بايدن يتخلص من عبء أزمة نتائج الانتخابات: مهادنة أكثر من اللازم؟

20 يناير 2021
الصورة
بدا بايدن أكثر رضوخاً لمنطق "العمل الجماعي" (Getty)
+ الخط -

مع تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة، اليوم الأربعاء، يكون الرئيس الأميركي جو بايدن قد تخلص من عبء اضطراره، على مدى الأسابيع الماضية، للتعامل على نحو شبه يومي مع الأزمة التي تسبب بها الرئيس الخاسر دونالد ترامب برفضه الاعتراف بنتائج الانتخابات بل والتشكيك بصدقيتها. مع العلم أن الأحداث التي رافقت الانتخابات كانت الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، في سياق سعي ترامب لعكس النتائج. وقد بدأ ترامب هذا المسار مسبقاً، انطلاقاً من تشكيكه بخدمة البريد الأميركي في الصيف الماضي، مثيراً الجدل حول احتمالات التزوير في صناديق الاقتراع، وصولاً إلى اقتحام أنصاره "كابيتول هيل" في 6 يناير/كانون الثاني الحالي. وبينما اختار ترامب استراتيجية صدامية في تعاطيه مع ملف الانتخابات، بدا بايدن أكثر مهادنة ولم ينتقل إلى مرحلة الهجوم النسبي إلا بعد مصادقة المجمع الانتخابي على فوزه، وهو ما أثار تساؤلات حول دوافعه وما إذا كانت هذه الاستراتيجية مبالغا فيها، خصوصاً في الوقت الذي كان ترامب يدخل البلاد في أزمة غير مسبوقة وصلت إلى ذروتها باقتحام أنصاره للكونغرس.


اعتبر بايدن أن مواقف ترامب من النتائج الانتخابية متطرّفة للغاية 

وبالعودة إلى اليوم التالي للانتخابات الرئاسية التي أجريت في 3 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بدا ترامب متجهماً بعد تيقنه من تراجعه في مختلف الولايات التي أعلن فوزه بها، وباشر استعداداته للتصعيد. وفي موازاة الدعاوى التي رفعها ترامب وفريقه إلى المحاكم المحلية وعلى مستوى الولايات وصولاً إلى المحكمة العليا، كان بايدن يعوّل على رفض الجسم القضائي اتهامات ترامب. وبدلاً من مهاجمة خصمه الجمهوري بحدّة، اعتبر في 7 نوفمبر الماضي، أنه "مع انتهاء الحملة، حان الوقت لندع الغضب والخطاب المحتدم خلفنا ونتجمع كأمة. حان الوقت لتتجمع أميركا وتضمد جراحها". وتعهّد بأن يكون "رئيس جميع الأميركيين".

ولم يُدرك بايدن أنه في مواجهة رئيس غير تقليدي لن يرضخ بسهولة للنتائج، إلا بعد مرور شهرٍ كامل على الانتخابات، أي بعد إعلان المجمع الانتخابي فوزه في 14 ديسمبر/كانون الأول الماضي. فهاجم الرئيس المنتخب، في خطاب ألقاه في معقله بمدينة ويلمنغتون في ولاية ديلاوير، مواقف ترامب الرافضة للنتائج. وقال بايدن: "هذا موقف متطرّف للغاية، لم نشهده من قبل. موقف فيه رفض لاحترام إرادة الشعب، ولاحترام سيادة القانون، ولاحترام دستورنا". وتطرق في الخطاب نفسه إلى المضايقات التي تعرّض لها الجسم القضائي من قبل ترامب وفريقه في الولايات المتأرجحة، مثل ميشيغن وأريزونا وجورجيا. واعتبر أن القضاة والمحاكم والمسؤولين عن تنظيم الانتخابات، واجهوا "ضغوطاً سياسية هائلة وإساءات لفظية، وصولاً حتى إلى تهديدات بالعنف الجسدي". وشدّد في حينه على أنّ ترامب استنفد كل الطرق القانونية للطعن بنتائج الانتخابات، لكن "لم يتم العثور في أيّ من هذه الدعاوى، على سبب أو دليل لنقض نتيجة الانتخابات أو جعلها موضع تساؤل أو نزاع". وجدّد دعوته إلى توحيد البلاد في المرحلة المقبلة، للتعافي من فيروس كورونا وآثاره السلبية على الاقتصاد. في كل تلك المحطات الماضية بدا بايدن وفياً للنظام الأميركي، منذ انتخابه سيناتوراً لولاية ديلاوير في عام 1973، ويتصرّف بكياسة سياسية.


لم يعطِ بايدن رأيه في موضوع عزل ترامب ومحاكمته

لكنه في المقابل لم يظهر موقفاً واضحاً حيال مساءلة ترامب في الكونغرس تمهيداً لعزله في الفترة الماضية، بعد اقتحام أنصاره "كابيتول هيل"، بل اعتبر أن "هذا الأمر يعود للمجلس، لكن علينا الاستعداد كي نبدأ عملنا بأسرع وتيرة ممكنة". وأضاف أن "الموضوع لا يتعلق بعزل ترامب، بل بكيفية الاستمرار في محاسبته على ما قام به"، معتبراً أنه "يجب التحقيق في الضرر الذي تسبب به الرئيس لسمعة بلاده حول العالم". ورأى أن أسرع طريقة لمغادرة ترامب البيت الأبيض هي تنصيبه ونائبته كامالا هاريس في الموعد المحدد أي 20 يناير.
في وقوفه في الوسط تقريباً في موضوع ترامب، بدا بايدن وكأنه لا يودّ قطع العلاقة مع الجمهوريين، خصوصاً مع صديقه، زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل.

وعلى عكس ترامب، الذي تصرّف كقائد أوحد متفرّد في مختلف القرارات التي اتخذها، أثناء ولايته، أو في مرحلة ما بعد الانتخابات، بدا بايدن أكثر رضوخاً لمنطق "العمل الجماعي". وهو ما ظهر أيضاً في اختياراته لأركان إدارته الجديدة، ومعظمهم من الفريق الذي عمل مع الرئيس الأسبق باراك أوباما. وكان لافتاً أيضاً كثرة التقارير التي تصف عهد بايدن بـ"المرحلة الانتقالية لمرحلة هاريس" في رئاسيات 2024، وهي نقطة ركّز عليها ترامب مراراَ بـ"التحذير من اليسار الراديكالي". وعلى الرغم من تركيزه على العودة عن الكثير من القرارات التي اتخذها ترامب، مثل "إنهاء القيود المفروضة على الهجرة إلى الولايات المتحدة من بعض البلدان ذات الأغلبية المسلمة"، والعودة إلى اتفاق باريس للمناخ، إلا أنه لم يكن واضحاً إزاء التعامل مع الملف النووي الإيراني، وملف التطبيع، والقضية الفلسطينية.

المساهمون