النرويج تحيي ذكرى مجزرة أوتويا.. الهجوم الأسوأ في تاريخها

22 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 11:21 (توقيت القدس)
تنديد بمجزرة أوتويا في النرويج، يوليو 2021 (جوناثان ناكستراند/ فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تحيي النرويج الذكرى الخامسة عشرة لهجوم أندرس بريفيك، مما يثير تساؤلات حول صعود التطرف اليميني وخطر خطاب الكراهية، وقدرة الديمقراطيات على مواجهة العنف مع الحفاظ على قيم الانفتاح.
- تحولت جزيرة أوتويا إلى رمز للتعلم والمقاومة، حيث تُنظم ورش عمل حول الديمقراطية وحرية التعبير، مما يجعلها جزءاً من سياسة الذاكرة النرويجية لتحويل أماكن العنف إلى مواقع تعليمية.
- رغم مرور خمسة عشر عاماً، تواجه النرويج تحديات التطرف اليميني، وتؤكد على أهمية الذاكرة الجماعية من خلال نصب تذكاري لتخليد الضحايا، مع التركيز على التسامح والحوار.

قبل خمسة عشر عاماً، شهدت النرويج أسوأ هجوم في تاريخها الحديث عندما استهدف المتطرف اليميني أندرس بيرينغ بريفيك العاصمة أوسلو وجزيرة أوتويا، موقعاً 77 قتيلاً. واليوم، تحيي البلاد الذكرى الخامسة عشرة للهجومين، في وقت لم تعد فيه المناسبة مجرد استذكار للمأساة، بل مناسبة لطرح أسئلة حول التطرف وخطاب الكراهية ومستقبل الديمقراطية.

لكن أوتويا لم تعد مجرد ذكرى لمأساة وطنية، بل تحولت إلى محطة سياسية تعيد فيها النرويج طرح أسئلة تتجاوز حدودها، تتعلق بصعود التطرف اليميني، وخطر خطاب الكراهية، وقدرة الديمقراطيات على مواجهة العنف من دون التخلي عن قيم الانفتاح والتعددية. في ذلك اليوم، فجّر المتطرف اليميني أندرس بيرينغ بريفيك سيارة مفخخة أمام الحي الحكومي في أوسلو، ما أدى إلى مقتل ثمانية أشخاص. وبعد ذلك توجه إلى جزيرة أوتويا، حيث كان مئات الشباب يشاركون في مخيم سياسي صيفي لمنظمة الشباب التابعة لحزب العمال، وأطلق النار عليهم، ما أدى إلى مقتل 69 شخصاً، معظمهم من المراهقين والشباب.  كانت الجزيرة يومها تضم 564 شخصاً، وتحولت خلال ساعات إلى رمز لإحدى أكثر الهجمات دموية التي شهدتها أوروبا الحديثة.

من هجوم على الشباب إلى هجوم على الديمقراطية

لم يكن اختيار أوتويا مصادفة. فالجزيرة كانت تمثل تقليداً سياسياً نرويجياً يقوم على مشاركة الشباب في الحياة العامة والنقاش الديمقراطي. ولذلك اعتبرت السلطات والمجتمع النرويجي أن الهجوم لم يكن يستهدف أفراداً فقط، بل كان محاولة لضرب ثقافة سياسية قائمة على الحوار والتعددية. ويستعيد الناجون حتى اليوم مشاهد الرعب التي عاشوها. فقد قال أحدهم لصحيفة "في جي" النرويجية إنه عندما بدأت الطلقات اعتقد في البداية أنها ألعاب نارية، قبل أن يدرك أن الجزيرة تحولت إلى مكان للقتل. وقال إن الانتقال من أجواء المخيم الآمنة إلى حالة الرعب كان "مثل الانتقال إلى فيلم رعب". لكن الرد النرويجي على الهجوم اتخذ مساراً مختلفاً عن منطق الخوف والانتقام. فبعد أيام من المذبحة، خرج مئات الآلاف في "مسيرات الورود"، حاملين الزهور، ومؤكدين أن مواجهة الإرهاب ستكون عبر المزيد من الديمقراطية، لا عبر تقليص الحريات.

اختارت النرويج ألا تترك أوتويا أسيرة للماضي. فقد استعادت الجزيرة دورها مكاناً للقاء الشباب والنقاش السياسي، وتحولت إلى مساحة للتعليم حول الديمقراطية ومواجهة التطرف. وفي المباني التي شهدت إطلاق النار، حيث لا تزال بعض آثار الرصاص حاضرة، تُنظم ورش عمل حول المشاركة السياسية وحرية التعبير وخطر خطاب الكراهية. وبهذا المعنى، أصبحت أوتويا جزءاً من سياسة الذاكرة النرويجية: تحويل أماكن العنف إلى أماكن للتعلم، وتحويل الضحايا من رموز للمأساة فقط إلى جزء من قصة الدفاع عن الديمقراطية.

التطرف اليميني.. التحدي لم ينته بعد

مع مرور خمسة عشر عاماً، افتتحت النرويج اليوم نصباً تذكارياً دائماً في الحي الحكومي بأوسلو لتخليد الضحايا. ويضم النصب أسماء القتلى السبعة والسبعين، من خلال حجارة جُلبت من أوتويا والمناطق المحيطة بها. ولا يمثل النصب مجرد ذكرى للموتى، بل رسالة سياسية بأن مواجهة التطرف لا تكون بالنسيان. فالديمقراطية، بحسب الرسالة التي تحاول النرويج ترسيخها، تحتاج إلى ذاكرة جماعية تذكّر بثمن فقدان التسامح والحوار.

ورغم مرور عقد ونصف على الهجوم، لا ترى النرويج أن خطر التطرف أصبح من الماضي. فقد جاء الهجوم في سياق أوروبي شهد خلال السنوات الأخيرة صعود تيارات يمينية متشددة وخطابات سياسية تستهدف المهاجرين والتعددية الثقافية. 

وتشير استطلاعات الرأي في النرويج إلى استمرار القلق بشأن المناخ العام للنقاش السياسي. فقد أفاد 13% من المشاركين في استطلاع لهيئة الإذاعة النرويجية، نُشر اليوم، بأنهم تعرضوا لتهديد أو مضايقة بسبب آرائهم، بينما قال 73% إنهم امتنعوا عن التعبير عن آرائهم على الإنترنت خلال العام الماضي بسبب المخاوف المرتبطة بالمناخ العام للنقاش. كما أظهر تقرير صادر عن مؤسسة "فريت أورد" أن غالبية المشاركين يرون أن الآراء غير السائدة تُصنَّف بسرعة على أنها آراء سيئة، ما يعكس مخاوف من تراجع مساحة الحوار المفتوح.

ويقضي منفذ الهجوم بريفيك عقوبته وفق نظام "الحبس الوقائي"، الذي يسمح بتمديد سجنه إذا اعتبر خطراً على المجتمع، رغم أن الحكم الأولي كان 21 عاماً. لكن حضوره لم يعد محور الذكرى النرويجية. فالرسالة التي تسعى البلاد إلى تأكيدها هي أن القصة يجب ألا تبقى مرتبطة بمنفذ الجريمة، بل بالضحايا والمجتمع الذي اختار طريقاً مختلفاً.