الفاشر... الرمز الأخير لسلطة الدولة السودانية في دارفور

26 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 18:57 (توقيت القدس)
مقر الفرقة السادسة التابعة للجيش السوداني في الفاشر (حساب ضياء الدين بلال/فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شنت قوات الدعم السريع هجوماً كبيراً على مدينة الفاشر في 15 إبريل 2023، حيث سيطرت على مقر الفرقة السادسة مشاة وبعض الأحياء السكنية، مع استمرار المعارك وإعادة تموضع الجيش السوداني.

- سيطرت قوات الدعم السريع على أربع ولايات في دارفور وتحاصر الفاشر، مع إصدار مجلس الأمن قراراً بإنهاء الحصار، بينما أعلنت الدعم السريع سيطرتها الكاملة على الفرقة السادسة.

- شاركت حركات مسلحة متحالفة مع الدعم السريع في الهجوم، مما يهدد إقليم كردفان، ويعتبر السيطرة على الفاشر تحولاً خطيراً في الحرب لتحسين موقف الدعم السريع التفاوضي.

شنت قوات الدعم السريع التي تقاتل الجيش السوداني منذ 15 إبريل/نيسان 2023، اليوم الأحد، هجوما هو الأكبر والأعنف من نوعه ضد مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، وتمكنت من التقدم إلى داخل المدينة والسيطرة على مقر الفرقة السادسة مشاة التابعة للجيش وبعض الأحياء السكنية، في وقت أعاد الجيش والقوات المساندة له تموضعهم داخل المدينة.

وأعلنت تنسيقية لجان المقاومة في الفاشر أن المعارك ما زالت مستمرة. وتركزت المعارك بين الطرفين في شمال غرب الفاشر، وجاءت هذه المعركة بعد معارك أخرى أمس السبت، تخللها قصف مدفعي مكثف من "الدعم السريع" استهدف الأحياء السكنية داخل المدينة، ويعد الهجوم الأخير هو المعركة رقم 268 التي تشهدها المدينة منذ بداية الحرب.

وسيطرت "الدعم السريع" منذ الأشهر الأولى للحرب على أربع من خمس ولايات في إقليم دارفور، وهي ولاية جنوب دارفور وعاصمتها مدينة نيالا، ولاية غرب دارفور وعاصمتها الجنينة، ولاية شرق دارفور وعاصمتها الضعين، وولاية وسط دارفور وعاصمتها زالنجي، بينما واصلت محاصرة ومهاجمة مدينة الفاشر عاصمة الولاية الخامسة.

وتمثل مدينة الفاشر واحدة من المدن الكبيرة في غرب السودان، وتبعد عن العاصمة الخرطوم حوالى 802 كيلومتر، وتضم 18 محلية (بلدية) ونحو 90 حياً، كما أنها تضم قيادة الفرقة السادسة مشاة بالقوات المسلحة، وتحد ولاية شمال دارفور من الغرب دولة تشاد، ومن الشمال ليبيا، ومثلت منذ بداية الحرب معقلاً رئيسياً للجيش السوداني في إقليم دارفور. وسبق لمجلس الأمن الدولي إصدار القرار رقم 2736 في 13 يونيو/حزيران 2024 الذي طالب الدعم السريع بإنهاء حصار مدينة الفاشر ووقف الهجوم عليها.

‏وأعلن المتحدث باسم "الدعم السريع" الفاتح قرشي، في بيان، اليوم الأحد، السيطرة الكاملة على الفرقة السادسة العسكرية الاستراتيجية. وأضاف أن تحرير الفرقة السادسة يمثل محطة مفصلية في مسار المعارك التي تخوضها قواتهم ويرسم ملامح الدولة "الجديدة التي يتشارك جميع السودانيين في بنائها، بما يتوافق مع تطلعاتهم المشروعة لإنهاء عهود الظلم والاستبداد والمحسوبية، وإعلاء قيم الحرية والسلام والعدالة"، حسب البيان.

وأوضح قرشي أن "الدعم السريع" ستعمل بالتنسيق مع حكومة (تأسيس) الموازية على توفير الحماية الكاملة للمدنيين وتسهيل عودة النازحين إلى منازلهم وتوفير احتياجاتهم الضرورية. فيما كشف مستشار قائد "الدعم السريع" الباشا طبيق على موقع إكس، اليوم، أن الهجوم على الفاشر والسيطرة على مقر الفرقة السادسة تما بقيادة عبد الرحيم دقلو، وهو شقيق قائد "الدعم السريع" محمد حمدان دقلو المعروف باسم "حميدتي". وأصدرت "الدعم السريع" بيانا ثانيا أعلنت فيه إكمال سيطرتها على الفاشر بعد معارك وصفتها بالبطولية.

وقالت مصادر عسكرية في الفاشر، لـ"العربي الجديد"، إن الجيش انسحب من مقر الفرقة قبل وصول الدعم وأعاد نشر قواته والقوات المساندة في مواقع أخرى بصورة تكتيكية، وأشار المصدر إلى أن الجيش بدأ هجوما معاكسا ضد "الدعم السريع" التي انتشر مقاتلوها داخل مقر الفرقة العسكرية وحولها، وبدأوا في التقاط الصور ومقاطع الفيديو. ولفت إلى أن المعركة لم تنته بعد.

ولم يصدر عن الجيش السوداني أو الحكومة المركزية أي تعليق حول ما حدث في الفاشر، لكن جنودا من الجيش والقوات المساندة له نشروا مقاطع فيديو من داخل المدينة، مؤكدين أنها لم تسقط وأنهم مستمرون في الدفاع عنها. فيما أكدت شبكة أطباء السودان في بيان، اليوم الأحد، مقتل أحد كوادر التمريض وإصابة ثلاثة من الكوادر الطبية نتيجة قصف استهدف مستشفى الفاشر أثناء أداء واجبهم الإنساني في إسعاف الجرحى وتقديم الرعاية الصحية للمواطنين.

وشاركت في الهجوم على الفاشر الحركات المسلحة المتحالفة مع "الدعم السريع"، وهي حركة تجمع قوى تحرير السودان التي يقودها عضو مجلس السيادة السابق الطاهر حجر، وحركة تحرير السودان "المجلس الانتقالي" بقيادة العضو السابق أيضا لمجلس السيادة الهادي إدريس، وحركة العدل والمساواة بقيادة سليمان صندل، والحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، وتنضوي هذه الحركات بجانب كيانات سياسية أخرى تحت ما يعرف بتحالف السودان التأسيسي الذي تقوده الدعم السريع وتتشكل منه الحكومة الموازية التي تتخذ من مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، مقرا لها.

وفي حال سيطرت "الدعم السريع" على الفاشر وولايتها شمال دارفور، تكون بذلك قد وضعت يدها على معظم إقليم دارفور، غربي السودان، الذي يتمتع بحدود مع دول تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، إضافة إلى سيطرتها على أربعة ولايات من أصل خمسة في إقليم دارفور، وأجزاء من ولاية شمال كردفان، ومناطق واسعة في ولاية غرب كردفان، بينما تخضع منطقة جبل مرة لسيطرة حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور التي تتخذ موقف الحياد من الحرب، وجبل مرة هو سلسلة جبلية وعرة تمتد بين ولايات شمال ووسط وجنوب دارفور، بجانب بعض البلدات التي يدافع عنها مواطنون موالون للجيش، خصوصا في شمال دارفور.

وتشمل الولايات الخاضعة لسيطرة الحكومة التي يقودها الجيش كلا من ولاية الخرطوم، ولاية البحر الأحمر، الولاية الشمالية، ولاية كسلا، ولاية القضارف، ولاية سنار، ولاية النيل الأزرق، ولاية النيل الأبيض، ولاية نهر النيل، ولاية الجزيرة، وأجزاء من ولايات شمال كردفان وجنوب كردفان وشمال دارفور، بينما تسيطر الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو المتحالفة مع "الدعم السريع" على مدينة كاودا وعدد من القرى في ولاية جنوب كردفان.

وفي هذا الصدد، قال الضابط السابق بقوات الاحتياط حسن إبراهيم، لـ"العربي الجديد"، إن الفاشر هي المدينة الوحيدة في البلاد التي تعرضت لأكثر وأعنف الهجمات بمشاركة مقاتلين أجانب وحصار خانق من جميع الاتجاهات، ولم تصمد أي مدينة أخرى مثلها، مضيفا أن سيطرة "الدعم السريع" على المدينة إذا تمت تعتبر تحولا خطيرا جدا في مسار الحرب وتشكل تهديدا على إقليم كردفان المجاور، الأمر الذي سيصعب التقدم من هناك نحو دارفور، لافتا إلى أن السيطرة على الفاشر ستمثل أيضا دفعة معنوية كبيرة للدعم السريع وستجعلها تهدد مدناً وولايات أخرى.

ورأى إبراهيم أن تأخير فك الحصار عن المدينة طوال الفترة الماضية وعدم التقدم الجاد نحوها من قبل قيادة الدولة أغرى "الدعم السريع" بالهجوم شبه اليومي عليها، لأنها باتت تشكل رمزية كبيرة وسقوطها سيكون بمثابة الجائزة الكبرى للدعم السريع. واعتبر أن إصرار "الدعم السريع" على إسقاط الفاشر هو هدف سياسي لا عسكري، حيث فقدت "الدعم السريع" هناك آلاف الجنود وتكبدت خسائر فادحة، لكنها لم تتوقف ولم تحترم القرارات الدولية المطالبة بفك حصار المدينة ووقف مهاجمتها لأنها تسعى في الأساس للسيطرة على كامل دارفور للمساومة بها سياسيا.

من جهته، رأى الصحافي السوداني ماجد علي أن سقوط الفاشر بيد "الدعم السريع" لو تحقق يعني أن الجيش فقد آخر وأقوى معاقله في إقليم دارفور بأكمله، وأن خطورة ذلك تكمن في أن "الدعم السريع" لن تتوقف عند هذا الحد، بل سوف تسعى للحصول على مدن ومناطق أخرى. وأشار علي إلى أن توقيت الهجوم بقيادة شخصية من عبد الرحيم دقلو، شقيق "حميدتي"، يتزامن مع محادثات غير مباشرة ترعاها الولايات المتحدة في واشنطن بين الجيش و"الدعم السريع"، وكان من المتوقع احتدام المعارك بالتزامن مع المحادثات، لأن "الدعم السريع" تريد تحسين موقفها التفاوضي بعد أن فقدت خلال الفترة الماضية الكثير من المناطق، لافتا إلى أن إكمال سيطرتها على إقليم دارفور بولاياته الخمس هو ورقة رابحة جدا بالنسبة لها في أي مفاوضات أو تسوية سياسية مقبلة.

المساهمون