اليمنيون بين رمضاء الانقلاب ونار الشرعية

اليمنيون بين رمضاء الانقلاب ونار الشرعية

08 يونيو 2021
الصورة
يدفع سكان صنعاء ثمناً باهظاً للأمان الزائف (محمد حويس/فرانس برس)
+ الخط -

وقع المواطن اليمني بين فكّي كماشة أو كمين محكم بالمعنى الأنسب في العصر الحربي الراهن، ففي حال التفكير في الهروب من رمضاء الانقلاب الحوثي المهيمن بقوة السلاح على مناطق الشمال والغرب، يجد نفسه قد دخل في نار الحكومة الشرعية. لا أفق للخلاص، وليس هناك أي خيار ثالث لمن أراد البقاء داخل وطن مهترئ، تتشرذم أراضيه، "ولا يوجد عليه ما يستحق الحياة"، يا محمود درويش.
نحو 30 مليون يمني تحولوا إلى رهائن. أسرى في قبضة مليشيات وفصائل مسلحة تستخدمهم في معاركها ورقةً إنسانية وتمتص ما تبقّى من دمائهم وأموالهم تحت مسميات مختلفة، لكنها لا تقدّم لهم أي واجبات، بل تُشعِرهم بأنهم يجب أن يكونوا ممتنين على أنهم ما زالوا على قيد الحياة، وأن هذا الشرف ما كان ممكناً لو أن الأقدار لم تسُق هذه الجماعات إلى هرم الحكم.

يدفع سكان صنعاء ومناطق نفوذ الانقلاب الحوثي، ثمناً باهظاً للأمان الزائف الذي توفّره المليشيات على شكل جبايات لا تتوقف وتجنيد إجباري للأطفال أو غسل أدمغتهم بالدروس الطائفية، كما يحدث الآن مع الدورات الصيفية التي افتتحت الأسبوع الماضي. فقد أعلنت السلطات الحوثية، الأسبوع الماضي، عن التحاق 620 ألف طالب في المراكز الصيفية هذا العام، وتقول إن الهدف منها هو بناء جيل متسلح بالعلم والمعرفة. لكن ما هو مؤكد أن جماعة لا تحترف سوى الحروب لن تقدّم دروساً في تقنية المعلومات والاتصالات والعلوم الطبية، بل دروساً طائفية تمجّد ثقافة القتل، وتعمل على سلخ الهوية الوطنية بتقديم "الصرخة الإيرانية" بديلاً للنشيد الوطني.

يحاول آلاف اليمنيين تحصين أطفالهم من الأفكار الحوثية الهدامة، وهجرة مناطق المليشيا نحو المحافظات الخاضعة للحكومة الشرعية، لكن المؤسف أنهم يجدون أنفسهم مثل المستجير من الرمضاء بالنار. يفرّون من مناطق يستقر فيها سعر العملة الأجنبية عند 600 ريال يمني أمام الدولار الواحد، إلى مناطق وصلت فيها العملة إلى الحضيض وبلغت 940 ريالاً أمام الدولار الواحد.

بدلاً من مليشيا مسلحة واحدة تحكم تحت عقيدة موحّدة وتوفر نسبة من الأمان الزائف في مناطق سيطرتها شمالاً، تسلّم "الشرعية" مصير اليمنيين المستنجدين بها لفصائل وجماعات مليشياوية متعددة، والمؤسف أنها تمارس في حقك أبشع الانتهاكات، وتنهبك أو تختطفك وتصادر قوت أطفالك تحت مسمى الدولة ومؤسسات الشرعية.

في مدينة تعز مثلاً، خرج الناس في احتجاجات شعبية ضد هوامير الفساد الذين يحكمون ويتحكّمون في إيرادات المحافظة تحت مسمى الدولة. قيادات محلية وعسكرية تفرض إتاوات إجبارية على التجار ولا تورد منها سوى 5 في المائة للخزينة، ولا يكون أمام التاجر سوى اللجوء لتعويض خسائره من المواطن الغلبان. وبدلاً من تلبية مطالب الشارع، دفعوا بوحدات عسكرية لإغلاق مؤسسات الدولة المختطفة لديهم، بهدف خلط الأوراق واتخاذ خطوة إلى الأمام بهدف حماية أنفسهم. في عدن، يمضى "المجلس الجنوبي الانتقالي" الانفصالي في تكريس نفوذه على كافة مؤسسات الدولة الإعلامية والتعليمية، وبعد الاستيلاء على مقار الإعلام الرسمي، لجأ إلى تشكيل مجلس إدارة ظل لجامعة عدن، فيما الحكومة نائمة وأقصى ما تمتلكه إصدار بيان خجول تناشد فيه الانفصاليين بتحكيم العقل وعدم جرح مشاعر اتفاق الرياض.

عجزت "الشرعية" عن تخليص اليمنيين من الانقلاب الحوثي، وعجزت أكثر عن تقديم نموذج مشرف لمؤسسات الدولة في المناطق التي يفترض أنها تخضع عملياً لسيطرتها. تركت الشعب لقمة لمليشيات وأمراء حروب سيعملون بالوسائل كافة لإفشال جهود السلام، فالحرب هي مشروعهم المربح.

المساهمون