حادث المسيّرة يلغّم علاقات بولندا وأوكرانيا.. من التضامن للحسابات الصعبة

10 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 15:54 (توقيت القدس)
زيلينسكي ورئيس الوزراء البولندي خلال مؤتمر صحافي في كييف، فبراير 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- العلاقات البولندية الأوكرانية تتعقد بسبب حسابات سياسية وأمنية وتاريخية، حيث أظهرت استطلاعات الرأي معارضة غالبية البولنديين لانضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي وإرسال قوات بولندية إليها.
- النزاعات التاريخية، مثل مجازر فولينيا، تؤثر على العلاقات، حيث أن تكريم أوكرانيا لشخصيات قومية يعيد فتح جروح تاريخية، مما يقلل الدعم الشعبي رغم الرغبة في التعاون ضد روسيا.
- التحديات السياسية والاقتصادية، مثل كلفة الحرب ووجود اللاجئين، تُستغل من قبل اليمين القومي البولندي، مما يهدد بتقليص الدعم لأوكرانيا، رغم محاولات كييف لتعزيز الثقة.

بعد أن كانت بولندا واحدة من أكثر الدول الأوروبية حماساً في دعم أوكرانيا منذ الغزو الروسي الشامل في فبراير/شباط 2022، بدأت العلاقة بين البلدين تدخل مرحلة أكثر تعقيداً، تتراجع فيها مساحة التضامن غير المشروط لمصلحة حسابات سياسية وأمنية وتاريخية داخل المجتمع البولندي. وتكشف استطلاعات الرأي الأخيرة عن اتساع هذا التحول، في وقت تحتاج فيه كييف، أكثر من أي وقت مضى، إلى الحفاظ على جبهة أوروبية موحدة في مواجهة موسكو.

وأظهر استطلاع أجرته الشركة البولندية Opinia24 بين 13 و15 يوليو/تموز الماضي، ونشرته بوابة الأخبار البولندية RMF24 نهاية الشهر الماضي، أن 52% من البولنديين يعارضون انضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، مقابل 33% يؤيدونه. كما عارض 65% إرسال قوات بولندية إلى أوكرانيا للمشاركة في مهمة دولية لمراقبة وقف محتمل لإطلاق النار، مقابل 18% فقط أيدوا ذلك.

أما في ما يتعلّق بالدعم العسكري، فتبدو الصورة أكثر انقساماً، بحسب الاستطلاع ذاته، إذ قال 44% إن بولندا ينبغي أن توقف مساعداتها العسكرية لأوكرانيا بسبب الخلافات المرتبطة بتاريخ منظمة القوميين الأوكرانيين وجيش التمرد الأوكراني (OUN-UPA) ومجازر فولينيا، بينما رأى 41% ضرورة استمرار الدعم رغم هذه الخلافات.

ولا تقف التحولات عند السياسة الخارجية، بل تمتد إلى نظرة البولنديين إلى اللاجئين الأوكرانيين المقيمين في البلاد. فقد قال 36% في الاستطلاع، كما نشرت صحيفة برافدا الأوكرانية في 29 يوليو/تموز الماضي، إن موقفهم من الأوكرانيين أصبح أكثر سلبية منذ بداية الغزو الروسي، بينما قال 54% إن موقفهم لم يتغير، ولم يعلن سوى 3% تحسناً في نظرتهم إليهم.

فولينيا تعود إلى قلب السياسة

ويحتل النزاع التاريخي حول جرائم فولينيا وموقف أوكرانيا من إرث جيش التمرد الأوكراني، موقعاً مركزياً في هذا التحول. فقد أعادت قرارات أوكرانية مرتبطة بتكريم شخصيات أو وحدات عسكرية مرتبطة بإرث الحركة القومية الأوكرانية فتح جرح تاريخي عميق في بولندا، حيث تنظر قطاعات واسعة إلى مجازر 1943-1944 باعتبارها إبادة جماعية.
وتحولت القضية من خلاف بين المؤرخين إلى ورقة سياسية مباشرة. فقد أيد 55% من البولنديين قرار الرئيس كارول نافروتسكي سحب وسام "النسر الأبيض" من زيلينسكي، مقابل 27% عارضوا القرار، لكن المفارقة أن الاستطلاع نفسه أظهر أن ثلاثة أرباع البولنديين يريدون استمرار التعاون البولندي-الأوكراني في مواجهة روسيا، وذلك وفق ما نشرت وكالة باب الإخبارية البولندية في 23 يوليو/تموز الماضي.
يبدو أن شريحة متزايدة من البولنديين تريد الفصل بين دعم أمن بلادها في مواجهة موسكو وبين ما تعتبره تنازلات بولندية في الملفات التاريخية

وهذا التناقض مهم لفهم المشهد: فالتراجع في شعبية أوكرانيا لا يساوي بالضرورة تحولاً نحو روسيا. بل يبدو أن شريحة متزايدة من البولنديين تريد الفصل بين دعم أمن بلادها في مواجهة موسكو وبين ما تعتبره تنازلات بولندية في الملفات التاريخية والهجرة والعلاقات الاقتصادية.

بولندا من التضامن الشعبي إلى الإرهاق السياسي

في الأيام الأولى للحرب، فتحت بولندا حدودها أمام ملايين اللاجئين الأوكرانيين، وتحولت إلى أحد أهم مراكز استقبالهم ودعم الجيش الأوكراني ونقل المساعدات والأسلحة. وكان التضامن الشعبي مع أوكرانيا جزءاً من الاستجابة البولندية لتهديد روسيا، مدفوعاً أيضاً بذاكرة تاريخية طويلة من الصراع مع موسكو.
لكن مرور أكثر من أربع سنوات على الحرب غيّر المزاج. فالحرب الطويلة، وكلفتها الاقتصادية والاجتماعية، واستمرار وجود أعداد كبيرة من اللاجئين، والخلافات التجارية، ولا سيما حول المنتجات الزراعية، كلها ساهمت في تحويل العلاقة إلى قضية داخلية قابلة للاستقطاب. وتشير أيضاً تقارير صحافية بولندية حديثة، نُشرت في 28 يوليو الماضي، إلى ارتفاع حوادث الاعتداء والعداء تجاه الأوكرانيين في بولندا، وهو ما أثار تحذيرات سياسية من أن الخطاب اليميني والقومي يساهم في تغذية هذا المناخ.

اليمين يستثمر في الخلاف

ويجد اليمين القومي البولندي في هذه التحولات فرصة سياسية، محولاً القضية الأوكرانية من مجرد موقف من روسيا إلى نقاش حول السيادة، وكلفة اللاجئين، والذاكرة التاريخية، وحدود التضامن الأوروبي، وشروط انضمام كييف إلى الاتحاد الأوروبي. وتكتسب التطورات أهمية خاصة لكييف، فبولندا الجارة الأكبر وممر رئيسي للمساعدات الغربية وأحد أبرز داعميها منذ 2022، لذلك قد لا يهدد تراجع التأييد الشعبي حجم المساعدات فحسب، بل أيضاً موقف وارسو داخل النقاش الأوروبي حول مستقبل أوكرانيا.
لكن الاستقطاب لا يعني القطيعة. فقد أظهر استطلاع لمركز أبحاث الرأي العام البولندي، نُشر في يوليو، أن 75% يريدون تركيز التعاون البولندي-الأوكراني على مواجهة التهديد الروسي، فيما يضع 61% التعاون الأمني في مقدمة الأولويات. ويرى 73% أن سياسيي البلدين يؤججون الخلافات لمكاسب داخلية، ما يشير إلى أن غالبية البولنديين تميز بين الخلافات التاريخية وضرورة استمرار التعاون الأمني.

كييف أمام معادلة أكثر صعوبة

وتحاول كييف احتواء التدهور. ففي يوليو، عقد زيلينسكي اجتماعاً رفيع المستوى مخصصاً للعلاقات مع بولندا، وتعهد بتوسيع التحقيقات في جرائم جيش التمرد الأوكراني، وفتح أرشيفات استخباراتية، ودعم عمليات البحث عن رفات الضحايا، في محاولة لإعادة بناء الثقة مع وارسو. لكن المشكلة بالنسبة إلى أوكرانيا أن الخلاف لم يعد محصوراً في الماضي. فقد أصبحت العلاقة جزءاً من السياسة الداخلية البولندية، ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقبلة، يمكن أن يتحول الموقف من كييف إلى أداة انتخابية أكثر قوة.
إذا لم تنجح وارسو وكييف في إدارة الخلافات، فقد تتحول واحدة من أهم علاقات الدعم الأوروبي لأوكرانيا إلى علاقة أكثر برودة
وهكذا، تبدو العلاقة البولندية - الأوكرانية أمام مفترق حساس: بولندا لا تتخلى عن اعتبار روسيا تهديداً، ولا يبدو أن غالبية البولنديين تريد انتصار موسكو؛ لكنها، في الوقت نفسه، لم تعد مستعدة لمنح أوكرانيا شيكاً مفتوحاً كما حدث في السنوات الأولى للحرب. وهذا ربما هو التطور الأهم: فالدعم البولندي لأوكرانيا ينتقل من التضامن العاطفي الذي فرضته صدمة الغزو إلى شراكة مشروطة بالمصالح الوطنية والذاكرة التاريخية والحسابات السياسية الداخلية. وإذا لم تنجح وارسو وكييف في إدارة هذه الخلافات، فقد تتحول واحدة من أهم علاقات الدعم الأوروبي لأوكرانيا إلى علاقة أكثر برودة، في لحظة لا تستطيع فيها كييف تحمّل خسارة أي من حلفائها الأساسيين.