المالكي إلى الواجهة مجدداً بعد 12 عاماً: عودة تفتّح ذاكرة التهميش والإقصاء في العراق

بغداد

صفاء الكبيسي

سيف الخزاعي
صفاء الكبيسي
صحافي عراقي
25 يناير 2026   |  آخر تحديث: 27 يناير 2026 - 11:10 (توقيت القدس)
عودة نوري المالكي تفتح ملفات الطائفية والتهميش في العراق مجدداً
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية يثير تحفظات داخل تحالف "الإطار التنسيقي" بسبب الانقسامات الداخلية، ويعيد إلى الأذهان فترة حكمه السابقة التي شهدت اضطرابات وفساداً وانقسامات طائفية.
- المجلس السياسي الوطني السني يعارض ترشيح المالكي، داعياً لاختيار شخصية توافقية تؤمن بالشراكة الوطنية ومكافحة الفساد، بينما يدعمه الزعيم الكردي مسعود البارزاني.
- المالكي يسعى لاستمالة الشركاء الكرد والسنّة للحصول على أغلبية برلمانية، مع التركيز على الشراكة الوطنية واختيار كابينة من الكفاءات النزيهة.

عاد اسم رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي، مجدداً إلى صدارة المشهد السياسي في العراق، مرشحاً رسمياً لرئاسة الحكومة الجديدة، في خطوة أعادت ذاكرة سياسية وأمنية لا تزال حاضرة بقوة في وعي العراقيين، وأثارت موجة من التحفّظات السياسية والتحذيرات امتدت حتى داخل تحالف "الإطار التنسيقي" نفسه. وكان تحالف "الإطار" الذي يضم القوى الشيعية، عدا التيار الصدري، قد أعلن مساء أمس السبت، في بيان له، "ترشيح المالكي بالأغلبية لرئاسة الوزراء"، بعد خلافات وجدل استمر لأكثر من شهرين داخل الإطار، أعقبت الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فيما يكشف الإعلان، وتحديداً مفردة "الأغلبية"، أن الترشيح لا يمثل توافقاً شيعياً كاملاً، بل تسوية داخلية هشة، عكست عمق الانقسام داخل التحالف الحاكم، وحدود القدرة على إنتاج مرشح يحظى بقبول واسع.

وأكد مصدر سياسي مطلع من داخل الإطار، لـ"العربي الجديد"، طالباً عدم ذكر اسمه، أن "قوى متنفذة في الإطار لم تؤيد ترشيح المالكي، وفي مقدمتها عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم اللذين تحفّظا قبل القبول، مقابل دعم واضح وقوي من قبل زعيم تحالف الفتح هادي العامري، فضلاً عن قوى أخرى"، مبيناً أن "المخاوف من انقسام الإطار دفعت باتجاه ترشيح المالكي لحسم الملف".

هذا التباين أثار تساؤلات حول طبيعة "الأغلبية" ومدى تماسكها في مواجهة استحقاقات تشكيل الحكومة المقبلة. ولا يمكن فصل عودة المالكي عن إرثه الثقيل في الحكم لدورتين متتاليتين 2008 - 2014، وهي مرحلة وُصفت على نطاق واسع بأنها من أكثر المراحل اضطراباً في تاريخ العراق الحديث، فقد شهدت تلك السنوات تصاعداً حاداً في التوترات الطائفية، وارتباكاً أمنياً واسعاً، رافقته حملات اعتقال جماعية استندت إلى الفقرة 4 من قانون مكافحة الإرهاب المثير للجدل، و"المخبر السري" و"الدعاوى الكيدية" التي طاولت الآلاف من المواطنين، لا سيما من المكون السني، وهو ما خلّف شعوراً عميقاً بالتهميش وانعدام الثقة بالدولة.

كما ارتبطت تلك المرحلة أيضاً بملفات فساد كبرى، أبرزها صفقات الأسلحة، وسوء إدارة موارد الدولة، وتراجع الخدمات، وقد انتهت ولاية المالكي الثانية بأخطر منعطف أمني تمثل باجتياح تنظيم داعش عدداً من محافظات البلاد، وسقوط مدن كبرى بيد التنظيم المتطرف، وهو حدث ما زال يُعدّ منعطفاً في سجل الدولة ومؤسساتها الأمنية. هذه المجريات أعادت إلى الواجهة هواجس العراقيين، السنّة بشكل خاص، إذ استحضرت ذاكرة التهجير، والدمار، وملف المغيبين والمختفين قسراً، إلى جانب الإخفاقات في إعادة الإعمار، وتحقيق العدالة المجتمعية، كما لم تغب عن الأذهان خلافات المالكي العميقة داخل البيت الشيعي نفسه، لا سيما صراعه مع التيار الصدري، الذي شكّل أحد أبرز عوامل الانسداد السياسي في مراحل لاحقة.

ومن هذا السياق، جاء موقف "المجلس السياسي الوطني السني"، محذراً من هذا الترشيح، ومعبراً عن "قلق واسع" لدى شرائح كبيرة من الشعب العراقي، خصوصاً في المحافظات التي عانت ويلات الحروب والإرهاب. وشدد البيان على أن "المرحلة الحسّاسة التي يمر بها العراق تتطلب قرارات تاريخية مسؤولة تقدّم مصلحة الوطن والشعب على أي اعتبارات أخرى، وعدم تداول أسماء مرشحين جدد ارتبطت مراحل سابقة من وجودهم في السلطة بأزمات سياسية وأمنية واقتصادية عميقة، لا تزال آثارها حاضرة في الواقع العراقي".

وشدد على أن "العراق اليوم بأمسّ الحاجة إلى شخصية توافقية غير إقصائية، تؤمن بالشراكة الوطنية الحقيقية، وتضع مكافحة الفساد وإعادة الإعمار ومعالجة الملفات الإنسانية، وبناء دولة المؤسسات والقانون في مقدمة أولوياتها، لا إلى إعادة تدوير تجارب أثبتت عجزها عن تحقيق الاستقرار أو استعادة ثقة المواطن". غير أن هذا الموقف لم يكن موحداً داخل البيت السني نفسه، إذ أعلن تحالفا "الحسم" بزعامة ثابت العباسي، و"العزم" بزعامة مثنى السامرائي، وهما ضمن "المجلس الوطني السني"، تأييدهما ترشيح المالكي، ونفيا أن يكون بيان المجلس قد صدر بإجماعه.

هذا الانقسام السني أضعف من ثقل الاعتراض، لكنه في الوقت ذاته عكس هشاشة المواقف التمثيلية، وعمّق صورة المشهد السياسي المرتبك. في المقابل برز موقف كردي لافت، تمثل برسالة تهنئة ودعم وجهها الزعيم الكردي مسعود البارزاني، الذي رحب بترشيح المالكي، وأبدى استعداده لـ"دعم المالكي في معالجة القضايا العالقة والخلافات القائمة، والعمل المشترك على تجاوز العقبات والتحديات التي تواجه البلاد، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتحقيق المصلحة العامة للعراق".

على الجانب الآخر، حاول حزب الدعوة وائتلاف "دولة القانون" احتواء تلك المخاوف، عبر خطاب سياسي ركز على الشراكة الوطنية، واختيار كابينة من "الكفاءات النزيهة"، والالتزام بتوجيهات المرجعية، وتقديم المالكي بوصفه مرشحاً "قادراً على ضبط الفصائل". ودعا، حزب الدعوة، القوى السياسية وجميع المكونات الوطنية، إلى "التعاون الجاد في تشكيل الكابينة الوزارية المقبلة"، مؤكداً أن المرحلة الراهنة تتطلب بناء جبهة تحالفية أوسع تضم الجميع لضمان استقرار البلاد، ومواجهة التحديات السياسية والاقتصادية".

وشدد الحزب، في بيانه، على أن "نجاح المهمة المصيرية لتشكيل الحكومة، يعتمد بالدرجة الأولى على إرساء الشراكة المتوازنة بين المكونات العراقية الأساسية الكريمة، الإخوة الكرد والإخوة السنة، وسائر المكونات الوطنية"، مشيراً إلى ضرورة أن "يكون الجميع شركاء فعليين في صنع القرار ورسم السياسات العليا". إلى ذلك، أكد المتحدث باسم "دولة القانون" عقيل الفتلاوي، في تصريح متلفز، أن "أميركا لم تعترض على ترشيح المالكي لأنها تعتقد أنه يمتلك قوة وتأثيراً على الفصائل"، منتقداً موقف رئيس حزب "تقدم" محمد الحلبوسي برفض ترشيح المالكي، معتبراً أنه موقف "مفاجئ. كان الأجدر بالحلبوسي احترام رأي الكتلة الكبرى وعدم التصويت في البرلمان أو مقاطعة الحكومة".

وأشار الى أن "رفض الحلبوسي و(رئيس تحالف العزم خميس) الخنجر، ترشيح المالكي لن يدوم طويلاً، وأن الاعتراضات على ترشيح المالكي ستنتهي وتذوب قريباً". وفي الشأن، أكد الأكاديمي العراقي المختص بالشأن السياسي، يوسف العيسى، لـ"العربي الجديد"، أن "هناك صعوبات أمام المالكي تتطلب تذليلها ليتم تكليفه رسمياً بتشكيل الحكومة"، مبيناً أن "عدم إجماع الإطار على الترشيح يؤشر إلى صعوبة الموقف، وهو ما يجعله بحاجة إلى استمالة الشركاء من الكرد والسنّة، وسيقابل ذلك منح مناصب تنفيذية، خاصة أن المالكي ليست له مقاعد تسهل عليه تشكيل الكابينة الحكومية".

ويحتاج المالكي إلى الحصول على أغلبية ثلثي أعضاء البرلمان، بعد أن يتم اختيار رئيس الجمهورية "من حصة الكرد" في 29 من شهر يناير/ كانون الثاني الحالي، ليكلَّف بعد ذلك مرشح الكتلة الكبرى، المالكي، رسمياً بتشكيل الحكومة.

ذات صلة

الصورة
نوري المالكي، 11 نوفمبر 2025 (حسابه الشخصي على فيسبوك)

سياسة

أكد رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، في مقابلة مع وكالة فرانس برس الاثنين، أنه لن يسحب ترشيحه لرئاسة الحكومة المقبلة، رغم معارضة الولايات المتحدة