العودة التي تمهد للعودة

29 يناير 2025   |  آخر تحديث: 00:51 (توقيت القدس)
من مشهد العودة إلى شمال غزة، 28 يناير 2025 (علي جادالله/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بعد اتفاق وقف إطلاق النار في الجزائر عام 1962، شهدت المنطقة عودة اللاجئين الجزائريين إلى أراضيهم، مما أنهى حقبة الاستيطان الاستعماري بفضل المقاومة الجزائرية.
- في مايو 2000، عادت سكان الجنوب اللبناني إلى قراهم بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، مما أكد إمكانية تغيير المعادلة العربية رغم التضحيات.
- مشهد عودة الفلسطينيين إلى غزة يمثل فشلاً لمخططات التهجير، ويعزز "حق العودة" كأحد المطالب التاريخية للشعب الفلسطيني، مما يثير قلق الحكومة الإسرائيلية ويعيد حسابات الأطراف المختلفة.

بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 19 مارس/آذار 1962 بين جبهة التحرير في الجزائر وفرنسا، فتحت البوابات على الحدود مع المغرب وتونس خصوصاً، ورفعت أسلاك المحتشدات في الداخل (ما يشبه مراكز الاعتقال) لعودة اللاجئين الجزائريين الذين هجروا من أراضيهم، إلى قراهم وبلداتهم. كان هؤلاء يمرون أمام عساكر الاستعمار في طريق العودة الى الأرض، وكان هذا المشهد مدمراً لحلم احتلالي دام وقتاً طويلاً من الزمن، وعودة أهل الأرض إلى الأرض ونهاية الاستيطان على يد المقاومة الجزائرية.

في مايو/أيار 2000، تمتعت عيون الأحرار في لبنان والأمة العربية والإسلامية والعالم، وتكحلت بمشهد عودة السكّان إلى قرى الجنوب اللبناني إثر التحرير والانسحاب تحت جنح الليل للقوات الإسرائيلية. كان ذلك يعني أن زمن الهزائم قد ولّى وأن الهزائم ليست قدراً عربياً، وأن هناك فعلياً إمكانية لتغيير المعادلة على مرارة التضحيات بعد اندحار جيش الاحتلال وحلفائه على يد المقاومة اللبنانية.

لا تحتاج القصة للتذكير بفارق السياقات والظروف، لكن مشهد عودة أهل شمال غزة، فاق كل طاقة تصور على مستوى المشهدية والرسائل السياسية والشعبية، وليس في إمكان أي تقدير سياسي الإحاطة بكل أبعاده في الوقت الراهن، ذلك أن المسألة تتجاوز مجرد عودة سكان إلى منازلهم وأحيائهم حتى وهي مدمرة، أو معنى تمسك بالأرض، إلى فعل مقاومة شعبية هادرة وظّفت بالشكل السليم وفي التوقيت الصحيح، لإعلان فشل مخطط التهجير الذي أطلق بداية العدوان قبل عام، ولإحباط استباقي لمخطط ونيات تهجير يجسّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأنها يمنة ويسرة. 

كان الإسرائيلي ينتظر مشاهد لطوابير اللاجئين وهي تعبر الحدود إلى خارج غزة، وأن يلحق سكّان غزة بقوافل اللاجئين الذين تفرقت بهم السبل في الشتات، حتى صدمته مشاهد "الحج" الفلسطيني إلى داخل غزة. بكل الأحوال، يحفر مشهد العودة الفلسطينية عميقاً في العقل الإسرائيلي وينزل به شرّ هزيمة، بعد كل هذا التخطيط والتدبير ضد الإنسان والأرض الفلسطينية، ليس لأنه يُعمّق الخلافات بين المجموعات السياسية المتناحرة داخل الحكومة الإسرائيلية وخارجها، فحسب، وقد بدأ صراخ القادة المتطرفين مبكراً (إيتمار بن غفير قائد حزب "القوة اليهودية" المتطرف، اعتبر عودة الفلسطينيين إلى شمال غزة استسلاما إسرائيليا كاملا)، أو لأنه يدفع كل الأطراف بما فيها الفلسطينية في سلطة التنسيق الأمني إلى مراجعة حساباتها إزاء مستقبل غزة، ولكن أيضاً بسبب مسألة أخرى على قدر من كبير من الأهمية والحساسية.

ظل "حق العودة"، أحد أبرز المطالب التاريخية للشعب والحركة الوطنية الفلسطينية، سواء في حالات المقاومة أو التفاوض، لكنه وللمرة الأولى يأخذ شكلاً مشهدياً في المتن الفلسطيني، ويشعر الفلسطينيون أن "العودة من الشتات" يجب أن تخرج من حقل المستحيل، وأن ما حدث في غزة، كان "بروفة" لطوفان العودة الممكن.

المساهمون