المغرب: دلالات إنشاء "أفريكوم" مركز تدريب عسكري في طانطان

15 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 19:33 (توقيت القدس)
من مناورات بين المغرب والولايات المتحدة في طانطان، 8 مايو 2026 (Getty)

دخل التعاون العسكري بين المغرب والولايات المتحدة مرحلة متقدمة عنوانها الانتقال من المناورات والتدريبات المشتركة إلى الجمع بين التدريب والتجريب واختبار التقنيات الدفاعية الحديثة، في ظل سياق إقليمي ودولي يعرف تحولات متسارعة في طبيعة التحديات الأمنية.

وفي خطوة تعكس اتساع مجالات الشراكة الدفاعية بين الرباط وواشنطن، كان لافتاً كشف السفارة الأميركية في المغرب، أمس الجمعة، عن خطوة جديدة في مسار التعاون الدفاعي بين البلدين، تتعلق بإنشاء مركز للتدريب والتجريب متعدد المجالات في مدينة طانطان بمنطقة الصحراء، في إطار شراكة تجمع القوات المسلحة الملكية المغربية والقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا "أفريكوم".

ووفق ما أوردته السفارة الأميركية عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، فإن مركز التدريب والتجريب متعدد المجالات سيمكّن من رفع الجاهزية وتطوير التدريب العسكري المشترك، وتطوير حلول مبتكرة في مجال التقنيات الدفاعية، بالإضافة إلى توسيع التعاون بين الولايات المتحدة والمغرب والشركاء الأفارقة. ويتضمن المركز، بحسب السفارة، منطقة للتدريب متعدد المجالات، إلى جانب أكاديمية متخصصة للطائرات المسيرة، ومركز للابتكار لتطوير واختبار التقنيات الدفاعية والحلول القابلة للتوسع.

ويُنتظر أن يكتمل مركز التدريب والتجريب متعدد المجالات بحلول سنة 2030، ليصبح منصة إقليمية للتدريب والابتكار تساهم في بناء القدرات وتعزيز التعاون الدفاعي بين الرباط وواشنطن. ويفتح إحداث المركز باب الأسئلة حول دلالات هذه الخطوة، لا سيما في ظل ما تعيشه المنطقة من تطورات.

ويُعدّ المغرب حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة من خارج حلف شمال الأطلسي (ناتو)، حيث تصف واشنطن تعاونها الأمني مع الرباط بأنه استراتيجي وقوي. وخلال السنوات الماضية، راكم الجانبان تجارب متعددة، من بينها المناورات والتدريبات المشتركة، على رأسها تمرين "الأسد الأفريقي"، فيما توسعت الشراكة لتشمل مجالات التكوين الأكاديمي والابتكار والتجريب التكنولوجي بعد التوقيع، في إبريل/ نيسان الماضي، في مقر وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) على خريطة طريق جديدة تؤطر التعاون الدفاعي بين الطرفين للعقد القادم.

ما أهمية المركز؟

وفق الباحث في الشؤون الأمنية إحسان الحافيظي، فإن إنشاء المركز يعكس التعاون العسكري المتقدم بين البلدين، الذي يتخذ أشكالاً تشمل التنسيق الاستخباري والأمني وصفقات التسليح والتدريب، علاوة على برامج التكوين التي تشمل البعثات العسكرية المغربية لدى القوات الأميركية، معتبراً، في حديث مع "العربي الجديد"، أن المركز يشكل منصة إقليمية لتجويد التكوين والتأهيل الذي تستفيد منه المؤسسات العسكرية الأفريقية، خاصة أن قواتها تنخرط تدريجياً خلال السنوات الأخيرة في برامج تدريبات "الأسد الأفريقي". كما قال الحافيظي إن "وضع هذا المركز تحت اشراف القيادة الأميركية (أفريكوم) يعجل في نقل الخبرات إلى القارة وجعلها أكثر قدرة على مواجهة التحديات الأمنية والتهديدات الناشئة".

في المقابل، يلفت الباحث المغربي إلى أن المركز يحدث تداعيات إقليمية جيوستراتيجية بالنظر إلى ما يقول إنها مخاوف لدى بعض دول الجوار، ومنها "الجزائر التي ترتبط بالعقيدة العسكرية الروسية، أو إسبانيا التي ترتبط بعقيدة الدفاع المشترك (حلف ناتو)"، من الدور المحوري الذي ستلعبه هذه البنية في تطوير الخبرات العسكرية الميدانية واكتساب تكنولوجيا عسكرية متطورة، على حد قوله.

ما دلالة إنشاء المركز في طانطان؟

من جهته، يعتبر الخبير في الدراسات الجيو-استراتيجية والأمنية الشرقاوي الروداني أن "إنشاء المركز تنبغي قراءته ضمن مسار أوسع تعرفه الشراكة الاستراتيجية، خاصةً العسكرية، حيث يتزامن مع خريطة طريق التعاون في مجال الدفاع 2026-2036، التي تمنح العلاقة العسكرية بين البلدين أفقاً زمنياً لعشر سنوات، وتضع التدريب، وقابلية التشغيل البيني، وتحديث القدرات، والتكنولوجيا والصناعة الدفاعية، ضمن المجالات التي ستحدد طبيعة هذه الشراكة".

ويرى الروداني، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن اختيار منطقة طانطان له دلالة عملياتية واضحة، فالمنطقة راكمت خبرة مهمة من خلال مناورات "الأسد الأفريقي"، وأصبحت مجالاً مألوفاً للعمل المشترك بين القوات المسلحة الملكية والقوات الأميركية، معتبراً أن إنشاء المركز ينقل جزءاً من هذا التعاون من منطق المناورات الدورية إلى بناء قدرة مؤسساتية مستمرة.

ويذهب إلى أن المشروع يكتسب أهمية أكبر عند ربطه بالتحول الذي تعرفه البيئة الأمنية في الساحل وجنوب الصحراء، إذ تواجه المنطقة "انتشاراً للتنظيمات الإرهابية، واتساعاً للفراغات الأمنية، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وشبكات تهريب السلاح والمخدرات والبشر، إلى جانب بروز فاعلين مسلحين من خارج الدولة يمتلك بعضهم وسائل تكنولوجية وقدرات على الحركة والاتصال والاستهداف تسمح لهم بالتأثير في بيئات أمنية هشة بكلفة محدودة".

الروداني: المشروع يكتسب أهمية أكبر عند ربطه بالتحول الذي تعرفه البيئة الأمنية في الساحل وجنوب الصحراء

ويقول في هذا السياق: "تظهر أهمية قراءة مركز طانطان في ضوء التوجه الاستراتيجي الأميركي الذي يمكن استخلاصه من استراتيجية الأمن القومي NSS واستراتيجية الدفاع الوطني NDSK"، مردفاً أن واشنطن "تتجه نحو انتقائية أكبر في توزيع مواردها العسكرية، مع إعطاء الأولوية للدفاع عن المجال الأميركي وللتنافس الاستراتيجي مع قوى عظمى أخرى، ورفع مساهمة الحلفاء والشركاء في إدارة أمن أقاليمهم".

وبحسب الخبير المغربي، فإن للمشروع دلالة استراتيجية تكمن في كون واشنطن تعيد توزيع أدوارها الأمنية، وأن المغرب يراكم الأدوات التي تسمح له بأن يكون شريكاً منتجاً للأمن والجاهزية في محيطه الأفريقي، موضحاً أن خريطة الطريق 2026-2036 توفر الإطار، وطانطان توفر الأداة العملياتية، بينما تشكل تحولات الساحل وجنوب الصحراء البيئة الاستراتيجية التي تفسر الحاجة إلى هذا النوع من الشراكات.

ويقول في هذا السياق: "إضافة إلى دلالات المكان، لا يمكن فصل اختيار طانطان عن جغرافية المشروع. المدينة تقع ضمن جهة كلميم–واد نون، في المجال الشمالي للأقاليم الجنوبية، وعلى امتداد جغرافي مباشر نحو الصحراء المغربية والساحل الأطلسي الأفريقي، ووجود منشأة للتدريب والتجريب العسكري بشراكة بين القوات المسلحة الملكية والقيادة الأميركية في أفريقيا داخل هذا المجال يعطي للموقع دلالة استراتيجية تتجاوز الاعتبارات التقنية المرتبطة بالتدريب".

ويوضح المصدر نفسه أن واشنطن اعترفت سنة 2020 بالسيادة المغربية على كامل الصحراء، وهو موقف ترتبت عنه أيضاً مراجعة الخرائط الرسمية الأميركية بما يعكس هذا الاعتراف، معتبراً أن "اختيار طانطان اليوم لاحتضان مشروع عسكري ذي طبيعة دائمة ومتعددة المجالات يضع التعاون الدفاعي الأميركي مع المغرب داخل جغرافية أقاليمه الجنوبية، ويمنح الموقف السياسي الأميركي امتداداً أمنياً وعملياتياً".

وإجمالا، يرى الخبير أن "طانطان ليست اختياراً تقنياً لميدان تدريب، وأن اختيارها يربط بين ثلاثة مستويات في آن واحد: الشراكة الدفاعية المغربية-الأميركية، والتحولات الأمنية في الساحل، وترسيخ الأقاليم الجنوبية داخل الحسابات الاستراتيجية الأميركية في أفريقيا. وبالتالي، الاعتراف الأميركي بمغربية الصحراء ينتقل من الموقف السياسي إلى بناء المصالح الاستراتيجية والجيوستراتيجية المشتركة".