- تأثير التمويل الأميركي: تقدم حزب "البديل من أجل ألمانيا" في استطلاعات الرأي يضعف الائتلاف الحاكم، والتمويل الأميركي قد يُستخدم لنشر الأخبار الكاذبة، مما يزيد من انعدام الثقة في الحكومة الألمانية.
- التعاون بين "ماغا" و"البديل": التعاون بين "البديل من أجل ألمانيا" وحركة "ماغا" الأميركية يهدف لتعزيز نفوذ اليمين المتطرف وتقويض القيود الأوروبية، رغم محاولات الحكومة الألمانية للحد من هذا النفوذ.
على وقع الانطلاقة العملية للانتخابات البرلمانية المقررة في عدد من الولايات في ألمانيا بدءا من سبتمبر/أيلول المقبل، رفع المستشار الألماني المنتمي إلى حزب الاتحاد المسيحي فريدريش ميرز، في تصريحات إعلامية، من حدة نبرته ضد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، محذراً من تدخلها في الانتخابات في برلين ومعلناً عزم حكومته الحد من فرص فوز "البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي الذي يتصدر استطلاعات الرأي حالياً. فماذا عن أسباب تحذيرات ميرز ودوافعها، وكيف تتعاون حركة "ماغا" (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً) مع "البديل من أجل ألمانيا" المتطرف في ظل طروحهما المشتركة ضد أوروبا الموحدة؟
تمويل أميركا مشاريع في أوروبا
من أهم أسباب تحذيرات ميرز للإدارة الأميركية من التدخل في الانتخابات، خلال مؤتمره الصحافي الأربعاء الماضي، العلاقة الوثيقة التي تحافظ عليها إدارة ترامب مع قوى اليمين الشعبوي في أوروبا، وبينهم حزب "البديل من أجل ألمانيا"، وإعلان وزارة الخارجية الأميركية قبل أيام عن برنامج تمويل جديد لدعم مشاريع في أوروبا، حيث يمكن لجمعيات أوروبية وأفراد ومراكز أبحاث التقدم بطلبات للحصول على التمويل الأميركي، الذي قد يصل لمئات الآلاف من الدولارات للمشروع الواحد. وذكرت الخارجية الأميركية، في بيان أخيراً، أن الدعم يهدف إلى المساعدة في تعزيز صمود الديمقراطية وسيادة القانون وحرية التعبير والصحافة وحقوق الإنسان في أوروبا، مذكرة "بالتراث الحضاري الغربي" المشترك.
سفينيا بولمان: تخبط الائتلاف الحاكم بقراراته يقدم خدمة إلى "البديل" من دون أن يبذل الكثير من الجهد
وكان استطلاع أجراه معهد "إنسا" لأبحاث الرأي لصالح صحيفة "بيلد" الألمانية نشر الأحد 19 يوليو/تموز الحالي، قد بيّن تقدم "البديل" بنسبة 29% من الأصوات على مساحة ألمانيا، محققاً مكسباً بنقطة واحدة مقارنة بأسبوع سابق، بينما تراجع "الاتحاد المسيحي" نقطة واحدة (21%)، فيما لم ينل كل من حزبي "الاشتراكي" و"الخضر" إلا 13%، فيما حقق اليسار 10%. بحسب هذه النتائج، لن يتمكن طرفا الائتلاف الحاكم، "الاتحاد المسيحي" و"الاشتراكي الديمقراطي" من تشكيل الحكومة مستقبلاً.
وفي وقت حثّ ميرز في كلامه ناخبي "البديل من أجل ألمانيا" على ألا يجعلوا نشاط وسائل التواصل الاجتماعي مصدرهم الوحيد للمعلومات، مبيناً أن حكومته تسعى جاهدة لتحسين الوضع الاقتصادي وتحقيق الاستقرار ونبذ الصراعات الاجتماعية والسياسية، قالت الباحثة في علم الاجتماع السياسي سفينيا بولمان، في حديث مع "العربي الجديد"، إن الخشية كبيرة من أن تستفيد جهات بعينها من التمويل، وفي طليعتها اليمين الشعبوي، وتستخدمها بالتسويق للأخبار الكاذبة والمضللة، والتلاعب بالفيديوهات عبر المنصات، أو كتابة تقارير وتحقيقات تشوه الواقع والقضايا العالقة بغية ترسيخها في أوساط المجتمع، بهدف تأليب المواطنين على الائتلاف الحاكم الذي يضم أكبر الأحزاب التقليدية، "الاتحاد المسيحي" و"الاشتراكي الديمقراطي". وأضافت بولمان: "الطريف في الموضوع أنه ووفق الخارجية الأميركية فإن هدف التمويل بهذا المبلغ الزهيد، دعم حرية التعبير وحماية الديمقراطية، في حين تدفع ألمانيا للمنظمات والمؤسسات غير الحكومية أكثر من 80 مليون يورو سنوياً لهذا الغرض".
ومع قول ميرز في مقابلته الصحافية، مع القناة الثانية في التلفزيون الألماني "زد دي أف" الأحد 10 يوليو، إن حكومته تعتزم الحد من حضور "البديل" في الانتخابات بعدما أدرك الجميع "حجم المهمة"، ولا يزال هناك إمكانية لمنعه من الحصول على الأغلبية، وبأنه يتردد كثيراً على شرق ألمانيا لإقناع الناس "بما نعتقد أنه الصواب"، رأت بولمان أن تخبّط الائتلاف الحاكم بقراراته يقدّم خدمة إلى "البديل من أجل ألمانيا" من دون أن يبذل الكثير من الجهد، حيث يتزايد انعدام الثقة في شفافية الحكومة بقيادة ميرز، فيما يبدو أن المسؤولين في برلين لا يفكرون إلا بزيادة الأعباء المعيشية على المواطنين وتزداد الفجوة بين الحكام والمواطنين. واعتبرت أنهم "غير مهتمين أو متجاهلون للأمر عمداً، لأن الواقع لا يتوافق مع أيديولوجيتهم السياسية. وهنا يكمن الخطر تحديداً، حيث يشعر الناس كأن القرارات السيئة تتراكم يومياً، بينما يبقى السياسيون عالقين في دوامة تأدية العمل كالمعتاد"، في إشارة إلى أنه يجب على ميرز التخلي عن خيارات التنبيه والمناشدة.
مصالح "ماغا" مع "البديل"
وعدا عن التواصل المستمر بين "البديل من أجل ألمانيا" و"ماغا" من خلال المؤتمرات والفعاليات في برلين وغيرها، ذكر موقع "لوبي كونترول" الألماني في 21 يوليو/تموز الحالي، أن "ماغا" ومعها مليارديرات بارزون في مجال التكنولوجيا، مثل إيلون ماسك وبيتر ثيل ومراكز أبحاث أميركية مؤثرة مقربة من ترامب و"ماغا" تصدّر الآن، ليس فقط الأفكار إلى العالم، خصوصاً إلى أوروبا وفي مقدمتها ألمانيا، بل أيضاً الاستراتيجيات والشبكات ومبالغ طائلة من المال، من دون أن يخفي هؤلاء الاقطاب رغبتهم في وصول حكومات اليمين المتطرف إلى السلطة، ويتدخلون في الانتخابات لتحقيق هذا الهدف. وكل ذلك من منطلق أن أوروبا تعد هدفاً مربحاً لإدارة ترامب.
وفي حال نجاحها بإيصال حكومات شعبوية يمينية إلى السلطة في برلين ستتمتع الولايات المتحدة بنفوذ تفاوضي أكبر مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وسيُمكّنها ذلك من تجنب فرض لوائح تنظيمية على الشركات الأميركية، والتي تمثل بالنسبة للأوروبيين معايير حماية. وعلى رأس قائمة مطالب "ماغا" التخلص من القيود الأوروبية المفروضة على شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة. وفي ألمانيا ينصبّ الاهتمام على "البديل"، على الرغم من أن "الاتحاد المسيحي" كان تقليدياً شريكاً محافظاً للحزب الجمهوري الأميركي قبل أن يتحول الأخير إلى اليمين المتطرف.
أندريه شونمان: هناك انسجام بين "ماغا" والأحزاب اليمينية الشعبوية، وتقارب في العديد من القضايا من حيث المضمون
وقال الباحث في العلاقات الدولية والعلوم السياسية أندريه شونمان، في حديث مع "العربي الجديد"، إن هناك انسجاماً بين "ماغا" والأحزاب اليمينية الشعبوية، وتقاربا في العديد من القضايا من حيث المضمون، وأهمها معارضتهم ما يفترض أنه هيمنة يسارية في الديمقراطيات الغربية ووسائل الإعلام التقليدية والسياسة الاجتماعية والمناخ والاتحاد الأوروبي والسياسات الثقافية والاجتماعية التي يزعمون أنها "مستنيرة". وأضاف: "قبل كل شيء، يدافعون بقوة عن المصالح الوطنية، كما وقناعتهم بوجود تهديد لنهاية الديمقراطية، وهذا ما ينعكس بخطابات اليمين الشعبوي في قضايا الهجرة وفقدان الهوية والقمع وحرية التعبير".
النفوذ الأميركي في برلين
وفي ما خص ثغرات النفوذ الأميركي في برلين رغم تأكيد ميرز، في مؤتمره الصحافي على الحد الواضح في القانون الألماني الذي يحظر تمويل الأحزاب السياسية من الخارج، أفاد مطلعون بأن النظام الحزبي الألماني لا يتمتع حالياً بحماية كافية ضد التبرعات الضخمة من الخارج. من جهة، توجد ثغرات في القانون تجعل التبرعات المحظورة من الخارج مشروعة، بينها مثلاً تقديم عرض مقابلات إلى "البديل من أجل ألمانيا" على منصات التواصل الاجتماعي، بينها "إكس"، ومن جهة أخرى، لا يوجد حد أقصى للتبرعات الحزبية في ألمانيا. والخشية تكمن في أن يتم تشويه المنافسة الحزبية في برلين بحكم التبرعات الفردية الضخمة من الولايات المتحدة لحزب "البديل من أجل ألمانيا" مع التحول السلطوي هناك نتيجة لتطور نشاط فاحشي الثراء، في قطاعات المعادن والوقود الأحفوري والتكنولوجيا، وتحويل قوتهم الاقتصادية إلى سياسية، وبشكل منهجي. ويعد رجل الأعمال الألماني بيتر ثيل منذ سنوات أحد أبرز الداعمين الماليين والمفكرين البارزين لليمين الأميركي، ويصرح علناً بأنه يعتبر الديمقراطية والحرية متناقضتين. وتماشياً مع أيديولوجيته ينشئ البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك برامج المراقبة مثل "بالانتير".
عدا ذلك، تكمن خطورة التواصل بين الجمهوريين الأميركيين والسياسيين اليمينيين المتطرفين الألمان، بأن الورقة الاستراتيجية الأميركية لعام 2025
، أشارت إلى ما تسميه "خطر الابادة الحضارية" لأوروبا، الناجمة عن "الهجرة والصراعات والقيود المفروضة على حرية التعبير وقمع المعارضة السياسية".