بايدن يكسر المألوف في التعيينات... هل يكرر الأمر في السياسات؟

01 ديسمبر 2020
الصورة
بايدن يسلم قيادته لفريق نسائي (Getty)
+ الخط -

أكثر ما يستوقف في الدفعات الأولى من تعيينات الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن في إدارته القادمة، كان خروجه غير المسبوق على المألوف في تركيبتها، وأبرز ما في ذلك كان ترجيحه لكفة المرأة والأقليات ولأول مرة  في الحقائب الأساسية مثل وزارة المالية ووكالة الاستخبارات الوطنية ومكتب الموازنة، ومن المرجح أن تلحق بها حقيبة وزارة الدفاع، وربما وزارة العدل، ولو أنه سبق وشغلتها امرأة.

موجة عارمة من الحضور النسائي ومن الملونين في المواقع المفصلية الهامة ومنها  الطاقم الإعلامي في البيت الأبيض الذي سلّم بايدن قيادته بالكامل لفريق نسائي، والمتوقع أن يعلن عن المزيد من مثل هذه الخيارات، والتعليل لهذا التوجه، أن الرئيس المنتخب يفضّل الخبرات المجربة وغير المتنافرة، التي يعرفها والتي جاءت غالبيتها من إدارة أوباما، كما أن اللافت أن بعضها كان من بين الذين استبعدهم أو أقالهم الرئيس ترامب، ربما ليس فقط على أساس الكفاءة، بل أيضاً لرد الاعتبار لهم، على ما يبدو.

موجة عارمة من الحضور النسائي ومن الملونين في المواقع المفصلية الهامة ومنها  الطاقم الإعلامي في البيت الأبيض الذي سلّم بايدن قيادته بالكامل لفريق نسائي

 

جانيت يالين، التي أختارها لوزارة المالية، اختصاصية مخضرمة في شؤون المال والاقتصاد، تمتد تجربتها من الأكاديميا إلى مصرف "الاحتياط الفيدرالي" (البنك المركزي)، الذي عملت في مجلس إدارته لسنوات قبل أن تشغل رئاسته لمدة أربع سنوات، بعدها تخلى عنها الرئيس ترامب برفض التجديد لها،كما شغلت في التسعينيات رئاسة المجلس الاستشاري الاقتصادي في البيت الأبيض.

كما أختار بايدن أفريل هاينز لتكون مديرة (برتبة وزير) لوكالة الاستخبارات الوطنية، والتي تولت أيام أوباما موقع نائب مدير "السي أي إيه"، وأيضاً ميشيل فلورني، المرشحة لوزارة الدفاع كخيار أول والتي عملت كمعاون لوزير الدفاع لشؤون رسم السياسات، قبل أن يصرف الرئيس ترامب النظر عن تعيينها كبديل للوزير جيمس ماتيس بعد استقالته، ويزاحمها على المنصب وزير الأمن الداخلي في زمن أوباما، جي جونسون الذي لو وقع عليه الخيار، فسيكون أول أميركي أسود يتولى قيادة البنتاغون.

وصدرت تلميحات حول قيام بايدن بجس نبض بعض قدامى الجمهوريين التقليديين خاصة الذين وقفوا إلى جانبه في الانتخابات مثل السيناتور، والوزير السابق تشاك هيغل، للمشاركة في إدارته.

كل ذلك جعل من بدايات تشكيل إدارته المتوقع أن يستمر فيها بهذا الخط، سابقة فارقة، لكن تعييناته نالت حتى الآن الترحيب والقبول عموماً باستثناء عتاة الخصوم، ومن المتوقع بعد أن تبرد الرؤوس قليلاً أن يمرر مجلس الشيوخ غالبيتها الساحقة، إن لم يكن جميعها، حتى لو بقيت أكثريته بيد الجمهوريين، فمعظمها أسماء معروفة شغلت سابقاً مواقع في مطبخ القرار وبموافقة من المجلس. 

وأثار اسم واحد فقط من بينها اعتراض بعض الجمهوريين الذين سارعوا إلى التلويح برفض الموافقة على تعيين نيرا تاندن مديرة لمكتب الموازنة، وهي من أصل هندي وسبق أن عملت في حملة هيلاري كلينتون وتترأس حالياً "المركز الأميركي للتقدم" بواشنطن، كمؤسسة للدراسات والأبحاث التقدمية.

وفي العادة، يحرص الرئيس المنتخب على استقدام وجوه جديدة ومتوازنة لإدارته بهدف إشاعة الانطباع عن استقلالية وخصوصية رئاسته وتمايزه عن أسلافه، لكن بايدن تعمّد مخالفة هذه القاعدة بصورة استدعت التساؤل عما إذا كانت تعييناته هذه مسرحية شكلية بغرض الإيحاء بنية التمرد على الموروث، أم أنها تؤشر إلى توجه عازم على تغيير  السياسات القائمة، إن لم يكن الانقلاب عليها. 

تاريخ بايدن، وكذلك خطابه الانتخابي لا يسمحان بالحديث عن تحولات جذرية في ظل رئاسته، سوابقه تضعه في خانة السياسي التسووي المتحرك غالباً بين خطه الليبرالي الديمقراطي وبين التكيف مع وجهة رياح اللحظة السياسية وحساباتها مهما كانت، ومواقفه غالباً حكمها التذبذب والبعض يقول التسرع. 

تاريخ بايدن، وكذلك خطابه الانتخابي لا يسمحان بالحديث عن تحولات جذرية في ظل رئاسته، سوابقه تضعه في خانة السياسي التسووي المتحرك غالباً بين خطه الليبرالي الديمقراطي وبين التكيف مع وجهة رياح اللحظة السياسية

 

وفي كل مرة، كانت تنفضح فيه هذه الازدواجية، كان يسارع إلى التراجع ونقد الذات، مثل تأييده لغزو العراق ثم اعترافه لاحقاً بالخطأ، وكذلك خطئه الشهير بحق الشاهدة انيتا هيل في جلسة استماع اللجنة العدلية بمجلس الشيوخ التي كان يرأسها عام 1991، للبت بتعيين القاضي كلارانس توماس في المحكمة العليا. 

ويقول وزير الدفاع السابق أيام أوباما، روبرت غيتس، في كتابه، إن مقاربات بايدن الخارجية كانت غالباً خاطئة، وحتى لو فاز حزبه بانتخابات عضوي مجلس الشيوخ في ولاية جورجيا، فليس من المتوقع أن يتخلى عن خطه التوافقي الذي يحرص على التشديد عليه وبما يميزه عن "اليسار التقدمي" في حزبه الديمقراطي، والذي بدأ يرسل إشارات التذمر من "وسطية" الرئيس المنتخب، فالعوائق كثيرة وكبيرة في طريق التغيير الذي يتعدى الإطاحة بما تيسر من تركة ترامب. 

جائحة كورونا الخارجة الآن عن السيطرة ومضاعفاتها الاقتصادية المتفاقمة، كفيلة بالتهام بدايات رئاسته، إذا لم يكن معظمها، خاصة وأن مسالة اللقاح وإنتاجه وتوزيعه ومدى فعاليته، ما زالت في إطار الوعد ولو القريب. يضاف إلى ذلك أن المشهد السياسي الأميركي يعيش في حالة من انعدام الوزن.

موعد تدشين رئاسة بايدن صار على مسافة خمسين يوماً، فيما الرئيس ترامب يتابع مع فريقه رفض نتائج الانتخابات بزعم أنها "مزورة " والسعي ولو بلا جدوى حتى الآن، لتغيير معادلتها، وليس خارج التوقعات أن يحصل ما ليس في الحسبان قبل 14 ديسمبر/كانون الأول القادم، المفترض أن يقفل فيه الملف بعد تصويت المجمع الانتخابي  لصالح بايدن.

المساهمون