الانتخابات الرئاسية في تشيلي: بين استعادة إرث سلفادور أليندي أو فوز مؤيدي بينوشيه

16 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 12:00 (توقيت القدس)
رئيس تشيلي غابرييل بوريك يتحدث إلى الصحافة في غواتيمالا، 14 يناير 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد تشيلي انتخابات رئاسية حاسمة وسط تزايد المخاوف من ارتفاع معدلات الجريمة والهجرة غير الشرعية، مع ارتفاع الجرائم بنسبة 50% عن العام الماضي، مما يفتح المجال لتغيير سياسي كبير في البلاد.

- الانتخابات تُظهر استقطاباً حاداً بين مرشحة شيوعية، جانيت خارا، وخصوم من أقصى اليمين مثل خوسيه أنطونيو كاست ويوهانس كايزر، الذين يركزون على قضايا الأمن والهجرة.

- النظام الانتخابي الجديد بفرضه تصويتاً إلزامياً قد يغير ديناميكية الانتخابات، مع دخول ملايين الناخبين الجدد، مما سيكشف عن الاتجاه السياسي المستقبلي لتشيلي وتأثيره على السياسة في أمريكا اللاتينية.

تشهد تشيلي انتخابات رئاسية ساخنة في الجولة الأولى اليوم الأحد والثانية في 14 ديسمبر/ كانون الأول القادم، في ظل تزايد المخاوف الشعبية من ارتفاع معدلات الجريمة وقضايا الهجرة غير الشرعية. فمعدلات الجرائم ارتفعت بصورة غير مسبوقة إلى 6.7 لكل 100 ألف نسمة، أي ارتفاع بنحو 50% عن السنة الماضية. ويُعد هذا الاستحقاق محطة مهمة، خصوصاً أن الرئيس الحالي غابرييل بوريك غير مؤهل لإعادة الترشح، ما يفتح الباب أمام تحول سياسي كبير.

وتبدو الانتخابات التشيلية اليوم أقرب ما تكون إلى مواجهة مباشرة بين مرشحة شيوعية وخصوم من أقصى اليمين، في استقطاب لم تشهد البلاد مثله منذ نصف قرن. فالشيوعية جانيت خارا تُعدّ أكثر المرشحين يسارية منذ إطاحة الرئيس سلفادور أليندي في انقلاب عام 1973، بينما يقف على الضفة الأخرى سياسيون يمينيون لا يخفون إعجابهم بإرث الديكتاتور أوغوستو بينوشيه.

جولة أولى… بين إرث أليندي وانقلاب بينوشيه

وقد تخرج من انتخابات اليوم روايتان كبيرتان: الأولى ستتحدث عن تقدّم خارا، التي تتصدر استطلاعات الرأي بنحو 30%، في الجولة الأولى. أما الثانية، وربما كانت الأكثر أهمية، فستتعلق بهُوية منافسها في الجولة الثانية في 14 ديسمبر/ كانون الأول، حيث تشير معظم المؤشرات إلى أن اليمين سيكون متحدّاً، وربما لتحقيق انتصار في النهاية. ولا تحدد هذه الانتخابات فقط مستقبل تشيلي السياسي، بل ترسم أيضاً الصراع حول الرواية التاريخية: هل سيستعيد اليسار إرث أليندي؟ أم ينتصر خطاب اليمين الذي لا يرى بأساً في تبرير انقلاب 1973؟

وتدخل اليسارية الشيوعية خارا السباق باعتبارها أكثر المرشحين يسارية منذ 50 عاماً. والمثير أن جميع المرشحين اليمينيين الرئيسيين المنافسين لها يصرّحون الآن بأن انقلاب 1973 كان "حتمياً"، بل إن اثنين منهم يعتقدان أنه كان "لمصلحة البلاد". أما الأكثر تطرفاً بينهم، فهو الصحافي السابق يوهانس كايزر، شخصية مثيرة للجدل، يَعِد بإصدار عفو عن المدانين بانتهاكات حقوق الإنسان في عهد بينوشيه. كايزر يتقدم بخطاب يميني صادم، مستنسخاً مزيجاً من أسلوب الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلي ورئيس الأرجنتين الشعبوي خافيير ميلي.

ويرث المرشحون مشهداً سياسياً يطغى عليه الاستقطاب من الرئيس الحالي غابرييل بوريك، الذي وصل إلى السلطة عام 2021 على موجة احتجاجات هائلة ضد إرث بينوشيه الاقتصادي بداية خريف 2019. لكن شعبيته تراجعت إلى حوالى 30% فقط بعد فشل مشروع دستور جديد رفضه 62% من التشيليين عام 2022، إضافة إلى انفجار غير مسبوق في جرائم العصابات رفع معدل جرائم القتل إلى أعلى مستوى في تاريخ البلاد.

كانت خارا، قد تولت وزارة العمل في حكومة بوريك، في قلب المفاوضات التي قادت لإصلاحات اجتماعية محدودة. وفي خطوة لافتة، أعلنت أنها ستستقيل من الحزب الشيوعي إذا أصبحت رئيسة، في محاولة لجذب أصوات الوسط. ويذكر أن النظام الانتخابي بات يفرض تصويتاً إلزامياً، ما قد يُدخل الملايين من الناخبين الجدد في المعركة الانتخابية.

اليمين يعود عبر بوابة الأمن والهجرة

تتفق استطلاعات الرأي على أن أهم موضوعين للناخبين هما الجريمة والهجرة. وهنا يتفوق اليمين. فالمرشح الأوفر حظاً للوصول إلى الجولة الثانية، خوسيه أنطونيو كاست، يعِدُ بإغلاق الحدود، وبربط الجريمة بالمهاجرين، خصوصاً من فنزويلا وهايتي، وبناء جدار حدودي مع بوليفيا، ونشر الجيش في المدن، وبناء سجون جديدة، وخفض الإنفاق العام وضرائب الشركات. كاست الذي يوصف بأنه "خليط بين ترامب الأميركي وفاراج البريطاني"، خفف بعض مواقفه الاجتماعية المتشددة منذ هزيمته عام 2021، لكنه لا يزال يقدم خطاباً قومياً حاداً. لكن المفاجأة الحقيقية قد تكون يوهانس كايزر، الذي يتقدم سريعاً في استطلاعات الرأي. كايزر يتجاوز حتى كاست في التطرف، واعداً بمعسكرات ترحيل قرب الحدود للمهاجرين غير الشرعيين، وتقليص الوزارات من 25 إلى 9، وإلغاء 160 ألف وظيفة حكومية، وخصخصة كل الشركات العامة، والقضاء على ضرائب الميراث والعقارات، بل قال صراحة: "سأتحدث مع الرئيس بوكيلي لأرى إن كان سيمنحنا مكاناً في سجنه لمن لا نستطيع ترحيلهم".

تقارير دولية
التحديثات الحية

وعلى يمين الوسط تقف الخبيرة الاقتصادية إيفلين ماتييه، التي كانت منافِسة للرئيسة ميشيل باشيليت في 2013. وتركّز ماتييه على "النظام والتقدم"، لكنها تقدم برنامجاً أقل تطرفاً، مع دعوة إلى برامج إعادة إدماج للمجرمين. تشير استطلاعات الرأي إلى أنها قد تكون مفاجأة الجولة الأولى، ولو تأهلت، فهي تفوز بسهولة في الجولة الثانية.

وما هو واضح الآن، أن البندول في تشيلي يتأرجح بقوة نحو اليمين، على الأقل في قضايا الأمن والهجرة. لكن سؤال اليوم هو: هل تنجح خارا في الحفاظ على صدارتها؟ ومن سيكون خصمها في الجولة الثانية: كاست المحافظ، أم كايزر اليميني الراديكالي، أم ماتييه المعتدلة؟ هذا ما ستكشفه صناديق الاقتراع الليلة بتوقيت سانتياغو، والعالم اللاتيني بانتظار النتيجة التي قد تعيد تشكيل السياسة في أقصى جنوب القارة كلها.