المبادرة الأميركية في ليبيا: أولوية البندقية

23 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 01:03 (توقيت القدس)
بولس في الدوحة، 15 نوفمبر 2025 (محمود همص/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تحول في إدارة المبادرة الأميركية في ليبيا: تم تكليف جيريمي برنت بمهمة "كبير مستشاري السياسات في ليبيا"، مما يعكس تحولاً في إدارة الملف الليبي بعد تراجع دور مسعد بولس، الذي كان الواجهة الرئيسية للمبادرة.

- تغير في أولويات المبادرة: برز اهتمام أكبر بالمسار العسكري تحت قيادة برنت، مع تراجع التركيز على المسارين الاقتصادي والسياسي، مما يعكس تحولاً في استراتيجية واشنطن لتحقيق تقارب بين الأطراف الليبية.

- تساؤلات حول مستقبل ليبيا: يثير النشاط العسكري الأميركي تساؤلات حول تأثيره على موازين القوى في ليبيا، ومستقبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وقيم الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة.

منذ أن أعلن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، الأسبوع الماضي، تكليف القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى ليبيا جيريمي برنت، بـ"مهمة إضافية" وهي "كبير مستشاري السياسات في ليبيا"، انفتح الباب أمام تساؤلات عديدة: هل تعثر بولس في إقناع الأطراف الليبية بالمضي في تنفيذ المبادرة الأميركية واحتاج لمن يخلفه فيها، أم أن المبادرة قطعت شوطاً من التقدم استدعى تأطيرها مؤسسياً داخل السفارة الأميركية عبر إسناد الدور إلى برنت؟

تصدّر برنت لمشهد المبادرة الأميركية جاء بعد أشهر طويلة كان بولس خلالها الواجهة الرئيسية لها، حيث يزور طرابلس وبنغازي وينظم لقاءات مباشرة بين ممثلي طرفي الأمر الواقع، أي حكومة الوحدة الوطنية في الغرب و"القيادة العامة" في شرق البلاد، ووسط كل ذلك لم تهدأ حساباته الإلكترونية عن نشر نتائج جهوده أولاً بأول.

وبشكل فجائي، وبعد آخر اجتماع نظمه بولس بين ممثلي الطرفين في مالطا مطلع الشهر الحالي، أجرى بعده زيارة لطرابلس وبنغازي، تراجع حضوره بشكل لافت، واختفت تقريباً تدويناته عن تطورات المبادرة، إلى أن عاد بعد أسبوعين ليعلن إسناد "مهمة إضافية" إلى برنت، في خطوة بدت وكأنها تعكس انتقالاً في إدارة الملف. صحيح أن برنت ليس وجهاً جديداً في الملف الليبي، فقد ظل حاضراً في المشهد منذ فترة، والتقى عدداً من القيادات السياسية والعسكرية في الشرق والغرب، إلا أن اللافت كان ظهوره إلى جانب بولس خلال زيارته الأخيرة لطرابلس وبنغازي، ثم تحوله بعد ذلك إلى الشخصية الأكثر نشاطاً في إدارة الاتصالات بين الطرفين.

واللافت أكثر أنه بالتوازي مع هذا التحول في الأدوار، برز تغير في ترتيب أولويات المبادرة الأميركية، إذ تراجع الحديث عن المسارين، الاقتصادي والسياسي، بعدما وصل بولس إلى حد الإشراف على اتفاق لتوحيد ميزانية الدولة، وطرح تصور لبناء سلطة تنفيذية مشتركة، لأجل تصاعد الاهتمام بالمسار العسكري على يد برنت، من خلال سلسلة لقاءات بين قيادات وضباط من الطرفين برعاية أميركية. وبصرف النظر عما إذا كان تقدم برنت وتراجع بولس يعكسان إعادة توزيع للأدوار، أو تحولاً في إدارة المبادرة، فالثابت هو استمرار الإصرار الأميركي على الدفع نحو التصور الذي تتبناه واشنطن للحل في ليبيا، والقائم على بناء شراكة بين سلطات الأمر الواقع في طرابلس وبنغازي.

لكن الجديد في الحراك الأميركي هو نشاط المسار العسكري، ليثير سؤالاً عن حقيقة المبادرة الأميركية، وهو: ماذا لو نجح المسار العسكري في تحقيق تقارب بين الطرفين؟ أليس توحيد قوتهما يعني ترسيخ موازين القوى القائمة بما يمنحهما نفوذاً أكبر على الأرض؟ وهو ما يبدو أن واشنطن أدركت أنه المدخل لتنفيذ مبادرتها، وصولاً إلى بناء سلطة سياسية مشتركة بينهما برسوخهما العسكري على الأرض. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما مصير الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وتجديد الشرعية؟ وأين قيم الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة وسيادة القانون وغيرها من شعارات الديمقراطية الغربية؟