انقسام حول مفوضية الانتخابات يهدّد مستقبل الخريطة الأممية في ليبيا
استمع إلى الملخص
- أصدرت البعثة الأممية بياناً تعبر فيه عن قلقها من الخلاف، مؤكدة على أهمية إعادة تشكيل المفوضية كركيزة أساسية، ودعت إلى وقف الإجراءات الأحادية لتجنب الانقسام المؤسسي.
- يعكس الخلاف صراعاً على الشرعية الانتخابية، حيث يسعى مجلس النواب للاستمرارية المؤسسية بينما يفضل مجلس الدولة إعادة التشكيل الشامل، مما يهدد الانتخابات بالطعن القانوني.
تصاعدت حدة الخلاف السياسي في ليبيا مجدداً بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة حول ملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ما وضع مستقبل الخريطة الأممية المعلنة في 23 أغسطس/ آب الماضي أمام تحدٍّ حقيقي يفاقم حالة الانسداد السياسي. ورغم أن هذا التصعيد يأتي امتداداً لتراكمات سياسية وقانونية سابقة، إلا أنه تمحور هذه المرة حول تفسير "إعادة تشكيل" المفوضية وحدودها، والجهة التي تملك صلاحية الشروع فيها.
وفي خضم هذا التصعيد، أصدرت البعثة الأممية، أمس الثلاثاء، بياناً أعربت فيه عن "قلقها البالغ" إزاء الخلاف بين المجلسين، معتبرة أن إعادة تشكيل مجلس المفوضية تمثل "إحدى الركائز الأساسية" في خريطة الطريق السياسية المعلنة في 23 أغسطس، مؤكدة استمرارها في العمل مع مجلس المفوضية الحالي، داعية الطرفين إلى "وقف جميع الإجراءات الأحادية"، ومحذرة من أن التصعيد المتبادل قد يقود إلى "فتح فصل جديد من الخلاف والانقسام المؤسسي".
وجاء بيان البعثة في أسبوع شهد تصعيداً عملياً، إذ عقد المجلس الأعلى للدولة جلسة، يوم الاثنين الماضي، اختار خلالها رئيساً جديداً لمفوضية الانتخابات، معتبراً خطوته تنفيذاً لاتفاق بوزنيقة الموقع بين مجلسي النواب والدولة عام 2022 في المغرب، الذي أقرّ مبدأ المحاصصة في شغل المناصب السيادية، وأدرج رئاسة المفوضية ضمن حصة مجلس الدولة. وجاءت الخطوة بعد سجال مع مجلس النواب، الذي أصدر قراراً، الثلاثاء الماضي، بشأن "استكمال" مجلس إدارة المفوضية، حين أعلن مجلس الدولة رفضه للقرار كونه جاء خروجاً عن اتفاق الرابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، الذي نص على "تغيير" مجلس المفوضية بالكامل "لا استكماله".
وليل أمس، رد مجلس الدولة على البيان الذي أصدرته البعثة، معرباً عن استغرابه مما وصفه بتوصيفات "غير دقيقة"، رافضاً تحميله مسؤولية التصعيد و"تعطيل المسار الانتخابي"، مؤكداً أن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية تمت "ضمن الاختصاصات الدستورية والقانونية"، و"وفق الإجراءات المعمول بها، وبما ينسجم مع مبدأ الاتفاق السياسي". وفي المقابل، لم يصدر رد رسمي عن مجلس النواب على خطوة انتخاب رئيس جديد للمفوضية، غير أن رئيسه عقيلة صالح صرح، لتلفزيون محلي مقرب منه، برفضه الخطوة، معتبراً أن تغيير رئيس المفوضية "لا مبرر له"، وأن المجلس الحالي "اكتسب خبرة كافية في إدارة العمليات الانتخابية"، متسائلاً عن دوافع الخطوة "في هذا التوقيت"، ومتهماً رئيس مجلس الدولة محمد تكالة بعرقلة إجراء الانتخابات.
وفي الاتجاه ذاته، وصف عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي خطوة مجلس الدولة بأنها "عبث"، معتبراً، في حديث مع "العربي الجديد"، أنها تستهدف "نسف التوافقات السابقة" بشأن المسار الانتخابي. ومن زاوية اعتبار مجلس النواب مجلس الدولة "جسماً استشارياً"، أكد العرفي أن خطوة انتخاب رئيس جديد لمجلس المفوضية لا يترتب عليها أي أثر قانوني. وفي خضم بداية التصعيد بين المجلسين، أعادت البعثة الأممية، الأسبوع الماضي، التذكير بإحاطة المبعوثة الأممية أمام مجلس الأمن في 19 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، التي حذرت فيها من إمكانية اقتراح "آلية بديلة" في حال فشل المجلسين في التوصل إلى توافق بشأن استحقاقات الخريطة السياسية، مؤكدة أن التعثر القائم يعكس "غياب الثقة والانقسامات الداخلية"، وأن "إعادة تشكيل المفوضية وتعديل القوانين الانتخابية" يمثلان أولوية للوصول إلى انتخابات ذات مصداقية.
وتقع المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في صلب الخريطة الأممية، إذ نصت مرحلتها الأولى على مسارين متلازمين: تعديل الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، و"إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية لملء المناصب الشاغرة". وكان المجلسان قد وقعا، في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، اتفاقاً للشروع في تسمية شاغلي المناصب السيادية، مع إعطاء أولوية للمفوضية، ونصّ على "تغيير" مجلس إدارتها، ووضع آلية توافقية لاختيار رئيسها وأعضائها، استناداً إلى اتفاق بوزنيقة، غير أن الاتفاق بقي دون تنفيذ.
ويمثل الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات عام 2015 المرجعية العليا للعملية السياسية، إذ أقر مبدأ الشراكة والتوافق بين مجلسي النواب والدولة في شغل المناصب السيادية، غير أن تعثر توافقهما دفع لاحقاً إلى رعاية حوارات بوزنيقة عامي 2020 و2021، التي انتهت إلى الاتفاق على محاصصة المناصب بين أقاليم البلاد الثلاثة، دون أن تنجح في إنهاء الخلافات حول آليات التطبيق.
وفي قراءة للمستجدات، يرى الخبير القانوني بلقاسم القمودي أن خلاف المجلسين حول المفوضية يتخذ "شكلاً قانونياً، لكنه يؤدي وظيفة سياسية واضحة"، موضحاً في حديث مع "العربي الجديد"، أن السجال حول "تغيير" مجلس المفوضية أو "استكماله" يعكس "صراعاً على إنتاج شرعية مسبقة للعملية الانتخابية". ويضيف أن "المسألة تتصل بمن يملك لحظة التأسيس للعملية الانتخابية المقبلة، لأن من يملك هذه اللحظة يملك لاحقاً جزءاً من شرعية النتائج".
ووفق القمودي، يميل مجلس النواب إلى منطق الاستمرارية المؤسسية للمفوضية "لتقليل كلفة القطيعة السياسية، بينما يسعى مجلس الدولة إلى إعادة التشكيل الشامل كوسيلة لتحصين المسار الانتخابي سياسياً قبل الانطلاق فيه". ويرى أن كلا المجلسين يوظف فراغات قانونية تراكمت عبر سنوات التعطيل، ما حوّل المفوضية من جهة تنظيم فني، إلى مركز خلاف يخدم الطرفين في سياق العرقلة المستمرة لإجراء الانتخابات، محذراً من أن أي انتخابات تُجرى في ظل هذا النزاع، ستكون نتائجها "عرضة للطعن القانوني".
وينتقد القمودي إدراج البعثة الأممية إعادة تشكيل مجلس المفوضية في المرحلة الأولى من الخريطة السياسية، قبل معالجة جوهر الخلاف، وهو القوانين الانتخابية، مذكراً بأن عقدة فشل انتخابات ديسمبر/كانون الأول 2021 "لم تكن في المفوضية كمؤسسة فنية، بل في القوانين المتنازع عليها، فكان من الأجدى أن تتقدم مسألة التوافق على القوانين الانتخابية لحسم خلافاتها، قبل مجلس المفوضية".
من جانبه، يرى الأكاديمي حسن عبد المولى أن تطورات الخلاف تمثل "لحظة قد تهدد تماسك" الخريطة الأممية، موضحاً أن الخطر لا يكمن في التصريحات، بل في انتقال المجلسين إلى "رسم مسارات متوازية يدعي كل منها المشروعية"، ما يضع البعثة، برأيه، أمام واقع يصعب عليها تجاهله، و"يهدد بتآكل الخريطة مع تصاعد التأزيم".
ويعتبر عبد المولى، في حديث مع "العربي الجديد"، أن تلويح البعثة بـ"آلية بديلة" يعكس استعدادها للجوء إلى "الحوار المهيكل"، الذي أطلقته منتصف الشهر الماضي، لإنقاذ خريطة الطريق، لكنه يحذر من أن هذا الخيار "قد يحمل كلفة سياسية عالية، إذ قد يفسَر من قبل المجلسين، وحلفائهما، كالتفاف على العملية السياسية"، قبل أن يخلص إلى أن الخريطة الأممية "من الصعب أن تنهار، لكنها تواجه عراقيل في إدارتها سياسياً، وباعتقادي أنها ستتجه إلى تحسينات في الخريطة، بأن تستوعب مجلسي النواب والدولة في الحوار المهيكل بأي صيغة، بدل إقصائهما وتحويلهما إلى عائق".