انقسامات واعتراضات ومحاكمات تخيم على مؤتمر حزب الشعب الجمهوري التركي
استمع إلى الملخص
- أثارت رسالة كمال كلجدار أوغلو جدلاً داخل الحزب، حيث دعت إلى تطهيره من الفساد وانتقدت مواقفه السياسية، مما زاد الضغوط على القيادة، خاصة مع تزايد المطالبات باتخاذ إجراءات صارمة ضد المتورطين في الفساد.
- رغم التحديات، يظل الحزب قوة سياسية مؤثرة، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى تقارب في الأصوات مع حزب العدالة والتنمية، مما يدفعه لإعادة ترتيب صفوفه وتعزيز قيادته قبل المؤتمر العام.
لا يكاد حزب الشعب الجمهوري المعارض في تركيا يستفيق من أزمة، حتى يدخل في أخرى تهدد وحدة الصف وتشتت قيادته عن الاستحقاقات المستقبلية، وتطرح تساؤلات عن مصير ما يواجهه من صراعات داخلية، ومواجهات قضائية تتعلق بمؤتمراته العامة، وقضايا الفساد والرشوة في البلديات التي يحكمها، وكأن هناك مساعي لخلط الأوراق في الحزب الذي احتل المرتبة الأولى بالانتخابات المحلية العام الماضي، متفوقا بشكل نادر على حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ العام 2002.
رسالة كلجدار أوغلو
الحزب المعارض الذي يستعد لعقد مؤتمره العام رقم 39 بدءاً من اليوم الجمعة وحتى الأحد المقبل، بعد قرار قضائي بعدم بطلان المؤتمر السابق المنعقد في العام 2023 باستثناء مؤتمر إسطنبول، يواجه معارضة داخلية منذ أيام، أبرزها رسالة مصورة من رئيس الحزب السابق كمال كلجدار أوغلو أطلقها في 22 من الشهر الحالي، وحققت مشاهدة تجاوزت 22 مليون مرة، طالب فيها بأن يطهّر الحزب صفحته من تهم الفساد، وانتقد في الوقت ذاته عدم تصويت الحزب لصالح لقاء مؤسس حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في محبسه بجزيرة إيمرلي ضمن أعمال اللجنة البرلمانية المعنية بمرحلة "تركيا خالية من الإرهاب".
وضعت رسالة كلجدار أوغلو قيادة الحزب في موقف محرج
وقال كلجدار أوغلو في رسالته إنّ "حزب الشعب الجمهوري ليس حزباً عادياً، له قواعد وتقاليد، ومهمتان رئيسيتان هما الحفاظ على نزاهة السياسة وتقديم محاسبة ذاتية أمام الناس، ولهذا يجب ألا يتردد في المساءلة، وهي واجب وشرف على كل عضو في حزب الشعب الجمهوري"، موضحاً أن "كل حزب سياسي وكل سياسي معرّض للتأثر والتورط في دوامة الرشوة والفساد، ولكن لا يمكن ربط حزب الشعب الجمهوري بالرشوة والفساد، أو بالمتعهدين (المتهمين بالفساد مع المسؤولين). يجب على الحزب أن يطهّر نفسه فوراً ويواصل مسيرته، يجب أن يكون حزباً يدعو الشعب إلى الأخلاق". وشارك تسعة نواب في الحزب رسالة كلجدار أوغلو في حساباتهم الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، مقدمين الدعم لما ذهب إليه.
هذه المناشدة من كلجدار أوغلو جاءت بعد صدور مذكرة النيابة العامة في إسطنبول والتي تشمل رفع دعوى فساد ورشوة بحق رئيس بلدية إسطنبول المعزول أكرم إمام أوغلو، الشهر الحالي، وقبول الدعوى من قبل المحكمة.
ووضعت الرسالة قيادة الحزب في موقف محرج، ويكشف الصراع الموجود داخل أقدم الأحزاب التركية، خصوصاً أن رئيس الحزب أوزغور أوزال ينفي بشكل دائم التهم الموجهة إلى إمام أوغلو ويعتبرها تهماً سياسية، رغم أن النيابة العامة طالبت بسجنه لأكثر من ألفي عام في 142 تهمة مختلفة، وتفاعل الرأي العام التركي مع رسالة كلجدار أوغلو لفهم مدلولاته.
وقبل رسالة كلجدار أوغلو المصورة بأيام، أرسل 10 نواب من حزب الشعب الجمهوري رسالة إلى أوزال أيضاً، تضمنت ثلاثة مطالب، منها رفع دعوى تشهير ضد عزيز إحسان أكتاش، المقاول الذي شوّه سمعة الحزب لقبوله رشى كبيرة، وتسمية عدد من نواب رئيس الحزب وأعضاء البرلمان في هذه القضية، وإخضاع أعضاء الحزب الذين توجه إليهم ادعاءات خطيرة لعملية مقاضاة داخل الحزب، بغض النظر عن مناصبهم، وإذا لزم الأمر تشكيل لجنة لهذا الغرض. أما المطلب الثالث فهو طرد من لا يزالون أعضاء في الحزب والذين تسببوا بسجن العديد من رؤساء البلديات وأعضاء الحزب.
وهذه الرسالة أيضاً تُظهر جانباً من الامتعاض الداخلي من تأثيرات تحقيقات الفساد التي جرت مع مسؤولي الحزب وأبرزهم مرشحه للانتخابات الرئاسية إمام أوغلو. ورغم أن قيادة أوزال لا تزال تعتبر كل ما حصل انقلاباً سياسياً، إلا أن هذا الحراك يظهر وجود معارضة داخلية في الحزب، متأثرة بما يجري، وبانعكاس ذلك في الشارع، في وقت سمحت فيه وزارة الداخلية بفتح تحقيقات بالفساد أيضاً، بحق رئيس بلدية أنقرة منصور ياواش بدعوى وجود تجاوزات في حفلات فنية، بانتظار استكمال التحقيقات.
آخر فصول الانتقادات الداخلية في الحزب، رسالة أخرى موقعة من 16 نائباً سابقاً في الحزب مرسلة إلى أوزال، الاثنين الماضي، حملت أربعة مقترحات، منها إنشاء لجنة حزبية داخلية مستقلة للتحقيق في الادعاءات الموجهة ضد أعضاء الحزب وأن تُجرى عملية التحقيق بسرعة وشفافية، وإذا تمّ الحصول على أدلة ومؤشرات تتعلق بالادعاءات نتيجة للتحقيق، فيجب اتخاذ التدابير اللازمة بشكل مستقل عن العملية القضائية وبدء إجراءات تأديبية، وإلزام أعضاء الحزب بتقديم شكاوى جنائية ضد الأفراد الذين وجهوا إليهم الاتهامات بداعي التشهير. وفي نهاية كل هذه الإجراءات، يجب الإعلان علناً عن المسؤولين والإجراءات المتخذة ضدهم.
انتقد كلجدار أوغلو عدم تصويت الحزب لصالح لقاء أوجلان
وتظهر استطلاعات رأي تقارباً في الأصوات بين حزب الشعب الجمهوري وحزب العدالة والتنمية الحاكم، فشركة آريا خلصت في استطلاع خلال شهر نوفمبر الحالي، إلى تقدم الشعب الجمهوري بحصوله على نسبة 24.8%، تلاه حزب العدالة والتنمية بنسبة 23.6%، وبلغت نسبة المترددين 23%. في المقابل، وجدت شركة غينار لاستطلاعات الرأي، خلال الشهر الحالي أيضاً، أن حزب العدالة والتنمية حصل على نسبة 33.7% من الأصوات مقابل حصول حزب الشعب الجمهوري على 31.8%، وكل هذه التطورات تدفع بالمؤتمر المزمع عقده إلى مرشح واحد هو أوزغور أوزال واختيار قيادة جديدة، قد تكون له فيها صلاحيات أقوى، تقلّل من نفوذ رئيس بلدية إسطنبول المعزول في الحزب، بمسعى منه لترتيب البيت الداخلي وتهدئته.
حزب الشعب الجمهوري: مشاكل وأوراق قوة
رئيس العلاقات الخارجية في حزب الشعب الجمهوري إيلهان أوزغيل، تحدث عن المشاكل التي يعاني منها الحزب لـ"العربي الجديد"، قائلاً إن "حزب الشعب الجمهوري أكثر توحداً من أي وقت مضى، وكما هو معلوم يتعرض لضغوط شديدة، فمرشح الحزب الرئاسي أكرم إمام أوغلو، يقبع في السجن، كما يقبع 15 رئيس بلدية آخر، ولهذا ينعقد المؤتمر الحالي لحزبنا في مرحلة المحاكمات هذه".
وأضاف أوزغيل أنه "في ظل هذه الظروف، يعقد أعضاء الحزب وناخبوه ومن صوّتوا سابقاً لأحزاب أخرى، ويشعرون بعدم الرضا عن وضعهم الحالي، آمالاً كبيرة على الشعب الجمهوري وقيادته، ويظهر الرئيس أوزغور أوزال المنتخب قبل عامين، قيادة نشطة للغاية، وكما هو الحال في أي حزب، قد تكون هناك ضغائن من الماضي، حيث هناك أفراد لم يتمكنوا من الانضمام إلى قيادة الحزب أو الوصول إلى المناصب التي يطمحون إليها، لكن هؤلاء قليلون جداً".
وأوضح كلامه بأن "أوزال انتخب رئيسا للحزب بأكثر من 90% من أصوات 1300 مندوب في المؤتمرين الأخيرين، ونتوقع أن يحدث الأمر نفسه في هذا المؤتمر، والرسائل الداخلية المقدمة لرئاسة الحزب لم ترسل إلا من قبل تسعة أشخاص فقط، فيما يبلغ عدد أعضاء الحزب مليوني عضو، وقد حصل على 17 مليون صوت في الانتخابات المحلية الأخيرة".
وفي ما يخص تصريح كلجدار أوغلو، اعتبر أوزغيل أنه من غير اللائق التعليق على قادة الحزب السابقين من قبله هو القيادي في الحزب، وأنه يترك تقدير الأمر إلى كلجدار أوغلو وحده، رافضاً التعقيب على حديثه.
وعن ارتباط الأزمات الداخلية في الحزب بتدخلات خارجية، اعتبر أوزغيل أن "حزب الشعب الجمهوري فاز في الانتخابات البلدية في مارس/آذار 2024 بنسبة 37.8% من الأصوات، بينما حافظ حزب العدالة والتنمية على نسبة 30%، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يخسر فيها حزب العدالة والتنمية انتخابات منذ 20 عاماً، ومنذ ذلك الحين، يتصدر حزبنا باستمرار جميع استطلاعات الرأي العام، ونعلم أن هذا الوضع يمثل مشكلة خطيرة لحزب العدالة والتنمية، لذلك تعرضنا لضغوط كبيرة خلال العام الماضي، ونواصل مكافحتها من خلال التجمعات الانتخابية التي تعقد مرتين أسبوعيا". وختم بالقول إن "لكل عضو الحق في التعبير والنقد في مؤتمر الحزب، هذا أمر صحي وضروري للديمقراطية الداخلية للحزب، وهذه الممارسة مستمرة منذ سنوات، ويتم الاستماع إلى جميع الانتقادات ويؤخذ بها. هذا جزء من تقاليد حزبنا".
إيلهان أوزغيل: نتوقع إعادة انتخاب أوزال في هذا المؤتمر بأكثر من 90% من الأصوات
وتعقيباً على التطورات الجارية في حزب الشعب الجمهوري واحتماليات التدخلات الخارجية ومآلات الأزمات الداخلية، قال الصحافي التركي إبراهيم آباك لـ"العربي الجديد"، إن "حزب الشعب الجمهوري يعاني من عدة قضايا تبدو وكأنها تدخلات خارجية إلا أن أساسها هو التطورات المستمرة منذ انتخابات 2023، ومحاولات التغيير فيه عبر المؤتمر العام 38، أي من قبل تصدر الحزب الانتخابات المحلية العام الماضي، كما أن قضية الفساد التي يواجهها رؤساء البلديات ليست عن آخر سنوات، فقضية أكرم إمام أوغلو رئيس البلدية المعزول، وفق مذكرة النيابة العامة، تمتد إلى 10 سنوات سابقة وتستند إلى تحقيقات وشكاوى من الحزب نفسه، واعترافات موثقة".
ورأى آباك أنه "من الطبيعي أن يتهم الشعب الجمهوري، الحزب الحاكم، بالوقوف وراء كل ما يجري له من تحقيقات ودعاوى، على اعتبار أن الحزب الحاكم هو أكثر طرف مستفيد من الاضطرابات داخل الشعب الجمهوري، إذ إن تحقيقات الفساد أدت إلى تصاعد الأصوات المعارضة داخل الحزب، وهو ما تجلى برسائل من نواب الحزب وأعضائه ومن قبل كلجدار أوغلو، تطالب بالتحقيق الداخلي في قضايا الفساد وعدم الإنكار، الأمر الذي يظهر أن القاعدة الشعبية للحزب تأثرت ولو بنسبة ربما قليلة بالتحقيقات الجارية مع الحزب".
ورفض آباك مقولة وجود "أي مخاطر على الحزب من التقسيم، لأنه يمثل حزب مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك، وفي الوقت ذاته، يجمع الكتلة العلمانية الكمالية في البلاد، وهو أكبر من الأفراد"، موضحاً أن "مسار الفساد، سواء بتحقيقات المؤتمرات العامة أو داخل البلديات، سيدفع بالنهاية قيادة الحزب للتبرؤ منها وطرد المشتبه بهم، وهو ما سيضع قيادة الحزب في اختيار حقيقي لقيادة دفة الحزب إلى برّ الأمان".