النمسا نحو التخلي عن الحياد: تمديد التجنيد الإجباري وإصلاح قوات الاحتياط

08 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 16:33 (توقيت القدس)
جنود من الجيش النمساوي في فيينا، 18 يونيو 2026 (فرانس برس)

بعد عقود من الاعتماد على سياسة الحياد العسكري، بدأت النمسا مراجعة واسعة لعقيدتها الدفاعية تحت تأثير التحولات الأمنية في أوروبا. فقد أعلنت الحكومة النمساوية نيتها تمديد فترة التجنيد الإجباري من ستة إلى تسعة أشهر، في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من احتمال امتداد التوترات الجيوسياسية إلى القارة الأوروبية بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.

وفي 27 يوليو/ تموز الماضي، أعلنت الحكومة النمساوية، خلال اجتماع عقدته في ثكنة شوارزنبرغ بمدينة سالزبورغ، بحسب ما نشره التلفزيون النمساوي، اتفاقها على أكبر إصلاح لنظام الخدمة العسكرية منذ سنوات، يقضي بتمديد التجنيد الإجباري من ستة إلى تسعة أشهر، وإعادة تنظيم قوات الاحتياط، في خطوة ربطتها السلطات مباشرة بتغير البيئة الأمنية الأوروبية بعد الحرب الروسية على أوكرانيا.

ويأتي القرار في وقت تشهد فيه العديد من الدول الأوروبية إعادة تقييم لقدراتها العسكرية، بعدما أنهت الحرب في أوكرانيا مرحلة طويلة من الاعتقاد بأن الحروب الكبرى في أوروبا أصبحت من الماضي. وترى الحكومة النمساوية أن تعزيز الجيش لم يعد خياراً سياسياً، بل أصبح ضرورة مرتبطة بتغير البيئة الأمنية. وقال المستشار النمساوي كريستيان ستوكر إن الوضع الأمني "تغير جذرياً خلال السنوات والأشهر والأسابيع الأخيرة"، مضيفاً أن الحرب الروسية على أوكرانيا أنهت "حلم السلام الدائم في أوروبا". وأضاف، وفقاً للموقع الرسمي للمستشارية، أن النمسا بحاجة إلى قدرات دفاعية أقوى حتى تتمكن من حماية أمنها في ظل عالم أكثر اضطراباً.

إصلاح الجيش النمساوي

ويقضي النظام الحالي في النمسا بأن يؤدي الشباب الخدمة العسكرية الإلزامية مدة ستة أشهر، مع إمكانية اختيار خدمة مدنية بديلة. لكن الحكومة ترى أن هذه الفترة لم تعد كافية لإعداد جنود قادرين على التعامل مع التحديات الأمنية الحديثة. وبموجب الإصلاح الجديد، بحسب ما نشره التلفزيون النمساوي في 28 من أغسطس/آب الماضي، سترتفع مدة الخدمة العسكرية إلى تسعة أشهر، كما ستنشأ منظومة احتياط جديدة تلزم الجنود السابقين بالعودة إلى التدريبات العسكرية حتى بعد عشر سنوات من انتهاء خدمتهم.

تشهد فيه العديد من الدول الأوروبية إعادة تقييم لقدراتها العسكرية، بعدما أنهت الحرب في أوكرانيا مرحلة طويلة من الاعتقاد بأن الحروب الكبرى في أوروبا أصبحت من الماضي.

وترى وزارة الدفاع النمساوية أن نظام الاحتياط ضروري لتعزيز قدرة الجيش على التعبئة السريعة في حال حدوث أزمة، خصوصاً أن القوات المسلحة النمساوية، مثل العديد من الجيوش الأوروبية، عانت خلال السنوات الماضية نقصاً في الأفراد والموارد. ولا تستهدف هذه الإجراءات المشاركة في حروب خارجية، بل تهدف أساساً إلى تعزيز قدرة البلاد على الدفاع عن أراضيها وبنيتها التحتية الحيوية في حال حدوث تهديدات أمنية.

النمسا من الحياد إلى القلق الأمني

وتحتل النمسا موقعاً خاصاً داخل أوروبا، فهي ليست عضواً في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وتحافظ رسمياً على سياسة الحياد منذ عام 1955، بعد انتهاء احتلال الحلفاء لها عقب الحرب العالمية الثانية (1939–1945). لكن الحرب الروسية على أوكرانيا، التي بدأت في فبراير/ شباط 2022، دفعت إلى إعادة فتح النقاش داخل البلاد حول معنى الحياد في القرن الحادي والعشرين. 

فبينما يرى مؤيدو الحياد أنه عنصر أساسي في هوية النمسا ودورها الدبلوماسي، يرى آخرون أن الظروف الحالية تتطلب تعزيز التعاون الدفاعي مع الشركاء الأوروبيين. ورغم عدم وجود حدود مباشرة بين النمسا وروسيا، فإن المسؤولين النمساويين يشيرون إلى أن التهديدات الحديثة لا تقتصر على الهجمات العسكرية التقليدية، بل تشمل أيضاً الهجمات الإلكترونية والتجسس ومحاولات التأثير السياسي واستهداف البنية التحتية.

روسيا عامل رئيسي في تغيير الحسابات الأوروبية

ومنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، بدأت دول أوروبية عدة زيادة إنفاقها الدفاعي وإعادة بناء قدراتها العسكرية. فقد أعلنت ألمانيا تحولاً تاريخياً في سياستها الدفاعية، وسارعت السويد وفنلندا إلى الانضمام إلى حلف ناتو، فيما رفعت دول شمال أوروبا وشرقها مستوى استعداداتها العسكرية بسبب قربها الجغرافي من روسيا. وتقول الحكومة النمساوية إن التطورات في أوكرانيا أظهرت أن السلام الأوروبي لا يمكن اعتباره أمراً مضموناً، وأن الدول الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى امتلاك قدرة أكبر على الردع.

تحتل النمسا موقعاً خاصاً داخل أوروبا، فهي ليست عضواً في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتحافظ رسمياً على سياسة الحياد منذ عام 1955، بعد انتهاء احتلال الحلفاء لها عقب الحرب العالمية الثانية (1939–1945).

ويعكس القرار النمساوي اتجاهاً أوسع في أوروبا، إذ عادت قضايا مثل التجنيد الإجباري وزيادة أعداد القوات وتوسيع قوات الاحتياط إلى صدارة النقاش السياسي، بعد سنوات من تقليص الجيوش عقب نهاية الحرب الباردة.

معركة في البرلمان

ورغم اتفاق الأحزاب الثلاثة المشاركة في الحكومة الائتلافية على الإصلاح، فإن تمريره يحتاج إلى دعم المعارضة، إذ يتطلب تعديل النظام الحصول على أغلبية الثلثين في البرلمان. وتواجه الخطوة نقاشاً سياسياً بين من يعتبرها استجابة ضرورية للواقع الأمني الجديد، ومن يخشى أن تؤدي إلى تراجع مبدأ الحياد النمساوي أو زيادة عسكرة المجتمع. لكن الحكومة تؤكد أن الهدف ليس التخلي عن الحياد، بل ضمان أن تكون النمسا قادرة على حماية نفسها في عالم أصبحت فيه المخاطر الأمنية أكثر تعقيداً.

أوروبا تعيد اكتشاف مفهوم الدفاع

تأتي الخطوة النمساوية ضمن موجة أوروبية أوسع لإعادة بناء القدرات العسكرية بعد عقود من خفض الإنفاق الدفاعي. فالحرب في أوكرانيا غيرت الحسابات الأمنية للقارة، وأعادت سؤالاً كان يبدو من الماضي: هل تحتاج الدول الأوروبية إلى جيوش أكبر ومجتمعات أكثر استعداداً للدفاع؟ وبالنسبة إلى النمسا، فإن تمديد التجنيد الإجباري يمثل تحولاً مهماً لدولة لطالما بنت سياستها الخارجية على الحياد. لكنه يعكس أيضاً واقعاً جديداً تشعر به معظم العواصم الأوروبية، وهو أن عصر الاطمئنان الأمني الذي أعقب نهاية الحرب الباردة أصبح جزءاً من الماضي.