقواته لمواجهة السوريين المنتفضين في استعراض مفرط للقوة، ليحوّل سورية بعد 10 سنوات من الثورة إلى أطلال دولة ووطن.
 أدرك السوريون أن النظام ليس في وارد التنازل، فرفعوا سقف مطالبهم مطالبين بإسقاط النظام. وأدرك الأسد أن السوريين الذين خرجوا إلى الشوارع ثائرين لن يعودوا قبل الحصول على مطالبهم، فزاد من وتيره فتكه.
وبقدر كان الشعب السوري استثنائيا في التمسك بحقه بالحياة، كان بشار الأسد ولا يزال استثنائياً بالقمع. اعتقل عشرات آلاف السوريين في سجون علنية ورثها عن أبيه وزاد عليها، وأخرى سرية لا أحد يعرف عنها شيئاً. وما تسرب من صور لاحقاً، خصوصاً صور "قيصر" أظهر التوحش الذي مارسه سجانو الأسد بحق السوريين. قتل الآلاف تحت التعذيب. اعتقل ما يربو عن عشرة آلاف امرأة وخمسة آلاف طفل كرهائن، فكبروا داخل الجدران العالية الرطبة. وروى ناجون من هذه المعتقلات لوسائل الإعلام فصولاً موجعة عما يحدث داخل الزنازين. استخدم الأسد كل الأسلحة بما فيها المحرمة دولياً في حربه التي أعلنها في أواخر مارس/آذار من عام 2011 أمام ما يسمّى بـ"مجلس الشعب". قتل آلاف الناس خلال ساعات في غوطة دمشق الشرقية منتصف عام 2013. ولم يكتف، إذ استخدم الغازات السامة مئات المرات خلال سنوات الحرب من دون أن يتردد مراراً في نفي مسؤوليته عن مختلف المجازر والجرائم.

أكثر من نصف السوريين ما بين قتيل ومعتقل ومشرد ومهجر
في عهد بشار الأسد

الطائرات الحربية والمروحية التي دفع السوريون أثمانها لحماية وطنهم، وجدوها تدك مدنهم وبلدانهم، فتقتل وتدمّر في مشهد لم يشهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية. وفي حين لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد السوريين الذين قتلهم نظام بشار الأسد خلال عشر سنوات، تشير تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أكثر من 199 ألف مدني. ولم يكن كل ذلك كافياً له فأطلق سراح المتشددين والناقمين من سجونه، فظهرت التنظيمات التي حرفت الثورة عن مسارها، لتسهل بعد ذلك محاربتها. سهّل لهذه التنظيمات السيطرة على جانب من الجغرافيا السورية ليقول للعالم إنه يقاتل إرهابيين لا ثواراً يطالبون بحقهم في بلادهم. وعندما شعر أن طوفان الثورة جامح ليس بمقدوره مواجهته، استعان بالحرس الثوري الإيراني بشكل علني في عام 2013، فبدأ الفتك بالسوريين لخلق ما سمّاه بـ"المجتمع المتجانس". انتشرت المليشيات الإيرانية و"حزب الله" اللبناني على امتداد الجغرافيا، والذريعة كانت جاهزة وهي محاربة تنظيم "داعش" الذي كان سيطر على نصف مساحة سورية في صعود دراماتيكي فرز أسئلة يعرف السوريون جيداً أجوبتها. 
وخلال السنوات الخمس الأولى من عمر الثورة عبر ملايين السوريين إلى دول الجوار للخروج من جمهورية الخوف والنجاة بأطفالهم. وفي العام 2015، حاولت أعداد كبيرة منهم الوصول عبر البحر المتوسط إلى أوروبا.  وفي ذاك العام أيضاً، لم تنفع الأسد مليشيات إيران الطائفية، فترنح مجدداً أمام ضربات فصائل المعارضة السورية التي كانت تتقدم بسرعة باتجاه الساحل السوري ووسط البلاد، وتكاد تحاصره في العاصمة دمشق. استعان الأسد بالروس، فكانت الخطوة الأولى باتجاه سلب السوريين مقدراتهم وقرارهم. فتح الأسد الباب الواسع للروس كي يجربوا أسلحتهم الجديدة بأجساد السوريين، لإغراء "الزبائن" بقدرتها على الفتك. قدّم بشار الأسد سورية كلها للروس مقابل حمايته ونظامه. وقتل الروس مذ ذاك الحين الآلاف من المدنيين. دمروا مستشفيات ومساجد، ومراكز حيوية أخرى. كان كل ذلك عقاباً قاسياً لمن خرج مطالباً بحريته.
خاض بشار الأسد في بحر من الدم والدموع لاستعادة بعض الجغرافيا كي يقنع نفسه بأنه لا يزال رئيساً. هجّر الناس من بيوتهم من جنوب سورية ووسطها إلى الشمال الذي بات مكتظاً بالملايين الذين لاحقهم الأسد إلى هناك قتلاً وقصفاً وحصاراً وتشريداً.
نظرة على سورية بعد عشر سنوات من الثورة، تظهر أن مدناً كاملة أزيلت من الخريطة، وأحياء كاملة باتت أطلالاً. أكثر من نصف السوريين ما بين قتيل ومعتقل ومشرد ومهجر. تحولت سورية إلى ثلاث مناطق نفوذ. المليشيات الإيرانية لها حصة الأسد من سورية، والروس باتوا المتحكمين بكل شيء في البلاد مع منافسة خفية من الإيرانيين، والأميركيون وضعوا يدهم على الجانب المهم من البلاد، وهو ما بات يُعرف بـ"شرقي الفرات"، المنطقة التي تقع تحت سيطرة "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) المتهمة بالتبعية لحزب "العمال الكردستاني". تمزّق النسيج الاجتماعي السوري، فاتسعت الهوّة بين المكونات الطائفية والدينية والقومية، وهو ما يطرح أسئلة حول قدرة هذه المكونات مستقبلاً على التعايش في دولة واحدة. فُرّغت سورية من الكفاءات. لم يعد هناك اقتصاد. تحوّل "الجيش العربي السوري" إلى مجرد مليشيا من مليشيات "الشبيحة" والمليشيات التي تتلقى الدعم من الجانب الروسي أو الإيراني. عطّل الأسد وحلفاؤه الروس والإيرانيون مساعي للأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي يلملم شتات سورية.
واليوم تقف سورية الدولة والوطن والتي باتت تُصنّف في خانة الدول الفاشلة، أمام منعرجات شتى، لأنّ بشار الأسد أعلنها منذ الصرخة الأولى للسوريين: "الأسد أو نحرق البلد". 

المساهمون