بايدن وهاريس: مناصران للعدالة والمساواة ولكن ليس في فلسطين

29 نوفمبر 2020
الصورة
بايدن وهاريس من مؤيدي إسرائيل (جو راديل/Getty)
+ الخط -

تنفست القيادة الفلسطينية الصعداء بخسارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانتخابات وعودة رئيس ديمقراطي ليشغل البيت الأبيض. خلال سنواته الأربع، شن ترامب حرباً سياسية واقتصادية على الفلسطينيين. تضمن ذلك نقل السفارة الأميركية لمدينة القدس المحتلة واعتبارها عاصمة للدولة الإسرائيلية، وشرعنه بناء المستوطنات في الضفة الغربية وضمها من قبل إسرائيل. كما قامت الإدارة الأميركية بوقف الدعم الذي تقدمه لمنظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) وللسلطة الفلسطينية، وبإغلاق مقر منظمة التحرير في واشنطن وملاحقة النشاط الفلسطيني بتهمة معاداة السامية. 

وتوجت إدارة ترامب جهودها بطرح "صفقة القرن" التي عملت على إضفاء الشرعية الدولية على نظام التطهير العرقي والفصل العنصري القائم حاليا في فلسطين، ودفعت دولاً عربية لتطبيع العلاقات مع دولة الاحتلال. ولكن القيادة الفلسطينية لا تكتفي بإبداء الارتياح لرحيل دونالد ترامب وصهره المتعجرف، العدو اللدود للفلسطينيين، بل تظهر تفاؤلاً ساذجاً بإدارة الرئيس الديمقراطي الجديد جو بايدن.

بكل تأكيد، سيبدو أن هنالك أثرا إيجابيا لإدارة جو بايدن، ولكن لا اختلاف جوهريا بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري بما يخص فلسطين، بل الحقيقة أن الرئيس الجديد يأتي بعد إدارة مثلت حالة متقدمة جداً من العدوان الإمبريالي ليس على الفلسطينيين فقط بل على البشرية جمعاء، وعلى البيئة وعلى قيم العدالة والمساواة في كل مكان وفي أميركا ذاتها. هكذا، لا يجب أن تتوقع القيادة الفلسطينية موقفاً إيجابياً، دعك من أحلام أن يكون "تقدمياً"، بما يخص فلسطين، بل مجرد عودة إلى الوضع الطبيعي والمتمثل بـ "الالتزام التام بأمن إسرائيل"، وهو التعبير الدبلوماسي الذي يستخدمه الحزب الديمقراطي تاريخياً لإخفاء عدائه الأصيل لحقوق الفلسطينيين.

منذ النكبة الفلسطينية وتأسيس الدولة الصهيونية في العام 1948، ساندت الولايات المتحدة إسرائيل وتطور الدعم بصورة سريعة إلى "علاقة عضوية" تحمي فيها واشطنن الدولة الصهيونية، وتقدم لها المساعدات الاقتصادية والعسكرية، وتمنع عنها المحاسبة والنقد في المحافل الدولية، وذلك مقابل الحصول على قاعدة سياسية عسكرية متقدمة في الشرق الأوسط تعمل باستمرار على ضمان المصالح الأميركية جنبا الى جنب مع خدمة مصالح وبقاء الدولة الصهيونية. لا تتمتع مصالح الفلسطينيين ضمن هذه العلاقة حتى بوضعية "ثانوية". إنها غير مرئية على الإطلاق إذ تقوم العقلية الاستعمارية بـ "تشييء" السكان الأصليين بعد أن تنزع عنهم الحقوق، فيصبحوا ناقصي وكالة وغير مؤهلين لحق تقرير المصير، بل عرضة للاستئصال أو النقل أو "التوظيف البناء" كقوة عمل في مشروع المستوطنين لترويض البيئة الجديدة والتحكم بها.

بهذا المعنى، لم تكن الولايات المتحدة حيادية في أي يوم من أيام الصراع العربي الإسرائيلي، وفضلت دوماً استخدام العصى في تعاملها مع الفلسطينيين، رغم الاتكاء الجزئي على سياسة الجزرة منذ توقيع اتفاق أوسلو والاعتراف بمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. إذ تجنب الإدارات الأميركية المتعاقبة إعلان مواقف متطرفة تجاه المواضيع الحساسة، والتي تحظى بإجماع دولي، كملفات القدس واللاجئين وحل الدولتين. بدا أن التكلفة الدبلوماسية لكسر الإجماع الدولي هي أكبر من العائد الذي يمكن أن تقدمه. ففي نهاية المطاف، كانت إسرائيل ماضية بسياسيات تغيير الأمر الواقع، والتي أدت مع مرور الوقت إلى تفتيت الضفة الغربية وإنهاء حلم القيادة الفلسطينية بدولة فلسطينية مستقلة. راقبت الإدارات الأميركية ذلك بصمت، في وقت تظاهرت فيه بالحياد وبتقديم الدعم الإنساني للفلسطينيين وللاجئين. وفي حين مثل دونالد ترامب انقطاعاً مؤقتاً في تلك السياسة، من المنتظر أن يعيد الرئيس الجديد جو بايدن الأمور إلى نصابها.

الرجل المناسب

مع وصول بايدن للحكم اليوم، سوف نشاهد عودة للموقف الأميركي التقليدي الذي لا ينقصه أي قدر من الحماس تجاه الدولة الصهيونية. وهو ما يجعل من بايدن المرشح المفضل لدى قسم معتبر من اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، والذي وإن لم ينكر الدعم الكبير الذي حظيت به إسرائيل خلال إدارة ترامب، لكنه يبدي قلقاً من الضرر الكبير الذي لحق بصورتها باعتبارها الطفل المدلل لرئيس شعبوي وعنصري وعرضة للتهكم على مستوى العالم. بهذا المعنى، يأمل قسم من اللوبي الصهيوني أن تنهي إدارة بايدن "تسييس" دعم إسرائيل، وهو ما كان يفعله ترامب لتحقيق مكاسب انتخابية لدى قاعدة الحزب الجمهوري، وتعيد الملف الإسرائيلي إلى موقعه الطبيعي كقضية إجماع بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ولقد عبر عن ذلك المحلل الأميركي الصهيوني آرون ديفيد ميلير، والذي ساهم في صياغة سياسات أميركا تجاه إسرائيل في ست إدارات متعاقبة، حيث كتب في مقال لواشنطن بوست: "ترامب كان عظيماً لنتنياهو، ولكن بايدن سيكون أفضل لإسرائيل".

ومن خلال الاطلاع على خطابات سابقة لجو بايدن، سوف يتبين أنه "الرجل المناسب" لهذه المهمة. إذ يظهر تأييده المطلق "لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها" واعتبار الكيان الصهيوني "ضرورة أمنية" و"نقطة القوة الوحيدة التي تملكها أميركا في الشرق الأوسط ". يغيب الفلسطينيون في خطابات الرجل، ويحضرون في مناسبات قليلة عندما يذكر "مفاوضات السلام" المصممة بصورة متعمدة لتكون معادية للحد الأدنى لمطالب الفلسطينيين.

بايدن في عهد أوباما
تشير تقارير عديدة إلى أن الرئيس الأسبق باراك أوباما مثل استثناءً وحيداً بما يخص موقف الرؤساء الأميركيين تجاه الفلسطينيين. كان هذا الرئيس الأول من أصول أفريقية، الوحيد الذي عبر في أحاديثه الخاصة عن حساسية جزئية تجاه حقوق الفلسطينيين، واعتبر إحياء دولة فلسطينية تجسد تلك الحقوق أحد أولويات سياسته الخارجية عندما جاء للسلطة. ولكنه اصطدم ليس بالحزب الجمهوري فقط بل بالحزب الديمقراطي أيضاً. لم يكن لديه أية حظوظ في إدخال مجرد تعديلات على سياسة استعمارية قديمة تحظى بإجماع الحزبين، وبإجماع أعضاء إدارته، بل وبإجماع نائبه الذي اختاره بنفسه أي جو بايدن.

ما لبث أوباما أن استسلم للتيار الجارف وترك نائبه يقود سياسات دعم إسرائيل وتكريس اضطهاد الفلسطينيين. قاد بايدن حملة داخل الكونغرس لإيقاف المساعدات للسلطة الفلسطينية، وهي لا تزيد عن 15 في المئة من المساعدات الموجهة لإسرائيل، وذلك للضغط على الفلسطينيين لعدم المضي قدما للحصول على عضوية في الأمم المتحدة أو لرفع دعوى على إسرائيل في المحكمة الجنائية الدولية. وتشير تقارير إلى أنه وفي الحادثة الوحيدة التي طلب فيها أوباما وضع ضغوط جزئية على إسرائيل لوقف التوسع الاستيطاني ولإبقاء حل الدولتين على قيد الحياة، كان بايدن أول المعارضين والمدافعين عن نتنياهو. وعندما تم الاتفاق مع الإدارة الأميركية على تجميد المستوطنات وانتهكته إسرائيل بعد ذلك بفترة قصيرة وبصورة مهينة لأوباما، عارض بايدن استخدام أي سياسات عقابية، بل عارض استخدام كلمة "تدين" في البيان الذي طلب أوباما إصداره حول بناء المستوطنات. في جميع القرارات الدولية المقترحة لإدانة المستوطنات، عارض بايدن حتى امتناع بلاده عن التصويت وطالب باستخدام حق الفيتو بصورة دائمة. كما عارض سابقة تاريخية امتنعت فيها أميركا عن التصويت على قرار يدين المستوطنات الإسرائيلية، وذلك قبل شهر واحد فقط من مغادرة أوباما في شهر ديسمبر 2016. في مناسبات عديدة، تباهى الرجل بالتصويت ضد تأسيس لجنة للتحقيق بالمستوطنات غير الشرعية في مجلس حقوق الإنسان. باختصار، عارض بايدن دوما حقوق الفلسطينيين، أما ما كان يثير قلقه ويؤرق نومه، كما يقول في إحدى مقابلاته، فليس التطهير العرقي المستمر بحق الفلسطينيين وسجنهم وحصارهم وانتزاع املاكهم، بل محاولات "نزع الشرعية" عن إسرائيل في المحافل الدولية ومن خلال حركة المقاطعة.

في بداية عهد أوباما ومع تعيين جورج ميتشيل مبعوثاً خاصا للشرق الأوسط، ساد تفاؤل بحل قريب لـ "النزاع الفلسطيني الإسرائيلي" كما يطلقون عليه، وبدا للبعض أن الرجل الذي نجح بالتوصل لاتفاق سلام في إيرلندا الشمالية سيقوم بالأمر ذاته مع الفلسطينيين. غير أن تقارير وتسريبات عديدة بينت لاحقاً ان ضغوط ميتشيل على الفلسطينيين كانت هي ذاتها التي يمارسها المبعوثون السابقون. بالسر، حاول ميتشيل فرض اتفاق سلام على الفلسطينيين يشبه إلى حد التطابق صفقة القرن التي يحاول ترامب فرضها بالعلن: لا عودة للاجئين، لا دولة، لا سيادة حتى على فتات من الجزر المعزولة ومقطعة الأوصال، ولا قدس كعاصمة. وليس هنالك ما يوضح محدودية أي أثر إيجابي على الفلسطينيين لأي رئيس أميريكي ديمقراطي أكثر من التذكير بأنه وفي عهد أوباما، الرئيس "الأكثر إيجابية" نحو الفلسطينيين، شنت إسرائيل ثلاث حروب مدمرة على قطاع غزة فقتلت ودمرت، وشددت الحصار على سكانه وجعلته مكانا غير صالح للحياة بحسب الأمم المتحدة. حدث ذلك تحت أنظار أوباما، ذي البشرة السوداء، ونائبه الرجل الطيب القادم ليخلص العالم من شرور وعنصرية دونالد ترامب.

عنصرية ترامب ونفاق الديمقراطيين

خلال السنوات الأربع الماضية، قرَع جو بايدن ونائبته كاميلا هاريس آذاننا بخطابات طويلة تتأسف على ضياع المعايير الأخلاقية وإهمال العدالة والمساواة في عهد ترامب. أعطوا العالم عظات مطولة حول أهمية الدفاع عن القيم والمبادئ والحقيقة ورفض الكذب والنفاق. ولكن، كما يرفض ترامب إدانة "التفوقية البيضاء" والعنصرية البنيوية المتفشية في أميركا، يرفض بايدن ونائبته إدانة نظام التفوق العرقي الصهيوني على أرض فلسطين بل ويقدمون الدعم له بحماس شديد. لا تجد هاريس، التي يحتفل بها الليبراليون كأول امرأة سوداء نائبة للرئيس، حرجاً من الإجابة بـ "نعم" على سؤال في مقابلة صحافية عما إذا كانت إسرائيل تطبق معايير حقوق الإنسان، وذلك بعد أن تبدي دهشتها واستهجانها من طرح السؤال بالأساس. لا يهم أن المقابلة جرت بعد أيام فقط من إطلاق قوات الاحتلال الإسرائيلي النار على مسيرة العودة السلمية لتجرح نحو مئة فلسطيني، بينهم أطفال وأفراد من فرق الإسعاف.

يستطيع بايدن وهاريس أن يتحدثا لساعات ولأيام عن حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة ونظام الاضطهاد والفصل العنصري في كل من أفريقيا وأميركا، وعن المناضلين الذين تعرضوا للاضطهاد والاغتيال في سبيل إنهاء ذلك النظام البغيض. يستطيعان أيضاً تقريع دونالد ترامب والحزب الجمهوري بسبب كونهم "على الجانب الخاطئ من التاريخ". كل ذلك دون أن يرف لهم جفن من جراء دعمهم لنظام أكثر وحشية في فلسطين. هذا الدعم هو التاريخ المشترك للحزبين الديمقراطي والجمهوري. على الفلسطينيين أن يهتموا بتغيير قيادتهم، وأن يبنوا استراتيجيتهم بعيداً عن التعويل الساذج على "مبادئ" الحزب الديمقراطي وعلى لون بشرة هذا الرئيس وأصول أو جنس تلك النائبة.

المساهمون