انسحاب أميركا من منظمات دولية… فراغ تعجز الصين عن ملئه

21 يناير 2026   |  آخر تحديث: 06:24 (توقيت القدس)
مساعدات صينية لميانمار، مقاطعة يونان، الصين، 2 إبريل 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية يثير تساؤلات حول فرص الصين في تعزيز نفوذها، خاصة بعد تعهدها بتقديم 500 مليون دولار إضافية لمنظمة الصحة العالمية، مما يعزز دورها القيادي في مجالات الصحة العامة وأهداف المناخ.

- الصين تدعم التعددية الدولية وتسعى لإصلاح الأمم المتحدة وزيادة تمثيل الدول النامية، مؤكدة على أهمية التعاون بين القوى الكبرى لتحقيق السلم والتوازن العالمي دون إزاحة الولايات المتحدة.

- رغم تراجع الولايات المتحدة، تواجه الصين تحديات في ملء الفراغ بسبب أزمة الثقة مع الغرب وتركيز سياساتها الخارجية على الاقتصاد والتجارة، مع ميزانية مساعدات أقل من الولايات المتحدة.

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في السابع من الشهر الجاري أن الولايات المتحدة ستنسحب من 66 منظمة دولية لا تتوافق مع القيم الأميركية. ولا تعد هذه المرة الأولى، فقد انسحبت الولايات المتحدة بالفعل من كيانات، من بينها منظمة الصحة العالمية. لكن مع تزايد ابتعاد واشنطن عن المشاركة متعددة الأطراف، أُثيرت تساؤلات حول فرص الصين في ملء الفراغ. وبحسب تقديرات صينية، يمثل الانسحاب الأميركي فرصة أمام بكين لتوسيع نفوذها الدبلوماسي، وتعزيز حضورها الدولي، خصوصاً أنها كانت قد تعهّدت العام الماضي بتقديم 500 مليون دولار أميركي إضافية لمنظمة الصحة العالمية على مدى السنوات الخمس المقبلة، لتصبح بذلك أكبر دولة مانحة للمنظمة، متجاوزةً بذلك الولايات المتحدة.

في تعليقها على ذلك، قالت صحيفة غلوبال تايمز الصينية، أخيراً، إنه مع انسحاب الرئيس الأميركي من مختلف المنظمات والاتفاقيات الدولية، فإن الصين تضع نفسها كقائدة عالمية وتغتنم الفرصة لملء الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة على الساحة العالمية. ولفتت إلى أنه في أول يوم له في منصبه، وقّع دونالد ترامب أمراً تنفيذياً للانسحاب من منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ لعام 2015، تماماً كما فعل خلال ولايته الأولى. وأضافت أن تصرفات ترامب أثارت الشكوك حول مستقبل الاستجابات العالمية للصحة العامة وأهداف المناخ، وتركت فراغاً قيادياً قد تحاول الصين ملأه.


شياو لونغ: الادعاء بأن بكين تسعى إلى إزاحة واشنطن يحمل نيات انتقامية


في هذا الصدد، اقترح خبراء صينيون أنه بدلاً من أن تملأ الصين الفراغ من جانب واحد، عليها أن تتعاون مع الدول الأخرى لتعزيز الملكية المشتركة والمرونة المؤسسية على المستوى الدولي. ويعتقد هؤلاء أن كيفية استجابة بكين لهذه اللحظة وتعاملها معها ستحدد ليس فقط أهمية التعددية في المستقبل، بل أيضاً نظرة العالم إلى قيادتها، في وقتٍ تشتد فيه الحاجة إليها. لكن بعيداً عن هذه الدعوات والرغبات تطرح تساؤلات حول رغبة الصين أولاً بملء هذا الفراغ، وقدرتها ثانياً مع كل ما يتطلبه من التزامات مالية.

وأظهرت بيانات الأمم المتحدة، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، أن إجمالي المساهمات الأميركية للأمم المتحدة في مجال العمل الإنساني انخفض إلى نحو 3.38 مليارات دولار في عام 2025، أي حوالي 14.8% من مساهمات دول العالم. وانخفض هذا المبلغ بشكل حاد من 14.1 مليار دولار في العام السابق، ومن ذروة بلغت 17.2 مليار دولار في عام 2022.

موقف الصين

تعليقاً على ذلك، قال الأستاذ في مركز الدراسات السياسية في جامعة جينان، شياو لونغ، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنه مع تقليص الولايات المتحدة لمشاركتها في الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، يتغير ميزان القوى داخل منظومة الأمم بشكل تدريجي، ويهيئ الظروف لتعزيز رؤية الصين وتسويقها ودعوتها لعالم متعدّد الأقطاب. وأضاف بأن موقف بكين كان واضحاً وثابتاً في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول العام الماضي: دعم سلطة الأمم المتحدة، واحترام التعددية، ووضع التنمية في صميم الأجندة العالمية، فضلاً عن دعوتها إلى إصلاح الأمم المتحدة، ولا سيما زيادة تمثيل الدول النامية، وخاصة الدول الأفريقية.

وتابع: ببساطة الأمر لا يتعلق برغبة الصين أو طموحها في ملء الفراغ الأميركي، بل يرتبط بمكانتها الدولية باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن ودولة مسؤولة لديها التزامات دولية، مثل إرساء الأمن والاستقرار في العالم، لذلك في إطار الحوكمة العالمية التي تدعو لها بكين، لا يُمكن تقييم نفوذ أي دولة بمعايير عسكرية ومقدار ما تملكه من رؤوس نووية، بل بمدى قدرتها على تحقيق السلم والتوازن، واستجابتها وطريقة تعاملها من الأزمات الداخلية والإقليمية والدولية. وأضاف شياو لونغ، في هذا السياق، أن هناك الكثير من التأويل لمواقف الصين، وينبغي الحذر من الادعاء بأن بكين تسعى إلى إزاحة الولايات المتحدة، لأنه يحمل في طياته نوايا انتقامية، موضحاً أنه لكل دولة مزاياها ورؤيتها الخاصة في مقاربة الأمور، والمهم ليس في من يحقق الانتصار ويسحق الآخر، بل كيف تتكاتف القوى الكبرى من أجل لعب دور إيجابي يعود بالمصلحة والمنفعة على باقي الدول وشعوب العالم.

صعوبة المهمة


لي يوان: ليس من السهل الوثوق ببكين بمسائل تتعلق بإدارة مؤسسات ومنظمات دولية


في المقابل، قال الباحث في مركز كولون للدراسات السياسية مقره هونغ كونغ، لي يوان، في حديث مع "العربي الجديد": لا شك في أن تراجع الولايات المتحدة في استراتيجيتها الدبلوماسية على الساحة العالمية، ساهم إلى حد ما في زيادة نفوذ الصين، ولكن هذا وحده لا يكفي لإثبات أن الفراغ الذي خلفه هذا التراجع سيُملأ تلقائياً من قبل بكين. وقد تكون معظم الآراء التي تفترض ذلك متحاملة على الولايات المتحدة بسبب سياسة "أميركا أولاً" التي تبدو انعزالية وتتعامل بانتهازية مع الحلفاء، ولكن من دون أن يعني ذلك اقتناعاً بالمشروع الصيني، لأن بكين تواجه أزمة ثقة مع الغرب، وليس من السهل الوثوق فيها بمسائل تتعلق بإدارة مؤسسات ومنظمات دولية.

وأضاف لي يوان: كذلك سياسة الصين الخارجية وتمسكها بمبادئ مثل عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، واختزال العلاقات الدولية بالاقتصاد والتجارة، لا يستقيم في الحالات التي تستدعي تدخلاً فاعلاً لحل الأزمات وفرض القوة. كما أن الاضطلاع بأدوار مسؤولة يستدعي صرفاً ضخماً، وبالرغم من مساهمات بكين، فإن ميزانية مساعداتها الخارجية لا تزال أقل بكثير من ميزانية الولايات المتحدة، وتقدم في الغالب على شكل قروض ميسرة وضمن بروتوكولات تتعلق بمبادرة الحزام والطريق الصينية. ولفت إلى أن هناك عاملاً آخر مهماً، أن الصين نفسها لم تقدم أوراق اعتمادها بصفتها بديلاً للولايات المتحدة، بل تستخدم هذه الفرضية من باب إحراج واشنطن أمام حلفائها، وتسويق نموذجها التنموي عبر التلويح المستمر بأنها الدولة المسؤولة الودودة والحريصة على النظام الدولي الذي تخلت عنه الولايات المتحدة.

المساهمون