المحكمة الدستورية في ليبيا بدائرة التجاذبات السياسية: تقويض وازدواجية للسلطة القضائية؟
استمع إلى الملخص
- يعود الخلاف إلى قانون إنشاء المحكمة الدستورية الذي أبطله المجلس الأعلى للدولة والمحكمة العليا، لكن أعيد تفعيله من قبل عقيلة صالح، مما أثار رفضاً قضائياً واسعاً.
- يحذر الباحثون من أن تفعيل المحكمة الدستورية الجديدة قد يحول القضاء إلى أداة نزاع سياسي، مما يهدد وحدة القضاء ويخلق ازدواجية دستورية.
عاد ملف المحكمة الدستورية إلى واجهة الخلاف بين الأطراف السياسية الليبية بعد أن أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، حكمين قضائيين قضت فيهما بعدم دستورية قانونين صدرا عن مجلس النواب عامي 2017 و2022، إذ قضى الحكم الأول بعدم دستورية تعديل أجراه مجلس النوب عام 2017 على قانون العقوبات العسكرية، بأن أجاز "محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري في جرائم الإرهاب والجرائم المرتكبة ضد شخصية الدولة"، فيما قضى الحكم الثاني بعدم دستورية قرار آخر أصدره مجلس النواب عام 2022 بموجبه نقل تبعية الجريدة الرسمية إلى مجلس النواب لتصبح تنشر التشريعات والقوانين مباشرة عن رئيس المجلس.
وعلى الفور، رحب رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بالحكم الخاص بالجريدة الرسمية معتبراً، في بيان له الثلاثاء، أنه يأتي "صيانة لمبدأ المشروعية وترسيخاً لمبدأ الفصل بين السلطات بما يعزز دعائم دولة القانون والمؤسسات في ليبيا". وأعلن عزمه "تشكيل لجنة قانونية متخصصة لمراجعة جميع القوانين الصادرة عن مجلس النواب"، مؤكداً أن أحكام المحكمة العليا "توضح ما شاب القوانين المخالفة من عوار دستوري منذ تاريخ صدورها".
كما رحب المجلس الأعلى للدولة بالحكمين معتبراً أنهما "يعيدان التوازن المؤسسي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية" بعد أن أخل مجلس النواب به حين نقل تبعية الجريدة الرسمية إليه، واعتبر أن إبطال النصوص التي كانت تجيز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية "انتصار للحقوق والحريات وصون للضمانات الدستورية للمدنيين".
في المقابل، رد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح على بيان المنفي مؤكداً أن "مجلس النواب هو الجهة المعنية بتنظيم القضاء، وما يتخذه من إجراءات لا يعد تدخلاً في عمل القضاء أو استقلاليته"، واتهم المنفي بـ"التدخل في شؤون السلطتين التشريعية والقضائية"، و"محاولة تسييس القضاء وانتقاء ما يناسبه من أحكام". وأضاف صالح، في بيان له أمس الأربعاء، أن "مجلس النواب هو من أعطى هذا الاختصاص للمحكمة وهو من سحبه"، وأن قانون المحكمة الدستورية "يهدف إلى تكوين محكمة من قضاة مؤهلين ومتفرغين لهذه المهمة".
وفي تطور مواز، أصدرت المحكمة الدستورية، أمس الأربعاء، قراراً ببدء النظر في القضايا الدستورية المنظورة أمام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا، استناداً إلى قرار سابق صدر في 21 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي يقضي بإلغاء الدائرة الدستورية وإحالة "جميع الدعاوى والطلبات القائمة أمام الدائرة الدستورية بمحكمة النقض المحكمة العليا سابقاً إليها، بحالتها فور صدور هذا القانون".
وكان مجلس النواب قد أجرى في عام 2017 تعديلاً على قانون العقوبات العسكرية سمح بموجبه للمحاكم العسكرية بضم فئات من غير العسكريين ضمن اختصاصها مثل "المدنيين في حالة النفير" ومن يصفهم بـ"المليشيات المسلحة" تحت ذريعة "مكافحة جرائم الإرهاب"، من دون ضوابط أو تحديد دقيق لهذه الفئات، وهو ما عدّته منظمات حقوقية حينها توسيعاً خطيراً لاختصاص القضاء العسكري وتقويضاً لمبدأ القاضي المدني الطبيعي.
أما قضية الجريدة الرسمية، فتتعلق بتعديل أجراه مجلس النواب على قانون إصدار الجريدة لعام 2011 الذي نص على تبعيتها لوزارة العدل وتخويلها نشر القوانين والتشريعات والاتفاقيات. غير أن المجلس أقر في عام 2022 تعديلاً نقل بموجبه تبعيتها وصلاحية إصدارها إلى رئيس مجلس النواب نفسه، ما سمح لرئيس لمجلس نشر القرارات والقوانين مباشرة من دون أي مشاركة من أي جهة أخرى.
ويعود أصل الخلاف إلى إصدار مجلس النواب قانون إنشاء المحكمة الدستورية في ديسمبر/ كانون الأول 2022 ومقرها في بنغازي، مبرراً الخطوة بأن القوانين القضائية الليبية لا تعطي المحكمة العليا "الولاية بالنظر في الطعون الدستورية". وفي مارس/ آذار 2023، أبطلت المحكمة العليا هذا القانون، فيما علق المجلس الأعلى للدولة التواصل مع مجلس النواب احتجاجاً على ما رآه تدخلاً في القضاء، غير أن عقيلة صالح أعاد نشر القانون في ديسمبر/ كانون الأول 2023، قبل أن يعود ويعلن عن اتفاقه مع المجلس الأعلى على "عدم إصدار القانون حتى لا يتعارض مع القاعدة الدستورية"، قبل أن يعود مرة أخرى لتفعيله وتشكيل مجلس أعضائه، ما أثار رفضاً واسعاً في الأوساط القضائية حينها.
وفي إبريل/ نيسان الماضي، أصدر المجلس الرئاسي مرسوماً رئاسياً "بوقف العمل بالقانون"، متهماً مجلس النواب بـ"محاولة الهيمنة على السلطة القضائية من خلال أداة التشريع"، إلا أن عقيلة صالح رد على الفور بتمسكه بصلاحيات مجلس النواب في إنشاء المحكمة الدستورية.
ويؤكد الأكاديمي وأستاذ القانون الدستوري أحمد العاقل، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن قانون مجلس النواب بإنشاء المحكمة الدستورية، يواجه خللاً جوهرياً لأنه صدر "من دون أي تعديل للقوانين التي أنشأت المؤسسات القضائية في البلاد، وبالتالي لا يستند إلى قاعدة قانونية تخول السلطة التشريعية إنشاء هيئة رقابة دستورية مستقلة عن المحكمة العليا". وأوضح أن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا موجودة منذ عام 1954، وهي المختصة أصلاً بالنظر في القضايا والطعون الدستورية، قبل أن تجمد خلال حكم النظام السابق وتعاد للعمل بعد عام 2011، مؤكداً أن "اختصاصها أصيل وصحيح، ولا يجوز إنشاء محكمة دستورية جديدة من دون تعديل القوانين القضائية أو الإعلان الدستوري نفسه".
ويتابع العاقل أن مجلس النواب "تجاهل مبدأ المشاركة المؤسسية في التشريع، إذ إن المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة العليا طرفان أساسيان في أي تعديل يمس السلطة القضائية، وهو ما لم يحدث في هذا القانون"، معتبراً أن إنشاءها جاء "بدافع المماحكات السياسية بين السلطتين أكثر من كونه إصلاحاً قضائياً".
ويتقاطع معه في الرأي الباحث في الشأن السياسي بشير الكوت، الذي يرى أن الإصرار على تفعيل المحكمة الجديدة وسط الاعتراضات "سابقة خطيرة تحول القضاء من أداة ضابطة إلى أداة نزاع سياسي"، محذراً من أن "الاستمرار في تطبيق القانون من دون مراجعته سيقوض وحدة القضاء ويخلق ازدواجية دستورية، لكل سلطة قضاؤها الخاص". ويضيف الكوت في حديث لـ"العربي الجديد" أن الجدل "لم يعد خلافاً قانونياً بل تحولاً في طبيعة الصراع الليبي إلى مرحلة مأسسته، إذ يسعى كل طرف إلى توظيف أدوات القانون والقضاء لكسب الشرعية"، مشيراً إلى أن "الجميع يوظف ورقة التشريع بلا سند دستوري، فيشرع أو يطعن بحسب المصلحة السياسية".
وفي الوقت الذي يعتبر فيه الكوت أن "تقاذف المجالس البيانات بينها بالتهم لا يكشف عن شيء سوى عن سوء الأوضاع السياسية التي قد تصطدم بها خريطة الطريق السياسية الحالية، وقد تدفع الأوضاع إلى تبنيها خيار الاستفتاء على استبعاد كل الهيئات السياسية الحالية، وهو أمر خطير للغاية قد يدخل البلاد في حالة فراغ سياسي حاد"، يحذر من أن "المساس بالبنية القضائية وتحويلها إلى ساحة تنازع سياسي قد يدخل البلاد في حالة صدام أكثر حدة من الجمود السياسي الحالي، بأن يهدد وجود الدولة من أصلها".
ويؤكد الكوت أن "القضاء هو الحقل الوحيد الذي تتقاطع عنده كل السلطات، لكن انقسام المشهد بين محكمة عليا في طرابلس وأخرى دستورية في بنغازي سيهدد أوضاع الكثير من القوانين المهمة ويجعلها عرضة للمصالح الضيقة، مثل قانون النفط والقانون المالي المرتبط بالمصرف المركزي، وسيطاول الاتفاقات الدولية التي ستفقد الأمان القانوني، ويهدد ملفات استحقاق أخرى مثل تنظيم الانتخابات التي تحتاج جهة قضائية مستقلة يحتكم إليها للفصل في الطعون".