الموقف المصري من العدوان: كثير من "البروباغندا" قليل من التغيير

الموقف المصري من التطورات الفلسطينية: كثير من "البروباغندا" قليل من التغيير

16 مايو 2021
الصورة
ساد الترقب لموعد معبر رفح أمام المصابين (سعيد خطيب/فرانس برس)
+ الخط -

حتى ساعات ظهر أمس السبت، لم تنجح المساعي المصرية السرية، والاتصالات المشتركة مع الولايات المتحدة والقوى الأوروبية، في إرغام دولة الاحتلال الإسرائيلي على وقف العدوان المتواصل على قطاع غزة، فيما ساد الترقب لموعد معبر رفح أمام المصابين الفلسطينيين، لا سيما بعد دخول وفد طبي أمني مصري إلى غزة، مساء الجمعة الماضي، للتنسيق استعداداً لنقل الحالات الخطيرة واستطلاع الأوضاع الصحية، بينما احتشدت أكثر من 50 سيارة إسعاف في المعبر من الجانب المصري انتظاراً لإشارة بدء نقل المصابين.
في موازاة ذلك، بذلت الأجهزة السيادية المصرية، خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، محاولات حثيثة للإيحاء للرأي العام، المحلي والعربي والأجنبي، بحدوث تغيير استراتيجي في موقف القاهرة من القضية الفلسطينية. لكن ظهرت فجوة بين الدعاية بشأن التحول في الموقف وما يجري على أرض الواقع فاقمها التزام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الصمت التام، على عكس معظم قادة الدول، الذين انخرطوا في جهود الوساطة.

لم تصدر عن السيسي أي تصريحات عن القضية الفلسطينية

وعلى الرغم من النبرة الحادة التي اتسم بها حديث وزير الخارجية المصري سامح شكري، خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب أخيراً، لم تصدر عن السيسي أي تصريحات عن القضية الفلسطينية في عدة مناسبات أتيحت له، منها ظهوره في حفل بالإسماعيلية الأسبوع الماضي، وإصداره بيانات عدة للتهنئة بعيد الفطر.
غياب العلنية عن الموقف المصري الرسمي، واستخدام صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التابعة للأجهزة لتداول المعلومات، التي من شأنها الإيحاء بحدوث "تغيير في الموقف"، وترك مساحة أكبر لتغطية الأحداث بصورة موضوعية للإعلام الموالي للسلطة، يُعبر في حقيقته عن أسلوب معتاد من النظام المصري في إدارة ملف الإعلام، في المواقف التي يريد فيها توجيه رسائل للقوى الكبرى بشكل غير مباشر، وبصورة لا تُحسب على النظام سياسياً فيما بعد، شأن ما سبق وحدث عند بدء التمهيد للتلويح باستخدام العمل العسكري ضد سد النهضة.

وكان لافتاً انقلاب اهتمام الإعلاميين الموالين للأجهزة، كالمخابرات العامة والأمن الوطني، إزاء الأوضاع في فلسطين من النقيض إلى النقيض، تزامناً مع تعثر مهمة الوفد المصري الذي زار غزة وتل أبيب، ورفض دولة الاحتلال للوقف الفوري لإطلاق النار ووضع شروط مجحفة، فضلاً عن عدم ممارسة واشنطن الضغوط الكافية لإنجاح المهمة المصرية. وبعيداً عن هذه الظواهر، فإن دلالاتها تبقى الأهم في سياق العلاقة المتخبطة بين مصر والإدارة الأميركية الجديدة، وتراكب العلاقات بين دولة الاحتلال ومصر والأردن وقطر من ناحية، والإمارات من ناحية أخرى، وارتباط كل ذلك بالشواغل الخاصة المصرية، والتي يأتي سد النهضة على رأسها حالياً.
وبحسب مصادر دبلوماسية مصرية، تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإن الموقف المصري الحالي لا يمكن فصله عما تم اتخاذه من إجراءات على مدار الشهور الست الماضية، منذ تطبيع الإمارات تحديداً مع دولة الاحتلال، وعدم انعكاس الخطوات المتتالية على الأوضاع الاقتصادية لدول المحيط الفلسطيني، التي تعتبر الأكثر تضرراً من استمرار ممارسات الاحتلال. وحاول السيسي، بالتنسيق مع الملك الأردني عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس، حشد جهود دبلوماسية، وإبداء موقف مستقل عن مسار التطبيع المتسارع الذي تقوده الإمارات، وتحاول دول أخرى اللحاق به، بحيث تحافظ على معايير معينة، وحدود واضحة لمستوى التطبيع العربي، دون الاندفاع إلى سبيل قد يفقد مصر أولاً والأردن ثانياً أهميتهما الإقليمية بالنسبة لواشنطن والعواصم الغربية.

من الأسباب الحقيقية للحنق المصري إهمال الإدارة الأميركية الجديدة لتسيير التفاهمات بين الدول العربية والاحتلال

وفي هذا الإطار، جاءت اللقاءات المتكررة بين وزيري الخارجية المصري والأردني وبين وزراء خارجية فلسطين وفرنسا وألمانيا، والتي كانت تهدف إلى إعادة إلقاء الضوء على استمرار معاناة الشعب الفلسطيني من جهة، وتعقد أوضاع محيطه الإقليمي وتوتر العلاقات بين دولة الاحتلال ومصر والأردن من جهة أخرى، والتشديد في الوقت نفسه على أن تجاوز هذه القضايا المهمة لحساب تطبيع اقتصادي شعبي بين دول خليجية ودولة الاحتلال ربما يحدث حراكاً في وسائل الإعلام، ويلبي أهدافاً سطحية لدوائر صنع القرار الأميركية، لكنه لن ينهي القضية الفلسطينية.
وذكرت المصادر أن من الأسباب الحقيقية للحنق المصري على التقارب الإسرائيلي الإماراتي والموقف الأميركي منه، إهمال الإدارة الأميركية الجديدة لتسيير التفاهمات بين الدول العربية والاحتلال، لضمان البناء على ما تم تحقيقه في نهاية عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، من إعلان تطبيع العلاقات، والتأكيد على وفاء واشنطن بوعودها لدعم العواصم التي وافقت على اتخاذ هذه الخطوة. وفي الوقت نفسه استمرار عمل دوائر مختلفة في الأوساط المؤيدة لدولة الاحتلال داخل الوزارات الأميركية المعنية، لضمان استفادة الدول المحيطة بفلسطين من تدفقات مالية من دول خليجية وتسهيلات ومساعدات أميركية، مقابل إحداث تطور في مقاربة دول المحيط للقضية الفلسطينية. فضلاً عن أن تطبيع العلاقات، مع الإمارات تحديداً، جعل حكومة بنيامين نتنياهو تسعى لتكريس تصوراتها لتراجع أهمية ترضية ودعم دول المحيط، طالما توافر لممارساتها الاستيطانية الغطاء السياسي الكافي من واشنطن، أو دول الخليج المطبعة حديثاً، والتي بدورها لم يعد هناك ما يحتم عليها تمويل الشق الاقتصادي من الخطة الأميركية بعد التطبيع، وبناء علاقات مباشرة مع دولة الاحتلال، وفق بعض الرؤى في قصورها وكذلك في واشنطن.
وأوضحت المصادر المصرية أن هذه الاعتبارات ارتبطت أيضاً بالخلاف حول غياب الشق الاقتصادي من جهود التطبيع الإقليمية، ومحاولة دولة الاحتلال ودول خليجية الالتفاف عليه، وعدم التزام حكومة نتنياهو ببعض الإجراءات التي كانت قد وعدت بها القاهرة وعمّان على سبيل التهدئة والتوطئة لـ"صفقة القرن" (الخطة الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية) بشكلها القديم، ما أدى إلى ممانعة مصر في اتخاذ خطوات أكبر نحو التطبيع الشعبي، أسوة بالإمارات.
ورغم تسليم السيسي بضرورة التنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي، استراتيجياً وعسكرياً وأمنياً، وضرورة توسيع رقعة التعامل معه في المجال العربي، إلا أنه كان يرى من البداية بعض الإشكاليات في الخطة، مثل ضبابية رؤية واشنطن للواجبات التي يمكن لمصر القيام بها، وعدم معقولية عدد من المشاريع الاقتصادية والمساعدات التي تتضمن الخطة دعم النظام المصري بها، حتى مع استبعاد مسألة التوطين وتبادل الأراضي، وكذلك عدم وضوح التزامات التمويل، إذ كان يرى أن الأولوية لإنجاح الخطة يجب أن تكون لتقديم إسرائيل خطوات ملموسة لتحسين علاقتها بمحيطها العربي، ويكون ذلك في شكل مساعدات لوجيستية واقتصادية وفنية، يمكن للإدارة الإسرائيلية أن تروج بها لفكرة المصالحة الشاملة التي يعتبر السيسي أنها ضرورية للغاية. كل هذه الخلفيات أدت إلى رغبة مصر في التعبير عن تمايز موقفها، وضرورة الاعتداد بها كرقم صعب في المعادلة الإقليمية خلال الأزمة الحالية، وللتأكيد على أن دورها لا يمكن استبداله بدول أخرى، خاصة الإمارات، التي "لم تعد مؤهلة لممارسة دور وساطة مقبول من الطرفين بعد الاندفاع المبالغ فيه نحو دولة الاحتلال" بحسب المصادر المصرية ذاتها.

يبحث السيسي عن مسار يجبر الإدارة الأميركية الجديدة على رفع مستوى الاتصال مع القاهرة

لكن ثمة دافعاً آخر يؤثر على الموقف المصري الحالي، يتمثل في بحث السيسي عن مسار يجبر الإدارة الأميركية الجديدة على رفع مستوى الاتصال مع القاهرة، وعدم الاقتصار على معاملتها من خلال وزير الخارجية أو مبعوثيه، كما حدث في جميع الاتصالات السابقة منذ تولي جو بايدن الرئاسة، أخذاً في الاعتبار أن بايدن ونائبته كامالا هاريس لم يحادثا السيسي إطلاقاً، وهو ما يثير حنق الأخير، بالإضافة إلى خلفيات العلاقة غير المريحة بين الطرفين، منذ وجه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة وصريحة للسيسي، ووصفه بـ"ديكتاتور ترامب المفضل".
وترى الأجهزة المصرية أن الموقف الحالي، وإدخال القاهرة طرفاً أساسياً في مسألة فلسطين، من شأنه ضمان جدية التعامل الأميركي مع النظام المصري مستقبلاً، بالإضافة لدفع واشنطن إلى التفاهم معه بصورة مختلفة في القضايا محل الاهتمام المشترك، محلية وإقليمية، بما في ذلك قضية سد النهضة، وملفات الحقوق والحريات في مصر. وكان السيسي حاول مراراً إقناع الإدارة الأميركية السابقة بصعوبة تكليف مصر بإدارة الملف الأمني في غزة والسيطرة على حركة "حماس" وتحجيم قوتها العسكرية، والتي سبق للسيسي محاولة إنجازها في صورة "المصالحة الفلسطينية"، ثم شهدت انتكاسة كبرى عام 2019، وأن تسعى واشنطن لتأمين ودعم التحركات المصرية بمزيد من المساعدات المالية للقاهرة وغزة على السواء.
أما المشكلة الأخرى التي ثارت بهذا الخصوص، فتتعلق بطبيعة المشاريع التي تدخل ضمن "الحزمة التحفيزية لإنجاز الخطة"، إذ أبلغ السيسي إدارة ترامب منذ عام ونصف العام تقريباً بضرورة مراعاة حساسية وضع الجيش المصري في سيناء، واستثناء بعض المناطق من احتمالية ضمها لتلك المشاريع، فضلاً عن اعتباره بعض المقترحات الخاصة بالتمويل والقروض "تفتقد للموضوعية والسرعة المطلوبة"، وعدم ربطها بشكل مباشر بضرورة دعم جهود مصر في تنمية سيناء، مالياً، كمرحلة أولى، قبل التطرق لمثل هذه المشاريع طويلة الأمد.

المساهمون