- تعاني المفاوضات من ركود بسبب تعنت الاحتلال الإسرائيلي واستمراره في سياسة المماطلة والاغتيالات، رغم مرونة حماس واستعدادها للسير في المرحلتين بالتوازي، مما أدى إلى تعثر المفاوضات.
- يعود تعثر المفاوضات إلى اتساع فجوة الخلاف حول ترتيب تنفيذ بنود الاتفاق، حيث يسعى الاحتلال لفرض شروط تعجيزية، مما يزيد تعقيد المفاوضات ويقوض الثقة بأي تفاهمات محتملة.
منذ مارس/آذار الماضي، لم تتوقف اللقاءات بين حركة حماس والوسطاء من جهة، ومن جهة ثانية، المبعوث السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، إلى جانب المستشار الأميركي أرييه لاتيسون، لبحث الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. إلا أن هذه اللقاءات لم تسفر حتى اللحظة عن نتائج، مقارنة بما هو مأمول فلسطينياً، في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي سياسة القتل البطيء والاغتيالات التي تطاول قيادات وكوادر ميدانية في المقاومة الفلسطينية.
وتشهد الجولات الأخيرة مراوحة في المكان، إذ يشكل البندان رقم 5 ورقم 8 من الورقة التي قدمها ملادينوف معضلة أمام جسر الهوة، فيما توافقت الفصائل فيما بينها على البنود الـ13 الأخرى دون أي اعتراضات. وينص البند رقم 5 على أن تحافظ اللجنة الوطنية، عند توليها مسؤولياتها وكلما أمكن ذلك، على استمرارية الوظائف المدنية والإدارية الأساسية وسجلات الأحوال المدنية. وسيجرى التعامل مع جميع الموظفين العموميين بشكل قانوني وعادل وبكرامة وباحترام كامل لحقوقهم. ستكون اللجنة الوطنية مسؤولة فقط عن الأعباء المالية التي تنشأ اعتباراً من تاريخ توليها المسؤولية وما بعد ذلك. وتنص المادة الثامنة على أن تبدأ عملية تخزين وحصر/جمع السلاح عند استكمال كافة الالتزامات المتبقية بموجب بروتوكول شرم الشيخ ودخول اللجنة الوطنية ونشر قوة الاستقرار الدولية. وستضمن هذه العملية جميع الأسلحة الثقيلة ومستودعات السلاح والأسلحة المخزنة فيها والأنفاق ومواقع الإنتاج العسكري. وكشف مصدر في فصائل المقاومة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن جولة المباحثات الأخيرة أفضت إلى التوافق مع الوسطاء على صيغة نهائية للبندين الخامس والثامن، بعد إدخال تعديلات قانونية وفنية عليهما، لتصبح جميع بنود الاتفاق الخمسة عشر محل توافق مع الوسطاء.
وأوضح المصدر الذي فضل عدم الإفصاح عن هويته أن المناقشات المتعلقة بالبند الخامس ركزت على الجوانب القانونية الخاصة بالموظفين، إذ عُرضت الصيغة المعدلة على مختصين قانونيين قبل التوصل إلى صيغة توافقية حظيت بقبول جميع الأطراف المشاركة في الوساطة، مشيراً إلى أن الوسطاء أبدوا ارتياحاً لما تحقق من تقدم، وأن التفاهمات باتت جاهزة لعرضها على الجانب الإسرائيلي. وأضاف المصدر أن التعديلات الخاصة بالبند الثامن أكدت مضمون الاتفاق مع تضمين تفصيلات تتعلق بالسلاح الثقيل وآليات تنفيذ التفاهمات، إلى جانب النص على حل المليشيات المتعاونة مع الاحتلال بالتزامن مع تنفيذ الانسحاب وفق الصيغة المتوافق عليها.
تعطيل إسرائيلي
وحمل عضو المكتب السياسي لحركة حماس في الخارج عبد الجبار سعيد الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الأساسية عن حالة الركود التي تشهدها مفاوضات وقف إطلاق النار، مؤكداً أن الحركة أبدت "مرونة كبيرة" في معظم القضايا المطروحة، في مقابل استمرار الاحتلال في سياسة المماطلة. وأوضح سعيد لـ"العربي الجديد" أن حركة حماس كانت ترى، ومعها مختلف الأطراف، ضرورة استكمال ما تبقى من التزامات المرحلة الأولى قبل الانتقال إلى مفاوضات المرحلة الثانية، إلا أنها وافقت لاحقاً على السير في المرحلتين بالتوازي، "وأبدت مرونة في هذا الاتجاه، على أن يلتزم الاحتلال بتنفيذ ما هو مطلوب منه، لكن ذلك لم يحدث أيضاً".
عبد الجبار سعيد: حماس أبدت مرونة كبيرة في معظم القضايا المطروحة، في مقابل استمرار الاحتلال في سياسة المماطلة
ورفض سعيد القول إن المفاوضات تحولت إلى حلقة مفرغة، مشيراً إلى أن هناك عدداً من الملفات التي جرى التوصل فيها إلى "شيء من التوافق" مع الوسطاء، من بينها دخول اللجنة الإدارية، وآليات إدخال المساعدات، وفتح المعابر، وإخراج الجرحى، وحركة الأفراد في الاتجاهين، إلى جانب القضايا المتعلقة بإدارة قطاع غزة وكذلك ملف السلاح من حيث "حصره وحفظه وتخزينه". وأوضح أن هذه التفاهمات كانت تتم مع الوسطاء، وليس مع الاحتلال، قائلاً: "نتوافق مع الوسطاء ونقدم لهم التصورات فيقبلونها، ثم ينقلونها إلى الطرف الآخر، لكن الاحتلال يعيد الأمور في كل مرة إلى المربع الأول، لأنه يريد منا أن نرفع الراية البيضاء، ونعلن الاستسلام، ونسلم السلاح، وهذا أمر لا يقبل به أحد".
وأضاف أن حركة حماس قدمت أكثر من تصور بشأن ملف السلاح، وربطت هذا الملف بالأفق السياسي للدولة الفلسطينية، مشيراً إلى أن الوسطاء كانوا يعتبرون هذه الطروحات مناسبة، "لكن الردود التي تعود من الاحتلال تعيدنا دائماً إلى نقطة الصفر". وأكد سعيد أن ذلك لا يعني فشل المفاوضات أو انتهاء فرص التوصل إلى اتفاق، موضحاً أن ما تحقق من تفاهمات يمكن البناء عليه، وأن القضايا المتبقية قد تشهد تقدماً خلال الفترة المقبلة إذا توفرت الظروف المناسبة. وشدد على أن الوصول إلى اتفاق يبقى مرتبطاً بموافقة الاحتلال، وبأن تمارس الولايات المتحدة ضغوطاً حقيقية عليه، معتبراً أن انشغال الإدارة الأميركية بالحرب في المنطقة صرف جزءاً من الاهتمام عن ملف غزة والمفاوضات.
وسجل قطاع غزة منذ الوصول إلى اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 استشهاد أكثر من 1144 فلسطينياً وإصابة نحو 3616 فلسطينياً وفقاً لبيانات وزارة الصحة في غزة، إلى جانب تآكل مساحة القطاع من 48% عند توقيع الاتفاق إلى نحو مساحة تتراوح ما بين 30% إلى 35% بعد تقديم الاحتلال الخط الأصفر.
من جانبه، حمّل المتحدث باسم حركة الجهاد الإسلامي محمد الحاج موسى الحكومة الإسرائيلية مسؤولية تعثر مفاوضات وقف إطلاق النار، معتبراً أن حالة الركود الحالية تعود إلى "إصرار (رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين) نتنياهو على فرض شروط تعجيزية ومستجدة بهدف تقويض فرص التوصل إلى اتفاق". وقال الحاج موسى، لـ"العربي الجديد"، إن "هذا التعنت يتقاطع مع الدور الذي تؤديه الإدارة الأميركية، التي تتبنى عملياً شروط بنيامين نتنياهو، وتسعى إلى الالتفاف على محددات المرحلة الأولى من الاتفاق عبر طرح مشاريع أمنية، وربط الملف الإنساني وإعادة الإعمار بقضية سلاح المقاومة، بما يمنح الاحتلال غطاءً سياسياً للتنصل من التزاماته.
وأكد أن الاحتلال "هو الطرف الأول الذي يتحمل المسؤولية الكاملة والمباشرة عن حالة الجمود"، موضحاً أنه "في الوقت الذي قدمت فيه قوى المقاومة كل التسهيلات والمقترحات اللازمة لإنجاح الاتفاق، يواصل الاحتلال حرب الإبادة، وتشديد الحصار، والتهرب من الاستحقاقات السياسية والإنسانية، سعياً إلى فرض وقائع ميدانية جديدة". وشدد على أن الاحتلال، "بالتنسيق مع الإدارة الأميركية، يعمل على تحويل مسار المفاوضات إلى حلقة مفرغة، بهدف امتصاص الضغوط الدولية والالتفاف على الموقف الفلسطيني الموحد"، مشيراً إلى أن ذلك "يتجسد في محاولات فرض مخططات أمنية بديلة، ومنع لجنة إدارة قطاع غزة التوافقية من مباشرة مهامها المدنية والإغاثية، وتعطيل أي جهد فلسطيني وطني لإدارة شؤون القطاع وإعادة الإعمار".
اتساع فجوة الخلاف بشأن بنود اتفاق غزة
إلى ذلك، رأى الكاتب والمحلل السياسي وسام عفيفة أن تعثر مفاوضات وقف إطلاق النار يعود إلى اتساع فجوة الخلاف بين الطرفين حول ترتيب تنفيذ بنود الاتفاق أكثر من الخلاف على مضمونها. وأوضح أن الاحتلال يسعى إلى حصر المفاوضات في ملفي سلاح المقاومة وترتيبات "اليوم التالي" وفق شروطه، مع الاحتفاظ بسيطرته العسكرية الواسعة على قطاع غزة، في حين تتمسك حركة حماس والفصائل الفلسطينية بتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى أولاً.
وسام عفيفة: الاحتلال يسعى إلى حصر المفاوضات في ملفي سلاح المقاومة وترتيبات "اليوم التالي" وفق شروطه، مع الاحتفاظ بسيطرته العسكرية الواسعة على قطاع غزة
وقال عفيفة، لـ"العربي الجديد"، إن المفاوضات "تحولت إلى صراع على ترتيب الخطوات، لا على مضمونها فقط"، مشيراً إلى أن الاحتلال بات ينقلها إلى الوقائع التي يفرضها ميدانياً بعدما وسع سيطرته إلى نحو 70% من مساحة قطاع غزة، في وقت لم تُنفذ فيه الترتيبات السياسية والإدارية المفترضة للمرحلة التالية. وأضاف أن المفاوضات لم تعد تقتصر على تنفيذ الاتفاق، بل أصبحت تشمل أيضاً معالجة الانتهاكات المتكررة لوقف إطلاق النار، في ظل عراقيل سياسية وميدانية وتنفيذية تتمثل في الخلاف على نطاق الانسحاب الإسرائيلي وجدوله وما إذا كان سيكون كاملاً أم سيعيد إنتاج الاحتلال تحت مسميات أمنية ومناطق عازلة، إضافة إلى توقيت بحث ملف سلاح المقاومة، وما إذا كان يسبق الانسحاب أم يأتي ضمن تسوية سياسية وأمنية شاملة.
وأشار عفيفة إلى أن حركة حماس أبلغت الوسطاء في وقت سابق رفضها مناقشة ملف السلاح في غزة قبل الحصول على ضمانات بانسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، ما يجعل الترتيب والضمانات جوهر الخلاف الحالي، لافتاً إلى أن التصعيد العسكري بات يشكل مساراً موازياً للمفاوضات، إذ يواصل الاحتلال توسيع عملياته العسكرية وترسيخ سيطرته الميدانية، بما يقوض الثقة في كل جولة تفاوضية، ويجعل أي انسحاب لاحق أكثر تعقيداً مع ارتفاع سقف المطالب الإسرائيلية بشأن إعادة الانتشار.
واعتبر أن إسرائيل تتعامل مع المفاوضات باعتبارها أداة لإدارة الصراع واستنزاف الفلسطينيين دون التعرض لضغوط دولية حقيقية، إذ تتواصل العمليات العسكرية تحت عنوان "وقف إطلاق النار"، بينما يقتصر الموقف الدولي على تسجيل خروق للاتفاق، في وقت تستمر فيه الحرب فعلياً بوتيرة أقل.
قضايا عالقة
إلى ذلك، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي مصطفى إبراهيم أن مفاوضات وقف إطلاق النار لا تزال تراوح مكانها في ظل تمسك الاحتلال، بدعم أميركي، بشروطه المتعلقة بنزع سلاح المقاومة وإبعاد حركة حماس عن المشهد السياسي والإداري في قطاع غزة، رغم الحديث المتكرر عن إحراز تقدم في بعض الملفات. وقال إبراهيم، لـ"العربي الجديد"، إن بعض البنود شهدت نقاشات إيجابية، إلا أن القضايا الجوهرية لا تزال عالقة، ولم يطرأ أي تحول حقيقي يمكن أن يقود إلى اتفاق، ما يجعل الحديث عن اختراق قريب سابقاً لأوانه. وأوضح أن الاحتلال يواصل، بالتوازي مع مسار التفاوض، فرض وقائع ميدانية جديدة عبر توسيع عملياته العسكرية وزيادة مساحة سيطرته داخل القطاع، إلى جانب استمرار عمليات القتل والاستهداف، وهو ما يزيد تعقيد المفاوضات ويقوض الثقة بأي تفاهمات محتملة.
مصطفى إبراهيم: الاحتلال يواصل، بالتوازي مع مسار التفاوض، فرض وقائع ميدانية جديدة في القطاع
وأضاف إبراهيم أن هذه السياسة تعكس سعي حكومة الاحتلال إلى تحسين شروطها التفاوضية من خلال الضغط العسكري، وربط أي تقدم سياسي بفرض معادلات جديدة على الأرض، مشيراً إلى أن الاحتلال لم يلتزم حتى الآن باستحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار. ولفت إلى أن ما يدخل إلى قطاع غزة لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات، في ظل استمرار الأزمة الإنسانية وانعدام القدرة الشرائية لدى غالبية السكان، مبيناً أن إجمالي ما يدخل في الفترة الأخيرة لا يتجاوز 30% فقط. ورأى أن الضغوط التي يمارسها الوسطاء والإدارة الأميركية تتركز بصورة أساسية على حركة حماس والفصائل الفلسطينية، بينما لا تمارس أي ضغوط فعلية على الاحتلال لإلزامه بتنفيذ تعهداته، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة ما زالت توفر غطاء سياسياً لحكومة نتنياهو، وتمنحها هامشاً واسعاً لمواصلة العمليات العسكرية وفرض وقائع جديدة على الأرض.