باكستان تخسر ورقة "الفتوى الدينية" في صراعها مع أفغانستان

16 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
قوات باكستانية في وزيرستان،13 نوفمبر 2025 (أمير قرشي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه باكستان تحديات مع أفغانستان بسبب نشاط طالبان الباكستانية، وتسعى للحصول على فتوى من زعيم طالبان الأفغانية لتحريم نشاطها، لكن أفغانستان ترفض التعاون.
- فقدت باكستان دعم المدرسة الدينية الديوبندية، التي كانت ورقة استراتيجية لها، بسبب التغيرات السياسية والدينية في المنطقة، وفشل دعم تنظيمات أخرى مثل داعش خراسان.
- محاولات الحكومة والجيش الباكستاني للحصول على دعم المدرسة الدينية فشلت، مما أدى إلى انقسامات داخلها، حيث تحمل المدارس الدينية الجيش مسؤولية التصعيد وتعارض سياساته.

تواجه باكستان في التصعيد الحاصل منذ التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، مع أفغانستان، تحديات كبيرة عدة، على صعيد تبادل الاتهامات بشأن نشاط حركة طالبان الباكستانية على الأراضي الأفغانية، واتهام إسلام أباد كابول، بعدم اتخاذ الإجراءات الكافية ضدّها. وتنفي أفغانستان الاتهامات الباكستانية، وترفض أي تعاون في هذا الشأن، معتبرة أزمة إسلام أباد مع "طالبان" الباكستانية شأناً داخلياً. كذلك تفتقد باكستان دعم المدرسة الدينية، ما دفع إسلام أباد في حوارها مع كابول، إلى الإصرار على أن يُصدر زعيم "طالبان" الأفغانية، الملا هيبت الله أخوند زاده، فتوى شرعية يحرّم فيها ما تقوم به "طالبان" الباكستانية داخل باكستان.

وكشف نائب وزير الداخلية الأفغاني، مولوي رحمت الله نجيب، خلال مؤتمر صحافي عقده في كابول، يوم الأربعاء الماضي، أن من بين النقاط الخلافية في التفاوض مع باكستان أخيراً في تركيا، كان إصرار إسلام أباد على إصدار الملا أخوند زاده فتوى شرعية تحرّم القتال في باكستان ونشاط الجماعات المسلحة في هذا البلد. وقال في ذلك: "إننا لا نؤيد ما تقوم به تلك الجماعات، فبالتالي لن نصدر فتوى بشأنها، لا في تأييدها ولا في معارضتها، ونحن لسنا معنيين بما يحدث في باكستان". وتابع: "بإصرار الوساطة القطرية والتركية (على حلّ المشكلة)، قلنا إن زعيم طالبان لن يُفتي، بل هو يأمر، الفتوى لها مرجع شرعي في الحكومة الأفغانية، من هنا على الحكومة الباكستانية أن تطلب رسمياً من مركز الإفتاء الأفغاني الفتوى الشرعية، ليقوم المركز بدراسة القضية ويصدر الفتوى بشأنها، ولكن تلك الفتوى ستكون وفق الشريعة الإسلامية، من هنا قد تأتي الفتوى في حقّكم، وقد تأتي في حق خصمكم، وليس من الضروري أن تجدوا فيها ما تبغون، ثم إن الفتوى أمر ديني، والقضايا العالقة بين باكستان وأفغانستان قضايا سياسية وليست دينية"، وفق اعتباره.


حمّلت المدارس الدينية التي تنتمي إلى الفكر الديوبندي الحنفي، الجيش الباكستاني مسؤولية التصعيد الأخير


وتعليقاً على هذا الموقف، أوضح عالم الدين الأفغاني، مولانا زيارت خان سباوون، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن المشكلة الحقيقية التي تواجهها باكستان في الوقت الحالي، أنها خسرت للمرة الأولى منذ السبعينيات، الورقة التي كانت تستخدمها من أجل الحفاظ على عمقها الاستراتيجي في أفغانستان وفي المنطقة، وهو الفكر الديني أو المدرسة الدينية. وشرح أنه "في أيام الرئيس الأفغاني محمد داوود خان (كان رئيساً لأفغانستان بين عامي 1973 حتى 1978، وقبلها رئيس وزراء بين العامين 1953 حتى 1963)، كان علماء الدين في يد السلطة، وكذلك القادة الذين أصبحوا بعد ذلك قادة الجهاد الأفغاني ضد السوفييت، مثل قلب الدين حكمتيار، وبرهان الدين رباني، وعبد رب الرسول سياف، وجلال الدين حقاني وغيرهم. هم كانوا يعتبرون باكستان وطنهم، ولكن عندما وصلوا إلى الحكم وانهارت حكومة نجيب الله في التسعينيات، بدأت باكستان تدعم حزباً مقابل آخر، كي تستعر الحرب، ثم بدأت تدعم "طالبان" الأفغانية ضد تلك الأحزاب، ولكن عندما جاء الطلب الأميركي، ضربت إسلام أباد بـ"طالبان" عرض الحائط، ووقفت إلى جانب التحالف الأميركي، ووقفت المدرسة الدينية في باكستان إلى جانبها، ثم عادت لتفسح المجال لـ"طالبان" من جديد، كي تُضعف حكومة حامد كرزاي وتسقط في النهاية حكومة أشرف غني، حتى تبقى أفغانستان غير مستقرة".

ولفت مولانا زيارت خان سباوون، في حديثه، إلى أنه بعد عودة "طالبان" إلى الحكم (إثر الانسحاب الأميركي بعد الغزو في صيف عام 2021)، "راهنت إسلام أباد على التمزق الداخلي لطالبان الأفغانية، وسعت كثيراً لدفع سراج الدين حقاني، وزير الداخلية الحالي ورئيس شبكة حقاني، للوقوف في وجه زعيم الحركة الملا هيبت الله أخوند زاده، لكن هذه الورقة فشلت قبل أن تنضج، ثم حاولت دعم تنظيم داعش خراسان وما زالت، ولكن هذه الورقة من الصعب نجاحها في أفغانستان، لافتقادها الحاضنة الشعبية". وأوضح أن هذه الورقة، أي ورقة الفكر الديني أو المدرسة الدينية، بقيت في يد زعيم "طالبان"، أو "طالبان" الأفغانية في العموم، كذلك فإن مدرسة ديوبند الشهيرة في الهند (مدرسة إسلامية تأسست في القرن التاسع عشر ردّ فعل بمواجهة الاستعمار البريطاني)، التي تنتمي إليها فكرياً 90% من المدارس الدينية في باكستان وأفغانستان والهند، تؤيد كذلك طالبان الأفغانية وزعيمها، لذا فإن باكستان تعود إليه اليوم لكي يصدر فتوى ضد طالبان الباكستانية والجماعات الأخرى".

باكستان سعت للحصول على دعم المدرسة الدينية

ولم تكتفِ الحكومة الباكستانية، ومن ورائها الجيش، في الأزمة الحالية، بالسعي للحصول على فتوى شرعية من زعيم "طالبان"، بل حاولت أيضاً الحصول على دعم المدرسة الدينية مجدداً في الداخل الباكستاني بشتى الوسائل، ولكن تلك الجهود باءت بالفشل، بل أدت إلى حصول تمزق واندلاع خلافات حادة داخل المدرسة الدينية في باكستان.

وكان المفتي عبد الرحيم عبد الرشيد، نجل العالم الشهير المفتي عبد الرشيد، رئيس جامعة الرشيد، المدرسة الدينية الكبيرة في باكستان، وخصوصاً في الجنوب، من مؤيدي سياسات الجيش الباكستاني كيفما كانت، سواء أكان ذلك يقوم على دعم "طالبان" الأفغانية أم تأييد التحالف الأميركي أم الحرب على "طالبان"، وكان المفتي يعتبر أن الجيش الباكستاني هو القوة الوحيدة التي يمكنها أن تدافع عن الأمة الإسلامية. في الوقت ذاته، كان المفتي عبد الرحيم يؤيد "طالبان" الأفغانية ويعتبرها جيش خراسان الذي سيفتح الهند والمنطقة بأسرها، وكانت له صحيفة يومية تسمى "ضرب المؤمن" التي كانت تغطي أنشطة "طالبان" الأفغانية، ولكنه في الوقت نفسه كان يُحرّم أي نشاط عسكري ضد الجيش الباكستاني، معتبراً القائمين عليه خوارج (أي خارجين عن دين الإسلام).

يذكر أنه بعد عودة "طالبان" إلى الحكم، وزّع المفتي عبد الرحيم عبد الرشيد الحلوى وقاد اجتماعات ومؤتمرات لدعم الحركة الأفغانية، ولكن ما إن وقعت الخلافات بين طالبان الأفغانية والجيش الباكستاني، حتى اعتبر أن "طالبان" الأفغانية هي في الأصل مؤامرة يهودية هندوسية ضد الجيش الباكستاني الذي هو "الجيش الإسلامي" برأيه، وطلب من المدارس الدينية كلّها الوقوف مع الجيش في وجه حركتي "طالبان" الأفغانية والباكستانية اللتين سمّاهما الخوارج.

الجيش يتحمل مسؤولية التصعيد

في المقابل، حمّلت المدارس الدينية التي تنتمي إلى الفكر الديوبندي الحنفي، وهي تشكل حوالى 90% من المدارس الدينية في باكستان، الجيش الباكستاني، مسؤولية التصعيد الأخير بين باكستان وأفغانستان، وأكد زعيم جمعية علماء الإسلام، المولوي فضل الرحمن، ذلك مراراً، وشدّد على أن "وفاق المدارس"، الهيئة التي تجمع المدارس تحت مظلتها، هي الهيئة الوحيدة الشرعية، أما الهيئة الأخرى التي شكّلها المفتي عبد الرحيم تحت مسمى مجمع العلوم الإسلامية، فرأى أن هدفها تمزيق الصف.


أنوار الحق صاحب: لجأ الجيش إلى خرق وحدة الصف داخل المدرسة الدينية في باكستان


وفي هذا الشأن، أوضح مسؤول المدارس الدينية في جمعية علماء الإسلام، المولوي أنوار الحق صاحب، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن هناك عدداً من الهيئات الدينية التي عملت على تنظيم المدارس الدينية وترتيبها، كما وقفت بوجه السياسات التي كانت تعارض الدين، وفي عهد قائد الجيش الباكستاني السابق الجنرال المتقاعد قمر باجوه، وقبله في عهد الرئيس العسكري برويز مشرف، حصل صدام بين الجيش الباكستاني والمدرسة الدينية، من هنا لجأ الجيش إلى خرق وحدة الصف داخل المدرسة الدينية في باكستان، وكان المفتي عبد الرحيم رئيس جامعة الرشيد، يقود هذه الجهود. وأضاف: شُكِّلَت هيئة جديدة لتغيير نظام المدرسة الدينية ومناهجها وفق رغبة الجيش، تلك الهيئة المسماة مجمع العلوم الإسلامية، تملك قوة مالية هائلة، لأن الجيش يدعمها ويمولها، ولها نفوذ في الإعلام وفي الأروقة السياسية.

وتاريخياً، حصلت الكثير من التطورات التي دفعت المدرسة الدينية في باكستان وطلابها إلى معارضة الجيش الباكستاني، منها وقوف الأخير إلى جانب التحالف الأميركي ضد طالبان الأفغانية في عام 2001، ثم السياسة التي اتبعتها إسلام أباد حيال قادة "طالبان" الأفغانية، إضافة إلى مقتل عدد من قادة الحركة الأفغانية في السجون الباكستانية، مثل وزير الدفاع في حكومة طالبان السابقة الملا عبيد الله، والقائد أستاذ ياسر، كذلك قبع آخرون في السجون الباكستانية، مثل نائب رئيس الوزراء الأفغاني في الشؤون الاقتصادية الملا عبد الغني برادر، علاوة على اختفاء وفقدان 1300 من القادة الميدانيين والعسكريين لـ"طالبان" الأفغانية بعد اعتقالهم من الاستخبارات الباكستانية، وفق أرقام أعلنتها "طالبان" في يوليو/ تموز 2022. كذلك كان عدد من الباكستانيين الذين رفعوا الصوت ضد التحالف الأميركي في المنطقة، عرضة للاستهداف أو فقد أثرهم، من بينهم الدكتورة الباكستانية عافية صديقي، المعتقلة في الولايات المتحدة، حيث كانت شقيقتها فوزيه صديقي، قد أكدت في وقت سابق لـ"العربي الجديد"، أن أختها اعتُقِلَت في كراتشي على يد الاستخبارات الباكستانية في عهد الرئيس الأسبق برويز مشرف بتهمة التعامل مع "طالبان" الأفغانية والجهاديين عموماً، وسُلِّمَت للقوات الأميركية. يضاف إلى ذلك، الاقتحام الذي نفذه الجيش الباكستاني على مسجد الأحمر (لال مسجد) في قلب إسلام أباد بشهر يوليو 2007، ما أدى إلى مقتل مئات الطلّاب والطالبات. وكانت صحيفة المفتي عبد الرحيم قد تحدثت عن مقتل وإصابة ثلاثة آلاف طالب داخل المسجد حينها.

وفي تعليق على هذا الموضوع، قال عالم الدين في شمال غرب باكستان، المفتي عبد الوكيل، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "كل ما يقوله المدافعون عن الجيش الباكستاني وسياسته، نعرف زيفه، ويعرف الشعب زيفه، ولن نخدع بما يقوم به الجيش الباكستاني، ففي عام 2001، عمل من أجل مشروع أميركي، والآن يعمل أيضاً من أجل شنّ الحرب مع أفغانستان، وهو مشروع أميركي آخر". وأضاف: "كما يريد الجيش الباكستاني وضع طالبان الأفغانية مقابل طالبان الباكستانية كي يتصادما، لذلك يصر على أن يصدر زعيم طالبان الأفغانية فتوى ضد طالبان الباكستانية، ولكن الناس يعرفون هؤلاء جيداً، ولن يُخدعوا بما يروج له، حتى ولو وقف معهم بعض علماء الدين، كالمفتي عبد الرحيم"، معتبراً أن فتح هذه الملفات القديمة محاولة لإثارة الفتنة.

تقارير دولية
التحديثات الحية
المساهمون