انهيار مفاوضات أفغانستان وباكستان: اتهامات متبادلة لا تسقط اتفاق وقف النار

09 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
مسلحون من "طالبان" أفغانستان على الحدود الباكستانية، 15 أكتوبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- انهارت المفاوضات بين أفغانستان وباكستان في تركيا بسبب الخلافات حول مسلحي "طالبان الباكستانية" والحدود، مع تبادل الاتهامات بين الطرفين. رغم التوترات، يستبعد المراقبون اندلاع حرب مفتوحة لتجنب كارثة على سكان المناطق الحدودية.
- الجيش الباكستاني يسعى لإجلاء سكان المناطق القبلية لعمليات ضد "طالبان الباكستانية"، لكن السكان يرفضون. فشلت المفاوضات في تثبيت هدنة، مما يهدد بجولة قتال جديدة، مع اتهامات متبادلة بعدم الوفاء بالتعهدات.
- القبائل البشتونية على الحدود تعتبر ورقة قوية بيد طالبان الأفغانية، مما يشكل تحديًا للجيش الباكستاني في حال اندلاع الحرب. تتحدث وسائل إعلام عن محاولات لترتيب جبهات معارضة لطالبان، مع دعوات للوساطة.

شهدت الجولة الأخيرة من المفاوضات بين أفغانستان وباكستان في تركيا انهياراً، وسط ارتفاع منسوب الاتهامات المتبادلة بين كابول وإسلام أباد بالمسؤولية عن انهيار المحادثات. وإذا كان تعثر المفاوضات وتوقفها أقله مؤقتاً، إلى جانب التراشق السياسي الذي تكثف أمس السبت، يعكس صعوبة الوصول إلى حلول وسط مرضية للطرفين، لا سيما حول حول قضية مسلحي "طالبان الباكستانية" والحدود بين البلدين، إلّا أنّ مراقبين يستبعدون وقوع حرب مفتوحة بينهما، إذ رأى هؤلاء أن اندلاع مواجهة عسكرية مفتوحة ستكون كارثة على البلدين، ولا سيما على سكان المناطق الحدودية، الذين تضررت حياتهم بشدة خلال السنوات الماضية.

يشار إلى أن الجيش الباكستاني يعمل منذ فترة على إجلاء سكان المناطق القبلية من أجل القيام بعمليات مسلحة ضد مسلحي حركة طالبان الباكستانية، غير أنّ كثيراً من أهالي تلك المناطق يرفضون مغادرة قراهم، ويقفون في وجه الجيش. لكن إذا اندلعت أي مواجهة عسكرية بين أفغانستان وباكستان فإن الجيش الباكستاني سيستغل الوضع لإجبار سكان تلك المناطق على مغادرتها.

وفشلت أفغانستان وباكستان، خلال مفاوضات في إسطنبول بدأت الخميس الماضي، في محاولة تثبيت هدنة جرى الاتفاق عليها في 19 أكتوبر/تشرين الأول الماضي في الدوحة، عقب اشتباكات بينهما كانت الأكثر دموية منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة في كابول في صيف العام 2021. وأعلنت أفغانستان وباكستان، أمس السبت، فشل آخر جولة مفاوضات بينهما في تركيا، وسط اتهامات متبادلة بالمسؤولية عن الإخفاق، الذي قد يدفع بجولة جديدة من القتال بعد فترة تهدئة توسطت فيها الدوحة وأنقرة.

وقال المتحدث باسم حكومة طالبان ذبيح الله مجاهد، في مؤتمر صحافي أمس السبت، إنه "خلال المناقشات، حاول الجانب الباكستاني إلقاء مسؤولية أمنه بالكامل على عاتق الحكومة الأفغانية، بينما لم يبد أي استعداد لتحمّل مسؤولية أمن أفغانستان أو أمنه"، متهماً إسلام أباد باتباع نهج "غير مسؤول وغير متعاون". لكن مجاهد أكد أن الهدنة "ستصمد"، موضحاً أنه "لا مشكلة مع وقف إطلاق النار الذي اتُفق عليه سابقاً مع باكستان. سيصمد". وأضاف: "نشكر البلدين الصديقين قطر وتركيا، لكننا لا نرى ما يمكن القيام به (بشكل إضافي) حالياً". في المقابل، حذّر وزير الحدود والشؤون القبلية الأفغاني نور الله نوري، حسب وكالة "خاما برس" الأفغانية أمس السبت، باكستان من اختبار صبر أفغانستان، وحث على ضبط النفس وإجراء حوار بعد انهيار محادثات السلام بين الجانبين. وحذر نوري باكستان من "مواجهة مباشرة" إذا استمرت إسلام أباد في تهديداتها، كما حذر نوري وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف من الاستهانة بالعزيمة الأفغانية أو الاعتماد على التفوق العسكري، قائلاً إنّ باكستان "يتعين أن تتعلم" من مصير الولايات المتحدة وروسيا في أفغانستان.


شاه زمان آفريدي: الخاسر الأول والأخير في أي صراع سيكون سكان المناطق الحدودية


بدوره، أعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف، في حديث مع الصحافيين، أن وفد بلاده "عائد إلى باكستان خالي اليدين، وذلك لأن وفد طالبان لم يكن مستعداً لإبداء أي نوع من المرونة"، مشيراً إلى عدم إمكانية انعقاد المفاوضات في المستقبل، "إذ لا فائدة منها"، بحسب قوله. وتوعّد بأن بلاده سترد على أي انتهاك من الجانب الأفغاني لأمن باكستان، مشدداً في الوقت ذاته على التزام وقف إطلاق النار طالما التزمه الطرف الأفغاني.

وفي السياق، قال وزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارار، إنّ الجولة الثانية من الحوار بين أفغانستان وباكستان في تركيا تعثرت، موضحاً أنّ بلاده متمسكة بموقفها الرئيسي حيال قضية "طالبان" الباكستانية. وأضاف تارار، في بيان، أنّ حكومة حركة طالبان الأفغانية لم تفِ بالتعهدات التي قطعتها، ومنها عدم السماح لأي جهة باستخدام أراضيها ضد أي دولة أخرى. واتهم حكومة "طالبان" بأنها مسؤولة عن هجمات مسلحي "طالبان الباكستانية" داخل باكستان، مضيفاً أنّ "قيادييها وعناصرها موجودون في أفغانستان التي لا تفعل أي شيء ضدهم". ولم يذكر الوزير الباكستاني أسباب تعثر المفاوضات، لكنّه شدد على أن بلاده متمسكة بموقفها الصارم المطالب بأن تعمل حكومة "طالبان" ضد مسلحي حركة طالبان الباكستانية الموجودين على أرض أفغانستان.

وقال مصدر في فريق التفاوض الأفغاني، لـ"العربي الجديد"، إنّ مطالب إسلام أباد كانت غير قابلة للتطبيق. وأضاف أنّ الجانب الباكستاني يريد أخذ اعتراف من أفغانستان بوجود مسلحي "طالبان الباكستانية" على أراضيها وعملهم تحت إمرتها. ولفت إلى أن الجانب الباكستاني يريد توقيع اتفاقية حدودية، ما سيعطي للحدود بين أفغانستان وباكستان صبغة رسمية، وهو ما لن تقبل به كابول، وفق قوله.

الخاسر الأول سكان الحدود بين أفغانستان وباكستان

وقال الزعيم القبلي في مقاطعة خيبر القبلية الباكستانية شاه زمان آفريدي، لـ"العربي الجديد"، إن "الخاسر الأول والأخير في أي صراع على الحدود بين أفغانستان وباكستان سيكون سكان المناطق الحدودية، والمصيبة هي أننا هنا على هذا الجانب من الحدود سنكون ضحايا الحرب. وكذلك على الجانب الأفغاني سيكون أبناء عمومتي ضحايا. نحن من قبائل واحدة، وكنا إلى ما قبل سنوات نجلس إلى طاولة واحدة، نصلي في مساجد واحدة، ونتصاهر، قبل أن ينصب الجيش الباكستاني السياج على الحدود. لذا نحن نقف في وجه هذه الحرب قدر الإمكان". واعتبر آفريدي أنه "منذ جاءت القوات الأميركية في 2001، ودخول الجيش الباكستاني إلى منطقة القبائل وقتها، لم نذق متعة الحياة. هناك ضابط في الجيش الباكستاني جاء من أقصى إقليم البنجاب لا يعرف لغتنا وأعرافنا ويجلس داخل الأبراج الإسمنتية، يعتقلنا متى شاء وكيف شاء، ثم يطلب منا أن نترك المنطقة لأنهم يقاتلون طالبان الباكستانية أو طالبان الأفغانية، أو لنحمل معهم السلاح ضد أبناء عشيرتنا. هذا غير ممكن نهائياً".

القبائل على طرفي الحدود ورقة بيد كابول

ونظراً لهذا، أعرب كثر عن اعتقادهم أن الفجوة بين القوات الباكستانية وقبائل المنطقة هي أقوى الأوراق التي تملكها حكومة طالبان الأفغانية في صراعها الحالي مع باكستان، إذ إنّ هذه القبائل البشتونية، التي تعيش على مئات الكيلومترات، من نفس القبائل التي تنتمي إليها "طالبان" الأفغانية والباكستانية. وتاريخياً كانت هذه المنطقة الباكستانية مركز انطلاق أساسي لحركة لطالبان الأفغانية، بعد أن قامت القوات الأميركية بإسقاط حكومتها في 2001، إذ لجأ معظم قيادات وعناصر "طالبان" الأفغانية إلى منطقة القبائل الباكستانية، التي تحولت إلى معسكرات وأماكن تدريب، وإيواء لهم ولأسرهم. ولهذا فإنّه لو اندلعت الحرب بعد انهيار المفاوضات، فإن على الجيش الباكستاني أن يخوضها من مناطق القبائل البشتونية وفي الأراضي الجبلية الوعرة، وضد من هم من قبائل البشتون. ومن المعروف أنه بحكم النظام القبلي، فإنّ هؤلاء لا يساعدون من يأتي من الخارج ضد أبناء قبيلتهم، مهما تكون الأسباب والدوافع.

وكانت حكومة "طالبان" قد ردت على القصف الجوي الباكستاني على العاصمة كابول وولاية بكتيكا شرق البلاد في 9 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، باستهداف القوات الباكستانية على امتداد الحدود وملاحقتها إلى الداخل. كما علمت "العربي الجديد" أنه بعد الهجوم الأول وصلت أعداد كبيرة من مقاتلي الجيش الأفغاني، من أبناء المنطقة إلى الحدود، ولو استمر القتال وقتها، فإن الخطة كانت تنص على أن تشق تلك القوات طريقها إلى الداخل الباكستاني، حيث توجد القبائل البشتونية وعناصر من حركة طالبان الباكستانية. ولا يزال هذا الخيار وارداً لدى حكومة "طالبان" الأفغانية، إذا حصل أي صدام.

وقال المحلل الأمني الأفغاني محمد إسماعيل وزير، لـ"العربي الجديد"، إن باكستان تملك تقنيات متطورة ولديها سلاح جو، أثبت نجاعته في الحرب الأخيرة مع الهند، لكن في المقابل فإن لدى "طالبان" الأفغانية تفوقاً عسكرياً من ناحية الأرض والموقع والقبائل. واعتبر أنه في حالة قيام القوات الباكستانية بأي اعتداء فإن "طالبان" الأفغانية، بالإضافة إلى استخدام الصواريخ قصيرة وطويلة المدى (التي كانت الحركة أعلنت امتلاكها)، تستطيع الزحف نحو الأراضي الباكستانية. وأضاف: "معلوم أن الجيش الباكستاني لا يستطيع أن يقاتل في المناطق البشتونية، ولهذا فإن الوصول إلى مدينة كويتا مركز إقليم بلوشستان ومدينة بيشاور مركز إقليم خيبربختونخوا أمر غير صعب، في اعتقاد طالبان، خصوصاً أن هناك أعداد كبيرة من المقاتلين من طالبان الباكستانية في منطقة القبائل. أما سلاح الجو الباكستاني فقد لا ينفع في تلك المناطق الجبلية الوعرة، كما أن استخدام سلاح الجو والأسلحة المتطورة داخل القبائل أمر له تبعاته". وأضاف وزير: "لا شك أن باكستان دولة قوية لها، وهي تملك استخبارات وقوة جوية وبرية، لكنها تواجه قوة قاتلت في هذه المنطقة لأكثر من 20 سنة ضد القوات الدولية والأميركية، والآن أصبحت تمتلك أسلحة متطورة تركتها القوات الأميركية. كما أن الشعب الأفغاني يقف علناً معها"، لكنه أشار إلى أن "سلاح الجو والأسلحة الباكستانية المتطورة ستخلق مشاكل كثيرة لطالبان، خاصة إذا حاولت استهداف قيادات طالبان".

مقارنة لا تعكس الواقع

لكنّ المحلل الأمني الباكستاني أحمد عبد الله لا يوافق على توصيف وزير للوضع، قائلاً، لـ"العربي الجديد"، إن "المقارنة بين الجيش الباكستاني وبين قوات طالبان الأفغانية أو الباكستانية أمر غير صحيح. تلك القوات ربما لديها مهارة في معارك الكر والفر، لكنها لا تستطيع الوقوف في وجه الجيش الباكستاني، الذي تحدى الجيش الهندي، فما بالك بالقوات الأفغانية أو مسلحي طالبان الباكستانية. إن السلاح المتطور الذي يملكه الجيش الباكستاني سيخلق فارقاً كبيراً جداً في أي معركة".


محمد إسماعيل وزير: لدى "طالبان" الأفغانية تفوق عسكري من ناحية الأرض والموقع والقبائل


وفي ظل هذا التصعيد تتحدث وسائل إعلام باكستانية عن جبهة الشمال، التي كانت تعرف سابقاً بجبهة بانشير، متحدثة عن محاولات لترتيب وضع تلك الجبهات مقابل "طالبان" الأفغانية. كما أن مصدراً في حكومة "طالبان" أوضح، لـ"العربي الجديد"، أنه عقد أخيراً لقاء بين زعيم الجبهة أحمد مسعود، وهو نجل القائد الجهادي السابق أحمد شاه مسعود، في الإمارات، مع مسؤولين من الاستخبارات الباكستانية، وتم التوافق على ترتيب صفوف مسلحي الجبهة المعارضين لحركة "طالبان". وكانت جبهة بانشير قد ألقت، في بيان أخيراً، باللوم في الصراع الحالي بين أفغانستان وباكستان على عاتق حكومة "طالبان"، مؤكدة أن الحركة الأفغانية آوت المعارضين لباكستان، التي تملك الحق بالقضاء على معارضيها.

محاولات إضافية للوساطة بين أفغانستان وباكستان

وفي ظل انهيار المفاوضات بين أفغانستان وباكستان في تركيا، أو تعثرها على أقل التقدير، تعالت أصوات محلية من أجل الوساطة بين الدولتين. وأعلن الزعيم السابق للجماعة الإسلامية سراج الحق، وهو أيضاً عضو سابق في مجلس الشيوخ الباكستاني، للصحافيين الجمعة الماضي، أنه يعمل مع الزعامة المحلية، من الأحزاب الدينية والسياسية، بالإضافة إلى رموز القبائل لأداء دور من أجل حلحلة الصراع القائم بين الدولتين، موضحاً أن "هذه القضية تهمنا مباشرة، ولا أظن أن الجيش الباكستاني قادر على حل المعضلة. من هنا علينا أن نلعب دورنا". وهذا أيضاً كان موقف الحكومة المحلية في إقليم خيبربختونخوا التي يتزعمها حزب أنصاف، الذي يقوده رئيس الحكومة الأسبق عمران خان، وجميع الأحزاب الدينية والقومية البشتونية.

لكن تلك الجهود، التي لم تنطلق بعد رسمياً، تواجه تحديات، أهمها الاتهامات الموجهة إلى الجيش الباكستاني يريد هذه الحرب من أجل إسقاط حكومة "طالبان". وقال محمد إبراهيم القيادي في الجماعة الإسلامية والعضو السابق في مجلس الشيوخ الباكستاني، في مؤتمر صحافي أخيراً، إن "المشكلة أن الجيش الباكستاني يريد الحرب في المنطقة، ولا يريد إنجاح المفاوضات، موضحاً أنه "ذهب قبل الصراع الحالي بأيام إلى كابول مع وفد من رموز القبائل واجتمع بقيادات حكومة طالبان، وقد وجدت في كابول إرادة لحل المعضلة، لكن الجيش الباكستاني يريد أن يخوض هذه الحرب من أجل مصالح أميركية وبأمر منها"، متهماً "جنرالات الجيش الباكستاني بأنهم يعملون وفق وصاية أميركية، ومن هنا كل محاولات الوساطة وحلحلة القضية عبر الحوار باءت بالفشل، وستكون هكذا في المستقبل". كما أن زعيم جمعية علماء الإسلام المولوي فضل الرحمن أكد، أخيراً أنّه "توصل إلى توافق مع حكومة طالبان ووافق معهم على آلية معينة من أجل حل المعضلة الأمنية، لكن الجيش الباكستاني دمر كل شيء، لا أدري لماذا؟ أخشى أن ما يقوم به الجيش الباكستاني بأمر من القوى العالمية، وحينها سنكون نحن الوقود".

تقارير دولية
التحديثات الحية