الكوت... آخر معاقل احتجاجات العراق

23 فبراير 2021
الصورة
تعاني مدينة الكوت من الفقر والبطالة وتراجع الخدمات (أوليغ نيكيشين/Getty)
+ الخط -

خرجت أمس الإثنين، تظاهرة جديدة لأبناء مدينة الكوت في محافظة واسط، جنوب العراق، للمطالبة بما ينادي به الحراك الشعبي في هذا البلد منذ مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2019. وعملياً، من الممكن القول إنه لم يتبق من خريطة الاحتجاجات الشعبية، التي تفجرت في مدن جنوب ووسط العراق، وفي العاصمة بغداد، منذ ذلك الشهر، اليوم، سوى مدينتين: الكوت، وهي العاصمة المحلية لمحافظة واسط (180 كيلومتراً جنوبي بغداد)، ومدينة الناصرية مركز محافظة ذي قار. إلا أن الكوت، التي تقع على الحدود مع إيران، باتت تشكّل اليوم، على أرض الواقع، المعقل الرئيسي، والذي قد يكون الأخير، للحراك الشعبي العراقي، حيث تجري الاحتجاجات بوتيرة يومية. في المقابل، تراجع زخم تظاهرات الناصرية، المدينة الجارة للكوت، حيث تحولّ الاحتجاج إلى أسبوعي، عقب حملات الاعتقال والاستهداف الواسعة التي نفذتها قوات حكومية وجماعات مسلحة مختلفة، وطاولت الناشطين والمتظاهرين في المدينة، ما أسفر عن مقتل وجرح عدد منهم واختطاف آخرين.

خرج الناشطون أمس في مدينة الناصرية أيضاً للتظاهر

ويخرج متظاهرو مدينة الكوت إلى الشارع بشكل يومي، حتى مع إعادة فرض قيود مواجهة تفشي جائحة كورونا، التي عاودت تسجيل أرقام قياسية تتجاوز الخمسة آلاف إصابة يومياً. ويستمر حراك الكوت في تبني الشعارات الرئيسية ذاتها التي رفعها محتجو العراق خلال الأيام الأولى من تظاهراتهم، مثل الدعوة لإرساء الدولة المدنية وتنظيم انتخابات نزيهة وتشكيل محكمة مستقلة لقضايا الفساد، وصولاً الى المطلب الأخير، وهو الكشف عن قتلة المتظاهرين ومحاكمتهم. ويصف أحد الناشطين البارزين في المدينة، التمسّك بهذا التوجه، بأنه "رفع لراية الاحتجاجات، لمنع سقوطها تماماً في العراق"، مؤكداً أن المتظاهرين في الكوت اليوم، "يطالبون بشكل أساسي، بإقالة محافظ واسط، محمد جميل المياحي ونائبيه (رشيد البدري وعادل الزركاني)، والإفراج عن الناشطين المعتقلين والمختطفين في عموم واسط والمدن الأخرى". وبرأيه، فإن وجود التظاهرات في أيّ مدينة عراقية، "يعني إمكانية كبيرة لعودتها إلى وتيرتها الأولى، خصوصاً إذا تلاشى خطر كورونا الذي صبّ لصالح الأحزاب في البلاد".

ولا تخلو احتجاجات الكوت من تصادم المتظاهرين مع قوات الأمن بشكل شبه متواصل، وهو ما أسفر قبل أيام عن مقتل المتظاهر فؤاد الماجدي وجرح آخرين. ودفع ذلك رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، إلى إرسال رئيس جهاز الأمن الوطني، الفريق عبد الغني الأسدي، إلى المدينة، ولقاء الأخير المتظاهرين وزعماء العشائر، بحثاً عن التهدئة. وتعاني الكوت على غرار عدد كبير من مدن العراق، من ارتفاع كبير في معدلات الفقر، التي وصلت إلى 26 بالمائة، بحسب آخر تقرير لوزارة التخطيط العراقية في أغسطس/آب الماضي. كما تسجل الخدمات الصحية والتعليمية في محافظة واسط، تراجعاً مستمراً، لاسيما في النواحي الحدودية مع إيران، مثل مدن بدرة وجصان والشيخ سعد، مقابل ارتفاع نسب البطالة فيها.
وتجددت الاحتجاجات أمس، في الكوت، وتحديداً في ساحتها الرئيسية، بينما رفعت قوات الأمن حالة التأهب في المدينة، لتزامن احتجاجاتها مع حراك مماثل في الناصرية، هو الأول من نوعه منذ نحو أسبوعين. وحاول محتجو الناصرية، اقتحام مبنى المحافظة، مطالبين باستقالة المحافظ ناظم الوائلي ونائبيه (أبا ذر العمر ومحمد الصويلي)، والكشف عن مصير زملائهم المختطفين، والجهات التي تقف خلف استهداف منازل المتظاهرين وتهديدهم.
ويصف عضو مجلس تنسيقية تظاهرات الكوت، إبراهيم سيد المكصوصي، التظاهرات المستمرة في المدينة، بأنها "ذات أهمية بالغة لكرامتهم، وتأتي وفاءً لأصدقائهم الذين قتلوا في المدينة وفي باقي المدن المتظاهرة الأخرى". ويلفت المكصوصي، إلى أن دوافع أو أسباب التظاهر في المدينة، هي نفسها في كلّ مدن العراق، أي البطالة والفقر والفساد وقلّة الخدمات. ويرى الناشط أن هذه الأمور، "وإن كانت من الحقوق الطبيعية للمواطن العراقي، فإن الجميع بات يدرك أنه يستحيل تحقيقها في ظلّ الأحزاب الموجودة في السلطة، فلا يمكن إمهالهم 18 سنة إضافية من الوعود والسرقة والمحاصصة التي اعتاد عليها وعرفها العراقيون منذ العام 2003 ومنذ تاريخ الإطاحة بالنظام السابق"، على حدّ قوله.
ويؤكد المتظاهر البارز في الكوت، طارق ناصح التميمي، استمرار التظاهرات في مدينته، رغم تراجع عدد المشاركين فيها، بسبب ما يصفه بـ"القمع الحكومي وسلاح المليشيات والتهديدات المستمرة للناشطين". ويبّين التميمي في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "هناك أكثر من مهلة أعطيت للحكومة المحلية في المحافظة لتنفيذ المطالب، وتحديداً الكشف عن قتلة المتظاهرين في واسط، لكن بدون جدوى، لذا فإن المطلب الرئيسي هو إقالة المحافظ".
من جهته، يشير الناشط المدني في الكوت، محمد فاضل، إلى أن "من أسباب استمرار احتجاجات الكوت، فشل التيار الصدري، وحتى الحكومة، في إخماد حراك المدينة". ويوضح فاضل، في اتصالٍ مع "العربي الجديد"، أن "غالبية الناشطين في المدينة، لم يدخلوا على خطّ العمل السياسي، بل بقوا متمسكين بساحات الاحتجاج"، لافتاً إلى أن "لدى غالبيتهم قناعة شبه تامة، بأن مفاوضة السلطة أو المشاركة فيها، يعنيان عدم التوصل إلى أي حقٍ من حقوق الضحايا والمغيبين".
وتتركز أساليب الاحتجاج في مدينة الكوت على قطع الطرق وحرق الإطارات والتجمع في ساحة المدينة الرئيسية، بالإضافة إلى رفع الشعارات المختلفة، والتي تصب ضمن مطلب الدولة المدنية، وتهاجم الأحزاب الحاكمة في البلاد. لكن هذا الحراك تطور أخيراً إلى قطع عدد من الطرق الرئيسية التي تؤدي إلى منشآت نفطية ودوائر حكومية، فضلاً عن قطع طريق معبر مهران الحدودي التجاري الرئيسي، بين العراق وإيران.

قطع الطرق الحيوية من أبرز وسائل الاحتجاج في الكوت

بدوره، يؤكد عضو مجلس محافظة واسط، عادل الجيزاني، أن "التظاهرات تراجعت في عموم العراق، ولكنها لم تتراجع كثيراً في الكوت"، معتبراً أن ذلك "يشكل دليلاً على أن الحكومة المحلية لم تمارس تعنيفاً كبيراً ضد الشبّان الغاضبين". ويرى أن هؤلاء "أغلبهم من خريجي الكلّيات والمعاهد"، ولذلك فإن تظاهراتهم "جاءت هادئة، مقارنة بما يجري في محافظات أخرى، ما ساهم في استمراريتها". ويلفت الجيزاني في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "محافظة واسط تشترك مع باقي المحافظات في المشاكل ذاتها"، محذراً من أنه "طالما أن صراعات الأحزاب والفصائل المسلحة على خيرات وموارد المدينة، باقية، فإن هذه التظاهرات لن تتراجع، وحتى لو تراجعت، فإنها ستعود".

المساهمون