"الموساد" بدأ تعقب فخري زادة منذ 1993

05 ديسمبر 2020
الصورة
كانت إيران مقتنعة بأن فخري زادة مستهدف (عطا كيناري/فرانس برس)
+ الخط -

أفردت صحيفة "يديعوت أحرونوت" في ملحقها الأسبوعي، أمس الجمعة، على نحو متوقع في الصحافة الإسرائيلية، أربع صفحات كاملة لملف اغتيال العالم النووي الإيراني محسن فخري زادة، الذي اغتيل قبل أسبوع قرب العاصمة الإيرانية طهران. ولم يخل الملف الموسع لـ"يديعوت" من الإشارات التقليدية لدور "الموساد" في اغتيال العالم المذكور، ولو من خلال الإشارة إلى أنه كان على قائمة أهداف "الموساد"، وتمّ تصنيف "ملفه الخاص" ضمن ملفات الأهداف التي ينبغي "التعامل معها سلباً"، وهي إشارة بلغة "الموساد" لمن تمّ وضعهم على قائمة الاغتيالات، بحسب التقرير.

إيهود أولمرت كان أول من طرح اسم فخري زادة في لقاء مع جورج بوش الابن

وكشف التقرير الذي وضعه الخبير في الاستخبارات الإسرائيلية وعملياتها السرّية، الصحافي رونين بيرغمان، الذي يعمل أيضاً مع صحيفتي "نيويورك تايمز" الأميركية و"دير شبيغل" الألمانية، أن أول من وضع اسم محسن فخري زادة تحت المراقبة الإسرائيلية، كان رئيس "الموساد" الحالي يوسي كوهين، عندما كان مجند عملاء مبتدئاً في الجهاز، تحت اسم "كالان" في عام 1993. ووفقاً لرواية "يديعوت أحرونوت"، فقد تمكّن كوهين في ذلك الوقت من تجنيد عميل إيراني، جلب لإسرائيل رسومات ومخططات بدايات المشروع النووي الإيراني مع العالم الباكستاني الأصل عبد القادر خان. ولاحظ يوسي كوهين تكرار اسم عالم فيزياء إيراني شاب، في الوثائق التي بدأت تتدفق على إسرائيل.

 

ومع توالي التقارير، تبين أن الاسم الكامل للعالم الشاب هو محسن فخري زادة مهابادي، وأنه من مواليد عام 1961، وهو أستاذ لمادة الفيزياء في جامعة الإمام حسين في طهران تلقى محاضراته إقبالاً كبيراً من الطلبة الإيرانيين. أدت هذه المعلومات إلى فتح "ملف خاص" بالعالم الشاب، وتبين من عملية جمع المعلومات أنه كان قد انضم للحرس الثوري الإيراني مع إنشائه تقريباً، وعمل بداية ضابطاً علمياً. وتم لاحقاً بعد نقل النشاط الإيراني إلى مفاعل نطنز، وتشكيل المشروع الإيراني تحت مسمى "أماد" (AMAD) تعيين محسن فخري زادة على رأس المشروع.
ويدل التقرير على أن تحركات محسن زادة كانت غير بعيدة عن وكلاء "الموساد"، بما في ذلك زياراته إلى المنشآت الإيرانية المتعلقة بالمشروع النووي مثل موقع "فريتسين". كما أن الوثائق التي سرقها "الموساد" من إيران، وعرضها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في عام 2018، أكدت بحسب التقرير، الدور المحوري والمركزي للعالم فخري زادة في المشروع النووي الإيراني، لا سيما الوثائق الموقعة من قبله، أو تلك المكتوبة بخطّ يده، والتي لم يكن يتم رفعها على نسخة مطبوعة للحفظ في الكمبيوتر، خوفاً من تسربها أو اختراق منظومات الحوسبة الإيرانية والوصول إليها.

وفي سياق تتبّع حركات فخري زادة، فإن "الموساد" تابع وراقب روتين تحركات زادة، من جهة، ومسار سفره وتحديد نقاط محددة مريحة لتنفيذ عملية الاغتيال بشكل سهل ومريح نسبياً. وأشار التقرير إلى أن السلطات الإيرانية كانت وضعت دوائر حراسة وتكتم شديد على فخري زادة، وأحاطت نشاطه بسرّية تامة، لاقتناعها باستهدافه من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. ومع أن التقرير لم يشر إلى خطة محددة وعينية لاستهداف العالم النووي، إلا أنه لفت إلى أن ملفه كان على طاولة الاستهداف مع المراقبة التامة بشكل دائم.
إلى ذلك، أشار التقرير إلى أن رئيس حكومة الاحتلال السابق إيهود أولمرت، كان أول من طرح اسم فخري زادة في لقاء خاص مع الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، عام 2008، محاولاً إقناعه بتزويد إسرائيل بأسلحة دقيقة ومتطورة (طائرات مقاتلة وقنابل خارقة للملاجئ المحصنة) تحتاجها لغرض قصف أهداف إيرانية، وعلى رأسها مقار ومواقع تشك إسرائيل بأنها تُستخدم حاضنة للمشروع النووي الإيراني. ووفقاً لـ"يديعوت"، فقد كان بوش الابن معارضاً للفكرة، لكن أولمرت أبرز جهاز تسجيل ليُسمعه صوت فخري زادة وهو يتحدث عن تطوير سلاح نووي لإيران، متذمراً من عدم حصوله على الميزانيات الكافية لتطوير المشروع، بالقول "هم يطالبون من جهة ببناء خمس قنابل، ومن جهة ثانية لا يتيحون لي العمل".

أكدت الوثائق التي سرقها الموساد الدور المحوري لفخري زادة في المشروع النووي الإيراني

ومع تقدير أولمرت في تلك الجلسة أن بوش الابن لن يبيع إسرائيل السلاح المطلوب، طلب منه التزاماً بتعاون استخباري كامل بين إسرائيل والولايات المتحدة من دون أي أسرار، وبأن تعرض إسرائيل وتنقل للولايات المتحدة كل معلومة تصلها. وشكلت هذه الموافقة نقطة تحوّل في ضمان التعاون التام في المجال الاستخباري عن المشروع النووي الإيراني، بين الولايات المتحدة وبين إسرائيل. وبعد ذلك بعامين، انطلق مشروع حرب السايبر المشترك الإسرائيلي - الأميركي ضد المشروع الإيراني. وبين عامي 2010 و2013، استهدفت إسرائيل أيضاً أربعة من علماء الذرة الإيرانيين الذين تم اغتيالهم. وكما أقرّ أولمرت لـ"الموساد" الذي وضع خطط اغتيال لمجموعة علماء إيرانيين، تم اعتبارها "مجموعة السلاح" للمشروع النووي، أقر أيضاً بوضع مخطط لاستهداف فخري زادة، لكن العملية لم تخرج إلى حيّز التنفيذ، ليس بسبب المعارضة التي أيدها قسم الاستخبارات العسكرية في الجيش، ولكن بحسب التقرير هناك عدة روايات لعدم التنفيذ، الأولى تقول إن الإيرانيين عرفوا بأمر العملية وبالتالي سينصبون كميناً لوحدة الاغتيال، والثانية أن أولمرت أصدر أمراً لرئيس "الموساد" آنذاك مئير داغان بإلغاء العملية.
وبحسب التقرير، فقد عاد خيار اغتيال فخري زادة من جديد بعد عام 2008، عندما اتضح أنه كان وراء إقامة منشآت "فوردو" لتخصيب اليورانيوم. لكن "الموساد" كان هذه المرة من حذر من مغبة تنفيذ عمليات الاغتيال، في عام 2013 بسبب إطلاق المفاوضات بين إدارة باراك أوباما وإيران، والتي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015. بعد ذلك، أمر فخري زادة بجمع كل الوثائق المتعلقة بالمشروع النووي الإيراني وتخزينها في حاويات محصنة تمّ نقلها إلى أحد المخازن السرّية خارج إيران، وهي ما عرف بالأرشيف النووي الإيراني، الذي قام "الموساد" في عام 2018 بسرقته وقام نتنياهو باستعراض الملفات التي تم وضع اليد عليها وعرض قسماً منها، مشيراً في سياق ذلك إلى اسم العالم فخري زادة، قائلاً "تذكروا هذا الاسم".

المساهمون