المسيّرات تعيد رسم استراتيجيات التطوير العسكري

12 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
جندي أميركي مع مسيرة في واشنطن، 14 يونيو 2025 (صامويل كوروم/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تأثير المسيّرات في الحروب الحديثة: أثبتت المسيّرات قدرتها على تغيير موازين المعارك بتكلفة منخفضة، مما دفع الجيوش العالمية لإعادة صياغة استراتيجياتها العسكرية لتشمل تطوير المسيّرات ووسائل مواجهتها.

- دور المسيّرات في النزاعات الإقليمية: استخدمت أذربيجان مسيرات "بيرقدار" لتحقيق انتصار استراتيجي في ناغورنو كاراباخ، وساهمت المسيّرات في صد الهجوم الروسي على كييف، بينما شهدت المواجهة الإيرانية الإسرائيلية استخداماً مكثفاً للمسيّرات.

- التطورات التكنولوجية والمنافسة الدولية: تراقب دول مثل الصين وفرنسا التطورات في مجال المسيّرات، حيث تعمل الولايات المتحدة على تسريع إنتاج المسيّرات وتطوير أسلحة ليزر لمواجهتها، في ظل التنافس مع الصين وروسيا.

من ساحات القتال في ناغورنو كاراباخ إلى حرب أوكرانيا والمواجهة الإيرانية الإسرائيلية أخيراً، أثبتت المسيّرات قدرتها على قلب موازين المعارك العسكرية وإحداث أثر استراتيجي بتكلفة منخفضة مقارنة بالأسلحة التقليدية، ما غيّر حسابات الحروب ودفع الجيوش إلى إعادة صياغة أولوياتها، واضعة المسيرات في قلب أي استراتيجية للتطوير العسكري، سواء ما يتعلق بتصنيعها أو مواجهتها، بما في ذلك الجيش الأميركي الذي يعمل على تطوير قدراته في هذا القطاع، فضلاً عن العمل على أسلحة ليزر لإسقاط مسيرات معادية. وليست الخطوة الأميركية مجرد حملة استباقية، بقدر ما أنها ناجمة عن تطور المسيّرات والذي يتسارع على نحو غير مسبوق بعد أن كانت هذه العملية تستغرق سنوات.

ومع أن أولى التجارب العملية لإنتاج مسيرات، بدأت في بريطانيا في عام 1917، في خضم الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918)، وبعد سلسلة من التجارب، فقد أنتج الأميركيون طائرات تجسس، سقطت إحداها من نوع "يو ـ 2" فوق الأراضي السوفييتية في عام 1960. وفي حرب فيتنام (1955 ـ 1975)، استخدم الأميركيون المسيرات ومنها "راين موديل 147 ـ فايربي"، وهي من المسيرات التي استُخدمت بغرض التجسس على قوات الفييتكونغ الفيتنامية، ولم تُستخدم لإطلاق الصواريخ. وفي الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، طوّر الإسرائيليون المسيرات، خصوصاً خلال فترة اجتياح بيروت في عام 1982، وغالباً لأغراض استطلاعية. وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، التي هاجم فيها تنظيم القاعدة الولايات المتحدة، استخدم الأميركيون مسيرة "أم كيو ـ 1 بريدايتور"، خلال بدئهم اجتياح أفغانستان في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2001، لإطلاق الصواريخ من نوع "هلفاير". لاحقاً، وسّع الأميركيون من العمليات الهجومية بالمسيرات، وطاولت باكستان واليمن وليبيا وسورية والعراق والصومال.

دور المسيرات في ناغورنو كاراباخ

مع ذلك، ظلّ استخدام المسيرات متوازناً نسبياً مع باقي القطعات العسكرية طيلة الفترة بين عامي 2001 وحتى 2020. في خريف عام 2020، شنّت أذربيجان هجوماً واسعاً للسيطرة على إقليم ناغورنو كاراباخ، الذي تتحصّن فيه قوات أرمينية. استخدم الأذربيجانيون مسيرات تركية من نوع "بيرقدار"، عجز الأرمينيون عن صدّها، مما أفضى لاحقاً إلى السيطرة الكاملة  لباكو على الإقليم، وتوقيع "خريطة طريق في سبيل السلام" مع يريفان، في الثامن من أغسطس/آب الحالي، في البيت الأبيض. وكسر استخدام أذربيجان للمسيرات "ستاتيكو" دام منذ سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991، مع أرمينيا، بما يتعلق بناغورنو كاراباخ.


يختبر الجيش الفرنسي "المصنع الصغير المتنقل" الذي يمكنه إنتاج 60 مسيرة في اليوم الواحد

في المقابل، برز دور المسيرات بشكل واسع في الغزو الروسي المستمر لأوكرانيا، منذ 24 فبراير/شباط 2022. في البداية، توقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سقوط كييف سريعاً، كما سقطت شبه جزيرة القرم في عام 2014، واستسلام قادة جيشها. وفي صورة مستنسخة من الجيوش السوفييتية، هاجمت الدبابات الروسية أوكرانيا، من الشرق نحو أعماق دونيتسك ولوغانسك، ومن الشمال الشرقي عبر سومي وخاركيف وتشيرنيغيف، ومن الشمال عبر بيلاروسيا. وخلال الهجمات، انتشرت فيديوهات وصور لأرتال الدبابات الروسية المصطفة بشكل عمودي باتجاه العاصمة كييف. وفي تلك اللحظات، باشر الجيش الأوكراني استخدام مسيرات "بيرقدار" التركية، فضلاً عن صواريخ "جافلين" الأميركية المضادة للدبابات. أنهت هذه التركيبة من الأسلحة الهجوم على كييف. وبعد تحرير أوكرانيا نحو عشرة آلاف كيلومتر مربع من أراضيها في خاركيف وخيرسون، في خريف 2022، عمد الروس إلى الاستعانة بالمسيرات، تحديداً المستوردة منها، وهي مسيرات "شاهد" إيرانية الصنع.

تحولت تلك المسيّرات إلى مصدر قلق للقوات الأوكرانية، فضلاً عن أن استهداف الروس بها منشآت مدنية ومنشآت الطاقة في أوكرانيا ترك آثاراً مدمّرة، سواء على صعيد الضحايا، أو في الانقطاعات المتواصلة للكهرباء. في المقابل، أظهر الأوكرانيون تقدماً هائلاً في صناعة المسيّرات، ومنها تلك التي أحرجت الروس في عملية "شبكة العنكبوت" في الأول من يونيو/حزيران الماضي. كانت المسيرات السلاح الأساسي في العملية الأوكرانية التي تمّ استخدام شاحنات في الداخل الروسي خلالها. وطاولت الهجمات قواعد أولينيا ودياغيليفو وإيفانوفو وبيلايا وأوكراينكا في روسيا، ودمّرت 41 طائرة حربية روسية وفق كييف. وكان لافتاً بدء الروس في نشر شبكة ألياف على خطوط الجبهة الأوكرانية، لمنع المسيرات الأوكرانية من استخدامها. ومن شأن هذا الأمر أن يفرز حاجة أوكرانية إلى تكثيف صناعة المسيرات للحاجة إلى استخدام مضاعف لها على خطوط الجبهة. أدى استخدام المسيرات بين الروس والأوكرانيون إلى استيلاد حرب استنزاف، من غير المعروف كيفية نهايتها، وإن كان الحديث يدور عن احتمال تجميد الصراع عبر إقرار هدنة لوقف النار، وفق تسريبات ما قبل عقد قمة الرئيسين، الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، في ولاية ألاسكا الأميركية، الجمعة المقبل.

في غضون ذلك، اختبر الإيرانيون والإسرائيليون حرباً واسعة، بين 13 يونيو و24 منه، كانت المسيرات خلاله لاعباً أساسياً فيها. هاجم الإسرائيليون مواقع قادة عسكريين إيرانيين ومنشآت وبنى تحتية مدنية وعسكرية خلال هذه الحرب. أما الإيرانيون، فأطلقوا دفعات من مسيرات "شاهد" التي أدت دوراً أساسياً في الهجمات الإيرانية، إلى جانب الصواريخ الباليستية.


نشرت الصين أول حاملة مسيرات في نوفمبر 2024

المواكبة الصينية والفرنسية

راقبت أطراف عدة هذه الحروب، ومنها الصين، التي أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي عن "جيوتيان"، وهي مسيرة هجومية من الجيل الخامس، والمُصنَّعة ضمن فئة "الارتفاعات الشاهقة وقدرات التحمّل الطويلة"، أما المختلف فيها، فأنها صُممت لحمل مئات المسيرات الصغيرة فيها. ويمكنها بالتالي، إطلاق أسراب من المسيرات على ارتفاعات قد تصل إلى 15 كيلومتراً. كذلك، فإن الصين استحوذت في عام 2024 على 40% من سوق الروبوتات العالمي، بقيمة 47 مليار دولار، بحسب تقرير مؤسسة "مورغان ستانلي" المالية في يونيو الماضي. كذلك، افتتحت الصين أول متجر متكامل الخدمات في العالم مخصص للروبوتات البشرية خلال المؤتمر العالمي للروبوتات 2025 في بكين الجمعة الماضي. أما في فرنسا، فقد كُشف النقاب أخيراً، عن اختبار الجيش الفرنسي ما يسمى بـ"المصنع الصغير المتنقل"، الذي يمكنه إنتاج 60 مسيرة في اليوم الواحد. ويتكون هذا "المصنع" من مقطورة صغيرة تضمّ عشر طابعات ثلاثية الأبعاد. وتستغرق طباعة مسيرة واحدة حوالي ثلاث ساعات، ويمكن لـ"المصنع" العمل 19 ساعة يومياً باستخدام مولد متنقل. والطابعات ثلاثية الأبعاد، عبارة عن آلات متصلة بألياف وأشرطة، تُشبه آلات خياطة الملابس.

وفي ظلّ انخفاض كلفة تصنيع المسيرات القاتلة، قياساً على "أم كيو ـ 1 بريدايتور" في عام 2001، أمر وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، في 10 يوليو/تموز الماضي، بتسريع إنتاج الطائرات المسيرة الأميركية و"تقليص البيروقراطية"، حسبما أعلن في مقطع فيديو نشره على وسائل التواصل الاجتماعي. وأوضحت مذكرة لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، وقعها هيغسيث، حاجة الجيش الأميركي لمواكبة الارتفاع الهائل في إنتاج المسيرات العسكرية، كما أفاد موقع ذا هيل.

وقال هيغسيث إن البنتاغون يعمل على التقليل من الإجراءات البيروقراطية لتسريع إنتاج الطائرات المسيرة، مشيراً إلى أنه يريد تدريب أفراد الخدمة من جميع فروع الجيش على عمليات المسيّرات. وأضاف وهو محاط بالطائرات المسيّرة، بحسب ما ظهر في فيديومي: "لقد جئنا إلى هنا لإعادة بناء الجيش ومواءمة قدراته مع تهديدات اليوم. سبقنا خصومنا في إنتاج ملايين الطائرات المسيّرة الرخيصة بعيداً عن الإجراءات البيروقراطية".

وبحسب هيغسيث، فإن جهود الجيش ستتألف حول تعزيز تصنيع الطائرات المسيّرة في الولايات المتحدة، ودعم التطورات التكنولوجية الخاصة بها، والتدريب على استخدامها لمحاكاة ما قد يواجهه الجنود في ساحة المعركة الحديثة. ويأتي ذلك أيضاً فيما يحتدم التنافس بين الولايات المتحدة والصين في مجال الطائرات المسيرة، التي تؤدي دوراً رئيسياً في العديد من جوانب الحرب الحديثة. وكان مسؤولون أميركيون قد صرحوا في وقت سابق بأن المسيرات قد تلعب دوراً رئيسياً في أي صراع حول مضيق تايوان. وخلال ولايته الرئاسية الأولى (2017 ـ 2021)، ركز ترامب على تقييد استخدام الطائرات المسيّرة الصينية في الولايات المتحدة لأسباب أمنية، ما أدى إلى سلسلة من الإجراءات والتدابير المضادة.

وباشر الجيش الأميركي العمل على تمتين دفاعاته من المسيرات، مع ذلك، يبدو أنه سيضطر إلى الانتظار حتى السنة المالية 2026 على الأقل، للحصول على تمويل لمتابعة فرص إضافية لمواجهة المسيرات باستخدام أسلحة الليزر. ويدير مكتب القدرات السريعة والتقنيات الحرجة في الجيش أبحاث أسلحة الليزر لمواجهة المسيرات. وخلال السنوات القليلة الماضية، طور المكتب عدة نماذج أولية لأسلحة الطاقة الموجهة بأحجام وقدرات مختلفة، بعضها صغير بما يكفي ليتم نشره على المركبات التكتيكية، بينما البعض الآخر كبير بما يكفي ليتم إنشاؤه كدفاعات ثابتة. وكان الجيش يجرب أسلحة ليزر تتراوح قوتها بين عشرة كيلوواط و300 كيلوواط. ويواصل الجيش الأميركي الاستثمار في أسلحة الطاقة الموجهة لمواجهة المسيرات، نظراً لتكلفتها المنخفضة نسبيا لكل طلقة. على سبيل المثال، بينما يمكن أن تكلف الصواريخ الاعتراضية التقليدية المضادة للمسيرات ما يصل إلى مئات الآلاف من الدولارات لكل طلقة، يمكن لبعض أسلحة الليزر أن تطلق طلقاتها بتكاليف تصل إلى بضعة سنتات، وتدمر الذخائر والمسيرات المهاجمة بنفس الدرجة من الفعالية.

ستارفوس أتلاماز أوغلو: نشر الجيش الأميركي 11 نموذجاً أولياً لأسلحة مضادة للمسيرات بالشرق الأوسط 

الليزر لصدّ هجمات المسيرات

في السياق، اعتبر ستارفوس أتلاماز أوغلو، وهو صحافي عسكري متخصص في العمليات الخاصة، وحاصل على بكالوريوس من جامعة جونز هوبكنز وماجستير من كلية الدراسات الدولية المتقدمة، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست، إنه "مع تزايد ما تقوم به الأنظمة الجوية غير المأهولة من فتك في ساحة المعركة، يسعى الجيش الأميركي إلى إيجاد طرق أكثر كفاءة لمواجهة المسيرات التي يستخدمها العدو". وأضاف أن "أسلحة الطاقة الموجهة، التي تعرف باسم أسلحة الليزر، أثبتت أنها واعدة بشكل كبير في مواجهة الأنظمة الجوية غير المأهولة". وكشف أتلاماز أوغلو أنه "حتى الآن، طور المكتب 17 نموذجاً أولياً لأسلحة الطاقة الموجهة. ونشر الجيش 11 من هذه الأنظمة، معظمها في الشرق الأوسط، في محاولة لمواجهة التهديد المستمر للأنظمة الجوية غير المأهولة الإيرانية".

وأوضح أتلاماز أوغلو أن "هناك طريقتين رئيسيتين للتعامل مع أي نظام جوي غير مأهول قادم"، أي إسقاط مسيرة مهاجمة. وقال: "أولاً، هناك النهج التقليدي المباشر المتمثل في إسقاط المسيرة مادياً. ويمكن تحقيق ذلك إما من خلال الوسائل التقليدية، مثل البنادق أو مدافع مضادة للطائرات أو الصواريخ الاعتراضية، أو من خلال وسائل أكثر تقدماً مثل أسلحة الطاقة الموجهة". أما الطريقة الثانية وفقاً له، فهي أنه "من الممكن تعطيل معظم المسيرات من خلال الحرب الإلكترونية. وعلى الرغم من أن الذكاء الاصطناعي يعد بتعزيز استقلالية المسيرات في السنوات القادمة، فإن المسيرات اليوم عادة ما يتم التحكم فيها عن بُعد بواسطة مشغل بشري. ومن خلال تشويش الاتصالات بين المسيرة ومشغلها، يمكن للمدافع أن يتسبب في تحطم المسيرة، أو ربما السيطرة عليها، وهبوطها بأمان في أراض صديقة والسيطرة عليها". وختم أتلاماز أوغلو تقريره بأن "الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي تعمل على تطوير أسلحة الطاقة الموجهة، فالصين وروسيا وإسرائيل وبريطانيا هي بعض الدول التي تجرب أيضاً الليزر لاستخدامات مضادة للمسيرات".

بدوره، قدم اللفتنانت جنرال روبرت راش، مدير مكتب القدرات السريعة والتقنيات الحرجة في الجيش الأميركي، بعض الأفكار حول تقدم منافسة الجيش لمواجهة المسيرات خلال ندوة الدفاع الفضائي والصاروخي. وقال الضابط الكبير في الجيش في تقرير مجلة ناشونال إنتريست: "يجب علينا مواصلة العمل بجد، ومواصلة العمل مع الجنود، ومواصلة العمل مع الصناعة لتطوير منصات الطاقة الموجهة لدينا والتركيز على مجالات الموثوقية". ووفقاً لراش، فإنه "من المتوقع أن تتمكن أسلحة الطاقة الموجهة ذات قدرات الطاقة الأكبر من التعامل مع تهديدات أوسع، بما في ذلك قذائف المدفعية التقليدية والصواريخ المدفعية وحتى صواريخ كروز وبعيدة المدى".