اليابان بين الضغوط الأميركية والعلاقة مع الصين

24 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
غلاس في طوكيو، 18 إبريل 2025 (كازوهيرو نوغي/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أكد السفير الأميركي لدى اليابان، جورج غلاس، على أهمية احتواء الصين وتعزيز الردع بالتعاون مع اليابان، مشيراً إلى التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن اليابان، بما في ذلك جزر سينكاكو المتنازع عليها.
- اعتبرت وسائل إعلام صينية أن تصريحات غلاس تعكس استراتيجية "الاحتواء المتقدم" لواشنطن، مما يفاقم التوترات الإقليمية ويقوض استقلال اليابان الاستراتيجي، خاصة مع التغيرات السياسية في اليابان.
- تواجه اليابان تحديات في موازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين، حيث قد يؤدي تعزيز موقفها المناهض لبكين إلى زيادة التوترات الإقليمية ومرحلة مضطربة في العلاقات مع الصين.

شدّد السفير الأميركي لدى اليابان جورج غلاس على ضرورة احتواء الصين، وقال خلال مشاركته في محاضرة بطوكيو قبل أيام، إنه لتعزيز الردع ضد بكين، يتعيّن على الولايات المتحدة واليابان تقاسم المسؤوليات في هذه المهمة، وفقاً لما ذكرته هيئة الإذاعة اليابانية. وأكد غلاس أن بلاده ستظل ملتزمة تماماً بالدفاع عن اليابان، بما في ذلك جزر سينكاكو، التي تسيطر عليها طوكيو لكن بكين تطالب بها في بحر الصين الشرقي. وقال إن اليابان يجب أن تعزز قدراتها الدفاعية في مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة التي تشكلها الصين وكوريا الشمالية، خصوصاً التطوير النووي والصاروخي المستمر في بيونغ يانغ.

استراتيجية أميركا مع اليابان

في تعليقها على ذلك اعتبرت وسائل إعلام صينية حكومية، أول من أمس الأربعاء، أن غلاس يكشف مجدداً جوهر استراتيجية واشنطن "الاحتواء المتقدم" في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إذ تُضاعف الولايات المتحدة جهودها لتحويل اليابان إلى أداة في الخطوط الأمامية ضد الصين، مُحمّلةً حلفاءها تكاليفها الاستراتيجية الخاصة، ومُحمّلةً إياهم مخاطر الأمن الإقليمي. وأضافت أن هذا النهج لا يُقوّض الاستقلال الاستراتيجي لليابان فحسب، بل يُفاقم أيضاً التوترات الإقليمية، لافتة إلى أن هذه الادعاءات الصريحة من السفير الأميركي بشأن التهديد الصيني ليست مستغربة، وأنه مع اقتراب تشكيل حكومة جديدة في طوكيو، يُمكن اعتبار خطوة واشنطن وسيلةً لتحذير القيادة اليابانية، مُذكّرةً إياها بعدم محاولة التحرر من السيطرة الاستراتيجية الأميركية. وتابعت: تُمثّل دبلوماسية "توزيع المهام" استمراراً للعلاقة الهرمية بين البلدين بعد الحرب، إذ ظلت اليابان لعقود تعتمد عسكرياً على الولايات المتحدة.


ليو وانغ تشين: خيارات طوكيو تبدو محدودة تماماً في التعامل مع الضغط الأميركي

ورغم تأكيد طوكيو مراراً على استقلالها الاستراتيجي في المجال السياسي، إلا أن الواقع هو أن واشنطن لا تزال تمارس نفوذاً كبيراً على الانتشار العسكري الياباني، وتوجيه سياساتها، وإنفاقها الدفاعي، مشيرة إلى أنه في ظل ما يُسمى "استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ"، أصبح نظام الاحتواء المتقدم بقيادة الولايات المتحدة، المبني على تحالفات مع اليابان وكوريا الجنوبية، ركيزةً أساسيةً لنظامها المهيمن في المنطقة. وأضافت أن واشنطن لن تتسامح مع أي مؤشر إلى استقلالية اليابان الاستراتيجية، وتحت شعار "تعزيز التحالف"، ستواصل دمج طوكيو في إطارها المناهض للصين.

وتأتي هذه التصريحات في وقت قد تشهد فيه اليابان تقلبات محتملة بشأن سياساتها الخارجية مع تولي أول امرأة في البلاد، هي ساناي تاكايتشي، منصب رئاسة الوزراء الثلاثاء الماضي. وكانت وزارة الخارجية الصينية قد دعت طوكيو إلى الوفاء بالتزاماتها السياسية بشأن القضايا الرئيسية مثل التاريخ وتايوان واتّباع سياسة استباقية وعقلانية تجاه الصين. بينما حذر مراقبون صينيون من صعود تاكايتشي وتأثير ذلك على العلاقات الصينية اليابانية، واعتبر هؤلاء أن وجهات النظر المحافظة بشأن قضايا حساسة، بما في ذلك تاريخ اليابان في زمن الحرب، ومسألة تايوان، قد تهزّ العلاقات المتوترة بالفعل مع بكين.

ورأى الباحث في المعهد الصيني للدراسات الآسيوية ليو وانغ تشين، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن خيارات طوكيو تبدو محدودة تماماً في التعامل مع الضغط الأميركي وموازنة العلاقات مع بكين، بالنظر إلى بيئة جيوسياسية معقدة شهدت تقلبات متسارعة، ناهيك عن التحديات الداخلية المرتبطة بتردي الوضع الاقتصادي وارتفاع معدلات الشيخوخة في البلاد. وأضاف أن اليابان ستقع في معضلة كبيرة في ظل انحسار الخيارات، لأن الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية يعني قطيعة اقتصادية مع الصين، وهذا ما لا يمكن أن تتحمله طوكيو في الوقت الراهن، كما أن عدم الخضوع للإملاءات الأميركية سيرفع الغطاء الأمني عنها أمام تحديات كبيرة في محيطها تبرز في الخطر النووي الذي تمثله كوريا الشمالية.

توجس صيني

وكانت صحيفة غلوبال تايمز الحكومية قد ذكرت في استعراض سابق للعلاقات بين بكين وطوكيو، أنه إذا استمرت اليابان في ربط أمنها بالولايات المتحدة، مع سعيها للانفصال الاقتصادي عن الصين، فلن يؤدي ذلك إلا إلى تعميق التناقضات الداخلية وتقويض استقلاليتها. ولفتت إلى أن تعزيز موقفها المناهض لبكين والسعي إلى التوسع العسكري لن يحققا أمناً حقيقياً. وأضافت الصحيفة الصينية أن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة لا تُضعف دور اليابان المستقل في الشؤون الإقليمية فحسب، بل تُغذي أيضاً القلق وردات الفعل الدفاعية بين جيرانها، ما يُقوّض الثقة المتبادلة التي استغرق بناؤها عقوداً، وأنه مع ترسيخ منطق الردع، يُخاطر شرق آسيا

بالانزلاق إلى حالة من التوتر الشديد، حيث يتقلص مجال السلام والتعاون باستمرار، بينما تستفيد الولايات المتحدة من تزايد عدم الاستقرار للحفاظ على هيمنتها في المنطقة.


شياو لونغ: من الصعب التنبؤ بمسار العلاقات الثنائية بين طوكيو وبكين

من جهته، قال الأستاذ في مركز الدراسات السياسية في جامعة جينان شياو لونغ، في حديث مع "العربي الجديد"، إنه سيكون من الصعب التنبؤ بمسار العلاقات الثنائية بين طوكيو وبكين في ظل المعطيات الراهنة، واستناداً إلى أقوال وأفعال رئيسة الوزراء الجديدة ساناي تاكايتشي. وأشار إلى أن المسؤولة اليابانية عمدت خلال حملتها الانتخابية إلى زيارة ضريح ياسوكوني، وهو نصب تذكاري في طوكيو يكرم قتلى الحرب اليابانيين، في خطوة تهدف إلى استفزاز الصين وكوريا الشمالية، حسب شياو لونغ. وأضاف أنها حرصت أيضاً على إجراء مكالمة هاتفية مع رئيسة تايوان السابقة تساي إنغ ون، أكدت خلالها رغبتها في تعزيز العلاقات الأمنية مع الجزيرة، في تحد صارخ للخطوط الحمراء الصينية بشأن علاقاتها الدبلوماسية مع الدول الأخرى. ولفت إلى أن "تصرفات ساناي تشير إلى ملامح مرحلة مضطربة مع بكين. ولكن يبقى أن نرى إن كانت هذه السلوكيات مرتبطة بمرحلة برزت فيها الحاجة إلى استقطاب الناخبين، أم أنها سوف تترجم في إطار سياسة خارجية متشددة قد تجر وبالاً على المنطقة".

المساهمون