بريطانيا: عاصفة جوشوا ترسم حدود الصفح عن "معاداة السامية"

09 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 19:27 (توقيت القدس)
جوشوا بونهيل-باين مرشح حزب المحافظين بالانتخابات المحلية في بريطانيا، 5 أغسطس 2026(فيسبوك)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أثار ترشيح حزب المحافظين لجوشوا بونهيل-باين، الذي له سجل جنائي معادٍ للسامية، جدلاً سياسيًا واسعًا في بريطانيا، مما أدى إلى انتقادات من اللوبي المؤيد لإسرائيل والمنظمات اليهودية.
- واجه الحزب انتقادات من "مجلس القيادة اليهودي" و"مجلس المندوبين اليهود"، وسحبت ترشيحه بعد حملة قادتها النائبة لوسيانا بيرغر، مع دعوات لتدقيق صارم ضد العنصرية.
- رغم سحب الترشيح، استمرت الانتقادات بعد تعيينه مستشارًا، مما زاد الضغط على الحزب لتوضيح موقفه من معاداة السامية وكشف تأثير اللوبي الإسرائيلي.

لا الندم ينفع، ولا الإصلاح يجدي، ولا الاعتذار يُقبل، ولا العقاب يكفي كي يصفح اللوبي المؤيد لإسرائيل في بريطانيا، طالما أن الجريمة هي "العداء للسامية". ويدفع حزب المحافظين اليوم ثمن إيمانه بمبدأ العفو عما سلف، بعد ترشيحه جوشوا بونهيل-باين في انتخابات لعضوية أحد المجالس المحلية. فقد أشعل هذا الترشيح عاصفة سياسية غير مسبوقة، أفضت إلى قاعدة جديدة تحدد ما يغتفر وما لا يغتفر في السياسة البريطانية.

لم تكن قضية جوشوا بونهيل-باين قضية فرد بقدر ما كانت اختباراً حقيقياً لحدود العمل السياسي في بريطانيا. فالرجل، بسجله وبمساره اللاحق، تحوّل إلى نموذج تُقاس عليه قاعدة جديدة، وإلى ذريعة يُعاد من خلالها رسم الخطوط الفاصلة بين ما يُغتفر سياسياً وما لا يُغتفر. ولفهم حجم العاصفة، لا بدّ من العودة إلى تفاصيل هذا السجل.

سجل جوشوا الجنائي حافل ومتنوع، ويشمل إدانات بالاعتداء على ضابط شرطة، وإجراء اتصالات بالآخرين، والسطو على مركز شرطة في عام 2011، وهو في سن الـ19. وفي عام 2015، حكم عليه، وهو في سن الـ23، بالسجن مدة 40 شهراً، بعد إدانته بنشر "مواد معادية للسامية وبغيضة" على الإنترنت. وسبق نشر هذه المواد تظاهرة كان من المقرر أن ينظمها النازيون الجدد. وبعد عام واحد، أُدين بـ"التحرش العنصري" بالسياسية اليهودية لوسيانا بيرغر، التي كانت آنذاك عضوة في مجلس العموم (البرلمان) عن حزب العمال الحاكم. وشمل التحرش، حسب ما قضت المحكمة، حملة إساءات نشرها عبر مدونات وصف فيها النائبة بأوصاف مسيئة. وحكم عليه بالسجن مدة 24 شهراً. ولم تضف هذه المدة إلى فترة سجنه، لأنه كان بالفعل سجيناً بعد إدانته في القضية الأولى. وأطلق سراحه في عام 2018، من دون أن تخفض المدة شهراً واحداً، كما جرت العادة في كثير من الجرائم الأخرى. 

حزب محافظ "مختلف"

بعدما أُطلق سراحه قبل ثماني سنوات، بقي جوشوا، البالغ من العمر 33 عاماً الآن، في الظل، وعمل خلالها مع منظمات تنشط في "مكافحة التطرف"، ثم بات شخصية شهيرة تتابع أعداد غفيرة مقاطع فيديو سياسية ساخرة يبثها على يوتيوب، ما جعل حزب المحافظين، على ما يبدو، يتوقع تمتعه بشعبية كبيرة. ولما اطمأن حزب المحافظين، كما أعلن، إلى أنه "تاب" و"استجاب لبرنامج الإصلاح وإعادة التأهيل" في السجن وبعده، اتخذ قراراً سياسياً غير مسبوق باختياره للمنافسة في انتخابات مقرر إجراؤها عام 2027، على أمل فوزه بمقعد في أحد المجالس المحلية في مقاطعة سمرست، جنوب غربي إنكلترا. وخلال مراسم إعلان اختياره للترشح، أعلن أن هدفه من شغل هذا المقعد هو "رد الجميل للمجتمع الذي دعمه". وأكدت زعيمة المحافظين كيم بادينوك، شخصياً، تضامنها معلنة أنه "قد تكون مهاجمة (الأشخاص الذين تغيروا) ومحاولة إلغاء مشاركتهم أمراً ممتعاً للأحزاب الأخرى، لكن هذا حزب محافظ مختلف".

وأثار الترشيح عاصفة سياسية واجهت حزب المحافظين من جهات عدة، رغم مواقفه الداعمة لإسرائيل، ورفضه خطوات بريطانية لمحاسبة قادتها أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهي مواقف أسهمت في خسارته عدداً من الدوائر خلال الانتخابات المحلية الأخيرة. وسارع "مجلس القيادة اليهودي" و"مجلس المندوبين اليهود"، وهما من أبرز المنظمات اليهودية المؤيدة لإسرائيل في المملكة المتحدة، إلى مهاجمة الحزب، متهمَين إياه بسوء التقدير في اختيار جوشوا مرشحاً.

ورفض "مجلس القيادة اليهودي"، الذي سبق أن استندت الشرطة البريطانية إلى تقاريره بشأن مخاوف داخل المجتمع اليهودي لتبرير فرض قيود على تظاهرات منددة بالحرب الإسرائيلية على غزة، طلب جوشوا عقد لقاء معه، معلناً استعداده للقاء قيادات حزب المحافظين فقط، بهدف "مساءلة الحزب بشأن آليات وعمليات اتخاذ القرار لديه". بدوره، رأى "مجلس المندوبين اليهود" أن ماضي جوشوا "المليء بمعاداة السامية والتحريض العنصري يجعله غير مؤهل على الإطلاق لتمثيل أي حزب سياسي محترم"، مطالباً المحافظين بقطع أي صلة به.

إظهار الندم

انضمت النائبة لوسيانا، وهي الآن بارونة في مجلس اللوردات، إلى الحملة بإجراء مقابلات صحافية تشكو فيها من أن القضية التي أُدين فيها جوشوا بالتحرش بها "لا تزال تطاردها" و"تؤرقها". وقالت إن بادينوك، زعيمة حزب المحافظين، قد "أخطأت خطأ بالغاً" بموافقتها على ترشيح جوشوا.

وفي ردها، حاولت بادينوك تهدئة الحملة بطمأنة المنظمات اليهودية إلى أن جوشوا قد "أعيد تأهيله"، و"يستحق فرصة ثانية". ورد عليها المجلسان اليهوديان، في بيان مشترك، بالإصرار على أن إعادة التأهيل "لا تعني منح مقعد سياسي لشخص أُدين بجرائم كراهية شديدة". وانتهز حزبا العمال، الحاكم بقيادة آندي بيرنهام والديمقراطيين الليبراليين، الفرصة السياسية للهجوم على المحافظين، ووصفاهم بالافتقار "التام إلى الحكمة والتدقيق".

ورغم المساعي الحثيثة، رفض المجلسان قبول ندم جوشوا على أفعاله، ما أجبره والمحافظين على سحب ترشيحه من السباق الانتخابي في 5 أغسطس/ آب، ووعدوا بأن يظل جوشوا يسعى إلى فرصة "لإظهار ندمه للمجتمع اليهودي" في بريطانيا، رغم إغلاق المنظمات اليهودية كل أبواب التوبة أمامه. وبينما رحب "مجلس المندوبين" بسحب ترشيح جوشوا، وجه رسالة واضحة وحاسمة تنصح جميع الأحزاب بـ"استخدام إجراءات التدقيق لضمان اتخاذ موقف قوي بشأن العنصرية والتمييز، بما في ذلك معاداة السامية".

نبش في السجلات

وبينما رأى حزب الليبراليين الديمقراطيين أن الانسحاب هو "النتيجة الصحيحة"، فقد أكد أنه "ما كان ينبغي أن يصل الأمر إلى هذه النقطة"، وزاد الحزب من الشحن السياسي ضد المحافظين بقوله إن أكثر ما يثير القلق الآن "هو ردة فعل بادينوك"، لأنها "لم تعترف بأن حزبها قد أخطأ في هذا الأمر، بل وصفت القلق المشروع بشأن معاداة السامية بأنه مبالغة". وقال إن في هذا "رسالة مقلقة".

لم تسكن العاصفة. حاولت بادينوك المقاومة لحفظ ماء وجه الحزب، فعينت السياسي المغضوب عليه مستشاراً للجنة الثقافة والاندماج بحزب المحافظين، للعمل على تحقيق هدف "حماية الشباب من الوقوع في التطرف"، وزادت بوصف الهجوم المستمر عليه بأنه "محاولة للإلغاء والاستهداف لأغراض سياسية".

وعادت لوسيانا إلى انتقاد الحزب، ووصفت تعيين جوشوا بأنه "إهانة"، معتبرة أن قرار بادينوك لا يقل سوءاً عن ترشيحه لعضوية المجلس المحلي. وانضم إليها حزب "إصلاح المملكة المتحدة" اليميني المتطرف، الذي وصف القرار بأنه "لا يصدق"، وقال إنه يثير قلق الجالية اليهودية في بريطانيا.

وعندما سئل حزب المحافظين عن مؤهلات جوشوا لهذا المنصب وأسباب استمرار دعمه، قال إن لديه شهادة معتمدة من وزارة الداخلية تؤهله لتدريب أفراد الشرطة والمجتمع على مكافحة معاداة السامية. لكن الوزارة نفت إصدارها هذا النوع من الشهادات، ما فتح الباب أمام مزيد من التدقيق في سجل جوشوا، ومنح حزب "الإصلاح" فرصة لتصعيد حملته على المحافظين، متهماً إياهم بـ"الإصرار على الخطأ والتهور السياسي". ولا يزال الحزب يبحث عن مخرج ينهي الجدل المتواصل بشأن جوشوا.

تكشف قضية جوشوا بونهيل-باين، بغض النظر عن تفاصيل سجله وحيثيات ترشيحه، عن موقع اللوبي المؤيد لإسرائيل في المشهد السياسي البريطاني، وقدرته على تحديد من يدخل الحياة العامة ومن يبقى خارجها. كما تكشف عن حدود "العفو السياسي" في بريطانيا، وعن الفارق بين الجرائم التي يطوى ملفها بعد قضاء العقوبة، وتلك التي تبقى مفتوحة إلى أجل غير مسمى. وهي معادلة يبدو أن كل الأحزاب، بمختلف مواقعها، ستضطر إلى التعامل معها في الاستحقاقات القادمة.