16 يناير 2021
+ الخط -

لم يسبق أن نفذت القوات المسلحة الإيرانية هذا العدد الكبير من المناورات المتنوعة باستخدام مختلف الأسلحة في فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز أسبوعين.

واللافت أن إيران لم تقدم على خطوة مماثلة حتى خلال السنوات الأربع الأخيرة، التي كاد أن ينفجر الوضع فيها بين طهران وواشنطن في لحظات معينة لتقع مواجهة عسكرية بين الطرفين، وخاصة بعد إسقاط القوات الجوية الإيرانية طائرة مسيرة أميركية عملاقة من طراز "غلوبال هوك" خلال يونيو/ حزيران 2019، و بعد اغتيال أبرز الجنرالات العسكريين الإيرانيين، قائد "فيلق القدس" بالحرس الثوري، قاسم سليماني، مطلع عام 2020 في غارة أميركية ببغداد.  

لكن فيما لم تبق إلا أيام معدودة من ولاية الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المثير للجدل الذي أدخل الصراع مع إيران إلى مرحلة غير مسبوقة، تكثف القوات المسلحة الإيرانية مناوراتها التي باتت "يومية"، لتنفذ في غضون أسبوعين، خمس مناورات، مع الإشارة إلى القيام بالمزيد منها خلال الأيام المقبلة، كما جاء اليوم السبت، على لسان رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، الجنرال محمد باقري. 

وتشي تصريحات باقري وتأكيده على استمرار المناورات خلال "الأيام الخمسة المقبلة"، أي حتى الأربعاء المقبل، عندما يغادر ترامب البيت الأبيض، بأن المنارات الإيرانية المكثفة مرتبطة بالدرجة الأولى بوجود مخاوف من احتمال لجوء الملياردير الجمهوري إلى "مغامرة" في أيامه الأخيرة بالسلطة، وذلك على خلفية ارتفاع التوتر إلى مستويات عالية بعد تحشيد عسكري للولايات المتحدة واستقدامها معدات حربية استراتيجية مثل الغواصة النووية وقاذفات B52، مما تزايدت المخاوف من احتمال اتخاذه قرارا بشن حرب على إيران، وتوريط جو بايدن بذلك مع بداية ولايته الرئاسية. 

غير أن قرار شن حرب على إيران، لا يمكن لترامب اتخاذه وحده من دون مراجعة الكونغرس والحصول على موافقته، وبالذات في هذه الفترة الانتقالية "الاستثنائية" التي تعيشها الولايات المتحد الأميركية، وهو أمر غير وارد "مطلقا"، كما يقول العسكري الإيراني السابق في الحرس الثوري، حسين كنعاني مقدم، لـ"العربي الجديد". 

الصورة

لكن حساسية الوضع الداخلي الأميركي، التي يمكن أن تشكل مانعا حقيقيا لإصدار ترامب أمرا بمهاجمة إيران، لا تطمئن الأخيرة، لأنها رغم ذلك على قناعة بأن احتمال الحرب يبقى قائما خلال الأيام القليلة المقبلة "في حالة واحدة"، حسب كنعاني مقدم، وهي "من خلال تدبير حادث مثل حادث 11 سبتمبر في المنطقة ويتذرع به للدفاع عن القوات المسلحة الأميركية لإصدار أمر بالحرب". 

وأضاف كنعاني مقدم أنه "بالنظر إلى الأيام القليلة المتبقية لولاية السيد ترامب فاحتمال شن الحرب في هذه الحالة ضعيف، لكن لأن ترامب يعتبر أن أي مغامرة في المنطقة ورقة رابحة له، فهذا الاحتمال يبقى قائما".

وربط إجراء بلاده هذا العدد من المناورات بـ"تهديدات وتصرفات عدائية والتحشيد العسكري للعدو ضد الجمهورية الإسلامية"، قائلا إن رسالتها أن "الجمهورية الإسلامية في المواجهة تمتلك القدرة الدفاعية للرد على أي تهديد أو عمل عدائي".

وبين المناورات العسكرية الإيرانية الأخيرة، تبقى مناورات "الرسول الأعظم" الخامسة عشرة، وسط البلاد، الجمعة والسبت، أكثر أهمية، أولا لجهة الأسلحة التي استعرضها الحرس الثوري الإيراني في هذه المناورات، حيث عرض جيلا جديدا من الصواريخ البالستية، وثانيا لنوعية وطبيعة التدريبات التي أجرتها القوات الإيرانية في هذه المناورات، حيث أجرت تمرينات على تدمير سفن وفرقاطات ومدمرات في مياه المنطقة، في تلميح إيراني لامتلاكها قدرات عملية لتنفيذ تهديداتها السابقة بـ"تدمير" المدمرات الأميركية الموجودة في الخليج إن تعرضت لحرب.  

الصورة

وفي السياق، كان حديث رئيس الأركان الإيرانية، واضحا، حيث اعتبر أن إطلاق صواريخ بالستية من مسافة 1800 كيلو متر لتدمير أهداف بحرية في مياه المنطقة "عملية ذات مغزى". 

كما تحدث العسكري السابق في الحرس الثوري الإيراني لـ"العربي الجديد" عن أهمية هذه المناورات، مشيرا إلى اختبار أسلحة جديدة واستعراضها فيها. وقال كنعاني مقدم إنها كانت "فريدة وجديدة من نوعها وهي مناورات هيبريدية هجينة"، موضحا أنها "مركبة من القدرات الدفاعية في مواجهة الدرع الدفاعي للعدو ومنظومته الصاروخية في مواجهة هجماتنا الصاروخية، حيث تمكنت طائراتنا المسيرة من اختراق عمق العدو المفترض ومن خلال إرسالها معلومات، نجحت صواريخنا البالستية والكروز الدقيقة في إصابة الأهداف من خلال النيران المكثفة لإعطاب درع الأعداء الدفاعي".

وأكد أن طبيعة هذه مناورات بعثت "رسالة محددة" لواشنطن أنه في حال تعرض إيران لأي اعتداء "سيتم تدمير قواعدها العسكرية بالطريقة التي أظهرتها هذه المناورات".  

لكن إيران التي لم تجد الفرصة سانحة خلال العام الأخير لتنفيذ "الانتقام الصعب" لاغتيال سليماني من إدارة ترامب، خشية أن يؤدي إلى اشتعال مواجهة شاملة، لا ترغب فيها، مرجعة الانتقام إلى "الزمن والمكان المناسبين"، يبدو أنها تقصد من خلال هذه المناورات إرسال رسالة سياسية معينة لترامب، فحواها "التأكيد على فشل استراتيجية الضغط الأقصى في تحقيق أهدافها"، حسب قول أستاذ الدراسات الإسرائيلية والفلسطينية بجامعة طهران، هادي برهاني لـ"العربي الجديد".

وأضاف برهاني أن "اختبار الصواريخ المتطورة وإرسال الصورة للعالم يوصل هذه الرسالة بأن الضغط الأقصى لإدارة ترامب الساعية إلى وقف تطوير البرنامج الصاروخي الإيراني قد فشل".

وفي إشارة إلى الخطوات النووية الإيرانية الأخيرة، مثل رفع نسبة تخصيب اليوارنيوم إلى 20 في المائة، واستعراض صواريخ بالستية إيرانية جديدة في المناورات الأخيرة، اعتبرها "مؤشرات على أن استراتيجية ترامب لم تثن إيران، بل هي اليوم تطور برامجها النووية والصاروخية".

الصورة

لكن الاحتلال الإسرائيلي أيضا كان في وارد الحسابات الإيرانية في هذه المناورات، وفق أستاذ الدراسات الإسرائيلية والفلسطينية، الذي قال إنه "بالنظر إلى اغتيال العالم النووي الإيراني (محسن فخري زادة) وتصاعد الهجمات الجوية الإسرائيلية في سورية ضد مواقع إيرانية أو أصدقاء إيران فهذه المناورات وتصريحات القادة العسكريين الإيرانيين خلالها توجه رسالة واضحة للاحتلال الإسرائيلي"، مشيرا إلى إطلاق صواريخ بمدى 1800 كيلومتر في المناورات، ليقول إنها "تصل إلى إسرائيل وتحمل رسالة تهديد وتحذير لها أن إيران مستعدة للدفاع وأنها تمتلك أسلحة لهذا الغرض". 

أما المناورات الإيرانية، فيبدو أنها تهدف أيضا إلى الاستثمار في التوقيت الزمني الراهن "كفرصة لاستعراض القوة"، بالنظر إلى الفترة الانتقالية في الولايات المتحدة كما يقول برهاني، "حيث ليست أميركا في ظرف لاتخاذ موقف مؤثر وعندما لا يمكن لها ذلك بطبيعة الحال على وقع ذلك، فالأوربيون أيضا لن يتخذوا موقفا جادا".  

واللافت كذلك أن الخطوات الإيرانية الأخيرة في البرنامجين النووي والصاروخي، تأتي قبل فترة وجيزة من حفل تنصيب بايدن واستلامه السلطة، ما يثير فرضية أنها أيضا بغض النظر عن رسائل تحملها للإدارة الأميركية الراهنة، توجه رسائل محددة لإدارة بايدن، إذ يقول كنعاني مقدم لـ"العربي الجديد" إن "الجمهورية الإسلامية تريد التأكيد من خلال هذه الخطوات أنها لن تقبل بأي شروط للعودة للاتفاق النووي"، في إشارة إلى دعوات أميركية وأوروبية لإخضاع البرنامج الصاروخي الإيراني للتفاوض.  

وأضاف كنعاني مقدم أن طهران "تؤكد لإدارة بايدن من خلال الخطوات النووية والصاروخية أنها ستتعامل من منطلق القوة وليس الضعف"، غير أن برهاني، يرى أن بلاده "تسعى إلى الكشف عن أوراقها النووية والصاروخية قبل مجيء بايدن"، مشيرا إلى أنها "قد لا ترغب إلى القيام بمغامرة مثل هذه بعد تولي بايدن السلطة بالنظر إلى موقفه من الاتفاق النووي". لكنه استدرك بالقول "اليوم هناك فرصة لذلك قبل مجيئه، وتصرفات ترامب التوتيرية شكلت أرضية مناسبة لإيران للقيام بهذه الخطوات في المجالين النووي والصاروخي بعيدا عن التحفظات الدولية".

 

المساهمون