المؤشّر العربي 2025... الاقتصاد أولاً والفساد كبير وأزمة ثقة

07 يناير 2026   |  آخر تحديث: 15:27 (توقيت القدس)
محمد المصري (وسط) وليلى عمر وعبد الحفيظ حسين في إعلان نتائج المؤشر العربي (حسين بيضون)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أظهر استطلاع المؤشر العربي 2025 تحولاً في مصادر الأخبار السياسية لدى العرب، مع زيادة الاعتماد على الإنترنت وتراجع التلفزيون، بينما تتصدر الأولويات الاقتصادية اهتمامات المواطنين بنسبة 60%، وارتفاع الرغبة في الهجرة لأسباب اقتصادية.

- تراجعت الثقة في الحكومات والمجالس التشريعية، مقابل ارتفاع الثقة في الجيش والمؤسسات الأمنية، مع انتشار الشعور بالفساد المالي والإداري بنسبة 84%، مما أدى إلى انخفاض الثقة بوسائل الإعلام المحلية.

- يعكس الاستطلاع ضعف الثقة في الأحزاب السياسية، حيث بلغت نسبة المنتسبين 6% فقط، وتراجع نية المشاركة في الانتخابات إلى 45%، مما يؤكد الحاجة إلى حياة سياسية حيوية وتعددية حقيقية.

أنهى المدير التنفيذي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، محمد المصري، مؤتمره الصحافي المشترك مع الباحثة في برنامج المؤشّر العربي في المركز، ليلى عمر، ومسؤول العمل الميداني وتحليل البيانات في "المؤشر"، عبد الحفيظ حسين، أمس الثلاثاء، بدعوة وسائل الإعلام إلى الاهتمام الخاص بنتائج استطلاع المؤشر 2025، في دورته التاسعة، ليلتفت إليها صنّاع القرار في البلاد العربية. ومن أبرز هذه النتائج تقدُّم نسبة تلقّي المواطنين العرب الأخبار السياسية من شبكة الإنترنت وتناقص نسبة تلقيها من التلفزيون، وإن بقيت الأعلى.

ومع الإنصات للخلاصات الرئيسية التي انتهى أضخم مسح لاستطلاع الرأي العام في الدول العربية، الذي يُنجزه المركز العربي منذ عام 2011، فإن صنّاع القرار وأهل الحكم العرب مدعوون إلى التعرّف جيداً إلى هذه النتائج، الكاشفة والدالّة في كثير منها، والتي يفترض البناء عليها. وأول المعطيات وأكثرها إلحاحاً أن الأولويات الاقتصادية هي الأعلى نسبة (60%) بين أولويات مواطني الدول العربية، وأن 28% من المستجيبين في الاستطلاع تعيش أسرُهم في حاجة وعوز، وأن 41% لا يستطيعون توفير شيء من دخولهم (مع الأخذ بالاعتبار الفجوة بين دول الخليج العربية وغيرها من الدول في المشرق والمغرب)، وأن 25% من مواطني المنطقة العربية يرغبون في الهجرة، ودافع أكثريّتهم تحسين الوضع الاقتصادي.

الأولويات الاقتصادية هي الأعلى نسبة (60%) بين أولويات مواطني الدول العربية، و28% من المستجيبين في الاستطلاع تعيش أسرُهم في حاجة وعوز

وكشف عن تفاصيل معيشية أخرى مسح استطلاع الرأي، الذي تعرّفت إلى نتائجه وسائل الإعلام أمس في المؤتمر الصحافي المطول في مقر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، وقد جاءت النتائج استناداً إلى مقابلاتٍ مباشرة مع المستجيبين، تتألّف منهم عيّنة 40,130 ألفاً، فإن صنّاع القرار في الدول العربية مطالبون بالإجابة عن هذا التحدّي الذي يبدو ثابتاً في طبيعته وأولوية اجتماعية لدى المواطنين منذ استطلاع عام 2011. ومع إيضاح مؤشر 2025، كما مؤشّرات سنوات سابقة، فإن 37% من المواطنين يقولون إن بلدانهم تسير في الاتجاه الخاطئ، وهي نسبة عالية، ولا سيما في غير دول الخليج، ويربط هؤلاء رؤيتهم هذه بأسباب اقتصادية تتقدم على "الأوضاع السياسية غير الجيدة وغير المستقرة"، التي تحدث عنها 14%. وقد قيّم 49% الوضع الاقتصادي في بلادهم بأنه سلبي (سيئ أو سيئ جداً).

تناقص الثقة بالحكومات والبرلمانات

ويمكن اعتبار التحدي الآخر شديد الإلحاح على صنّاع القرار العرب، مع تناقص ثقة المواطنين العرب بالحكومات والمجالس التشريعية، وارتفاع الثقة بالجيش والمؤسسات الأمنية، وهو المعطى الذي يبدو ثابتاً إلى حد كبير منذ استطلاع 2011. وإذا أضيف إلى هذا الأمر الشعور الواسع بين المواطنين بتفشي الفساد المالي والإداري في بلادهم، حيث أفاد 84% بأنه منتشر بدرجات متفاوتة، وإن كشفت الاستطلاعات التسعة منذ عام 2011 أن هذا المنظور لم يتغيّر جوهرياً، على الرغم من انخفاض جوهري "في الذين ذكروا أن الفساد منتشر جدّاً في الأعوام السابقة، لمصلحة زيادة الذين قالوا إنه منتشر إلى حدٍّ ما ومنتشر قليلاً". وقال محمد المصري، وهو منسّق مشروع المؤشّر العربي في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في المؤتمر الصحافي، إن انطباعات المواطنين العرب هذه قد لا تكون صحيحة بالضرورة. وهنا، يمكن ردّ هذا "الشعور" الواسع بانتشار الفساد إلى تآكل ثقة المواطنين العرب بمؤسسات الحكم، وبشعورهم بضعف المجالس التشريعية في تأدية دورها الرقابي، ما يجعل الثقة بها متدنيّة، معطوفاً هذا كله على تناقص الثقة بوسائل الإعلام المحلية، على ما دلّت عليه نتائج المؤشر، كما أوضحها محمد المصري.

نأي عن الأحزاب والانتخابات

والملاحظ أن ضعف الثقة وتناقصها بالمجالس التشريعية (وكثير منها في البلدان العربية منتخبة) وبالحكومات يتوازى مع ضعف مماثل، أو أكثر حدة، تجاه الكيانات المدنية والأهلية، وكذلك الأحزاب السياسية، فقد بلغت نسبة الذين أفادوا بأنهم منتسبون إلى أحزاب سياسية 6% (في البلدان العربية التي فيها أحزاب)، وأفاد 60% بأن ليس لديهم ثقة بالأحزاب السياسية، مقابل 23% يثقون بها. وهذه نسب أعلى مما سبقها في استطلاعات المؤشّر العربي السابقة. كذلك فإن انخراط المواطنين من منظّمات مدنية وأهلية طوعية لا يتجاوز 11%، وإن الانتساب إلى جمعيات وهيئات عائلية أعلى من الانتساب إلى الجمعيات الأهلية والمدنية والطوعية. وقد استخدم المؤشر، تعبير "اللامبالاة السياسية"، في توصيف المسألة، الذي يعكسه، مثلاً، أن الرأي العام منقسم حول ما إن كان المواطنون سيشاركون في الانتخابات المقبلة، والنسبة متساوية (45%)، وذلك بينما كانت 61% نسبة الذين ينوون المشاركة في الانتخابات في 2011، وهو عام الربيع العربي 2011، وقد ظلت هذه النسبة تتناقص حتى وصلت إلى مستواها المتدنّي هذا، الذي يتوازى مع نسبة 1% فقط من غير المنتسبين إلى الأحزاب وينوون الانتساب إليها.

بلغت نسبة الذين أفادوا بأنهم منتسبون إلى أحزاب سياسية 6% (في البلدان العربية التي فيها أحزاب)، وأفاد 60% بأن ليس لديهم ثقة بالأحزاب السياسية

وأمام صنّاع القرار وأصحاب مواقع الحكم والتسيير في الدول العربية أن يعرفوا هذه الحقائق التي تمثل انعكاساً شديد الوضوح لبؤس الحالة السياسية العامة، من حيث إقامة حياة سياسية حيوية، تقوم على التعددية الحقة، وبناء كيفيات تداول للسلطة، وتشريعات وأجواء تشجع على المنافسات الانتخابية لتعكس البرلمانات تمثيلاً حقيقياً لعموم المواطنين. الأمر الذي يطمح إليه المواطنون العرب في قناعتهم بالنظام الذي يأخذ بالديمقراطية، التي عرّفها 34% من مواطني المنطقة العربية بأنها "ضمان الحريات السياسية والمدنية". وفيما أفاد 20% منهم بأنها "ضمان المساواة والعدل بين المواطنين"، فإنه يكون كاشفاً وبالغ الدلالة أن يرى 37% أن الدولة تطبّق القانون بين الناس، ولكنها تميّز لمصلحة بعض الفئات، ويرى 28% أنها لا تطبّق القانون بين الناس بالتساوي على الإطلاق. وبالغ الأهمية أن العراق في أدنى الدول العربية (الـ15) في نسبة من يرون أن الدولة تمثل جميع المواطنين بالتساوي من دون تمييز بين فئة وأخرى، وهي 13% فقط، ولكن الأردن يتفوق عليها في أن 63% يرون أن الدولة تميز لمصلحة بعض الفئات.

لم يكن ممكناً أن يستطرد المؤتمر الصحافي، في تفاصيل كثيرة، منهجية، وأخرى بشأن نتائج أخرى، في أمور عديدة، استقصى بشأنها ألف باحث (نصفهم نساء)، وقضوا أكثر من 413 ألف ساعة، وقطعوا أكثر من مليون كيلومتر. وإذا ما اطلع رجل الإعلام أو رجل السياسة في الحكم على كثير مما لم يتسن الوقت للإضاءة عليه، خصوصاً في شؤون دول معينة، فإن الإشارات على وضع عربي اجتماعي وسياسي متعب ستكون أكثر بؤساً.

تقارير عربية
التحديثات الحية