الولايات المتحدة مصدر قلق في تقييم استخباراتي دنماركي
استمع إلى الملخص
- يعبر التقرير الدنماركي عن قلق واسع من تراجع اليقين الأوروبي تجاه التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن القارة، مما يفتح المجال أمام روسيا لتكثيف هجماتها الهجينة.
- يبرز ملف غرينلاند كمحور قلق خاص، حيث أثار تصريح ترامب حول شراء الجزيرة مخاوف بشأن الطموحات الأميركية في القطب الشمالي.
يبدو أن الدنمارك، التي تُعدّ من أوثق حلفاء واشنطن في شمال أوروبا، لم تعد تنظر إلى الولايات المتحدة بالثقة نفسها التي حكمت علاقتهما لعقود، وخصوصاً منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001، حين شاركت كوبنهاغن في معظم الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة من أفغانستان إلى العراق وليبيا. إذ بحسب التقييم الاستخباري العسكري الصادر في كوبنهاغن عن عام 2025، تحولت واشنطن اليوم إلى مصدر قلق وضغط سلبي، وهو تطور غير مسبوق في العلاقة بين البلدين.
في مطلع العام الحالي، أكدت رئيسة الحكومة الدنماركية ميتا فريدريكسن أن الولايات المتحدة لا تزال أقرب حليف للدنمارك، رغم الجدل الذي أثاره الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول رغبته في ضم جزيرة غرينلاند. لكن نهاية العام الجاري حملت تحولاً مفاجئاً، بعدما أدرجت دائرة الاستخبارات الدفاعية الدنماركية، للمرة الأولى، الولايات المتحدة ضمن مصادر التهديد والضغط السلبي في تقييمها المنشور اليوم.
ويعكس هذا التحول تبدلاً عميقاً في السياسة الأميركية، وفي المقاربة الدنماركية لبيئتها الأمنية. ويشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة باتت تستخدم قوتها الاقتصادية والتكنولوجية أداة ضغط حتى على حلفائها التقليديين، وقد جعلت سياسات رفع الرسوم الجمركية أو التهديد بها، إضافة إلى القيود المفروضة على التقنيات الاستراتيجية، دولاً مثل الدنمارك أكثر عرضة للضغوط الأميركية، وأقل قدرة على المناورة في ملفات الأمن والاقتصاد.
كذلك يلفت التقييم إلى أن الغموض المتزايد بشأن الدور الأميركي التقليدي باعتباره ضامناً لأمن أوروبا بات يثير قلقاً واسعاً في كوبنهاغن، إذ تُظهر الإدارة الأميركية الحالية ميولاً واضحة نحو رؤية عالم مقسّم إلى مناطق نفوذ كبرى، بدل نظام دولي قائم على القواعد المتفق عليها. وفي هذا السياق، يرى التقرير أن تراجع اليقين الأوروبي تجاه التزام واشنطن بالدفاع عن القارة يفتح المجال أمام روسيا لتكثيف هجماتها الهجينة واستغلال أي ضعف في منظومة الردع الأطلسية.
وقد جاءت هذه النظرة المتوجسة مدعومة بما ورد في تقرير الأمن القومي الأميركي الأخير، الذي حمل بدوره إشارات سلبية بحق الحلفاء الأوروبيين، وترك صدى واسعاً في عواصم أوروبا. ويؤكد التقييم الدنماركي أن التحولات الحاصلة في الموقف الأميركي تضع الدول الأوروبية أمام مسؤوليات أكبر في مجال التسلح والتنسيق الدفاعي، خصوصاً في ظل تراجع الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية كما كان الحال في العقود الماضية.
وبرز هذا التغيير بوضوح في ملف غرينلاند، إذ أعاد تصريح ترامب حول رغبته في شراء الجزيرة فتح باب القلق في كوبنهاغن بشأن الطموحات الأميركية في القطب الشمالي، ولا سيما بعد الكشف عن محاولات واشنطن لعقد اجتماعات مباشرة مع حكومة غرينلاند بعيداً عن السلطات الدنماركية. ويحذر التقرير من أن التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة وروسيا والصين في القطب الشمالي يرفع من مخاطر التجسس ومحاولات التأثير السياسي في غرينلاند، التي باتت منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة.
ورغم أن دائرة الاستخبارات الدنماركية تواصل اعتبار روسيا والصين التهديد الأكبر، فإنها ترى كذلك في الحضور الأميركي المتنامي جزءاً لا يمكن تجاهله من المعادلة الأمنية الراهنة. وفيما لا يتحدث التقرير عن تهديد مباشر بشن هجوم على الدنمارك، إلا أنه يحذر من أن روسيا قد تصبح أكثر استعداداً لتصعيد أعمالها العسكرية في أوروبا خلال السنوات المقبلة، وقد تملك القدرة على شن حرب أوسع في غضون خمسة أعوام، إذا ما توقفت الحرب في أوكرانيا من دون تعزيز فعّال لقدرات الناتو الدفاعية.
ويرى خبراء دنماركيون تحدثوا للصحافة المحلية، اليوم الأربعاء، أن ما يجري يمثل لحظة مفصلية في تاريخ السياسة الأمنية للدنمارك. وبحسب أستاذ العلوم السياسية الدولية في جامعة كوبنهاغن، أولي ويفر، كانت الدنمارك تاريخياً من أكثر الدول تمسكاً بالنهج الأطلسي، والاعتراف اليوم بأن الولايات المتحدة قد لا تكون الحليف الموثوق في جميع الظروف يشكل انفصالاً مؤلماً عن مسار طويل من الاعتماد الاستراتيجي على واشنطن.
ويضيف خبراء آخرون من مركز الدراسات الدولية الدنماركي أن الإشارة إلى قدرة الولايات المتحدة على ممارسة الضغطين الاقتصادي والتكنولوجي ليست جديدة، لكنها تكتسب وزناً خاصاً عندما تصدر عن مؤسسة استخبارية رسمية اعتادت التحفظ في الحديث عن الحليف الأميركي.
أما رئيس الاستخبارات العسكرية الدنماركية، توماس أهرنكيل، فقد أكد لصحيفة بوليتيكن اليوم أن الجهاز لا يصنف الدول بين أصدقاء وأعداء، بل يدرس التهديدات أيّاً كان مصدرها. وبالتوازي مع تشديده على أن الولايات المتحدة لا تزال الحليف الأهم للدنمارك، أقرّ أهرنكيل بوجود قلق حقيقي من تصرفاتها واهتمامها المتزايد بغرينلاند والقطب الشمالي.
وتكمن خلاصة التقييم في أن المشهد الأمني المحيط بالدنمارك شهد تغيراً جذرياً. فبينما تظل الولايات المتحدة شريكاً أساسياً، بات يُنظر إليها أيضاً على أنها مصدر محتمل للضغط الاستراتيجي، وخصوصاً في ملف غرينلاند، مع تراجع وضوح الدور الأميركي في حماية أوروبا. وإزاء ذلك، تجد الدنمارك، ومعها بقية دول الاتحاد الأوروبي، نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم قدراتها الدفاعية وتقليل مستوى اعتمادها الاقتصادي والتكنولوجي على الولايات المتحدة، استعدادًا لمرحلة طويلة من عدم اليقين في العلاقة مع الحليف الأميركي الذي ظل لسنوات يُنظر إليه على أنه ركيزة ثابتة لا تتزعزع.