العميل المصري في برلين: مفاوضات لتقليل الأضرار ومراجعة للتنسيق

18 نوفمبر 2020
الصورة
أمدّ العميل القاهرة بمعلومات عن تحركات المتظاهرين ضد السيسي (شون غالوب/Getty)
+ الخط -

وصف مصدر دبلوماسي غربي في القاهرة بيان المدعي العام الاتحادي الألماني بشأن العميل المصري الذي تم اكتشافه في المكتب الإعلامي الاتحادي للمستشارة أنجيلا ميركل، بأنه "حصيلة اتفاق سياسي بين القاهرة وبرلين على تخفيف وقع القضية محل التحقيق على الرأي العام الألماني والمصري، مقابل إجراءات ستتخذها الحكومة الألمانية ضدّ نظيرتها المصرية في ملفات التعاون الأمني والاستخباراتي خلال السنوات الثلاث المقبلة على أقل تقدير".
وتضمن قرار الاتهام الصادر عن المدعي العام الألماني بحق العميل المتهم (أمين ك.)، وهو ألماني من أصل مصري، اتهامات بالعمل لحساب جهاز المخابرات العامة المصرية، وأحيلت القضية إلى دائرة أمن الدولة بالمحكمة الإقليمية للعاصمة برلين، لكن طبيعة الأنشطة التي مارسها العميل لصالح المخابرات المصرية طوال عشر سنوات تقريباً، جاءت متواضعة، بحسب الاتهامات، وفقيرة بالنظر للمركز الوظيفي الذي كان يتمتع به (كان يعمل في قسم الزيارات بالمركز الإعلامي الاتحادي، وهو القسم المسؤول خصوصاً عن التغطية الإعلامية لنشاطات المستشارة). ونسب له قرار الاتهام أنه كان يقدم للمخابرات المصرية تحليلاً لتوجهات الإعلام الألماني في تناوله للقضايا المصرية "مستغلاً إمكانياته اللغوية المتميزة"، وأنه قدم تلك الخدمات مقابل حصول والدته المقيمة في مصر على معاش تقاعدي.

طلبت مصر  من ألمانيا عدم إعلان الأنشطة التي كان العميل مكلفاً بها

وذكر المصدر الدبلوماسي، الذي اطلع على جزء من مفاوضات سياسية وأمنية حول القضية بعد كشفها للعلن بواسطة هيئة حماية الدستور التابعة لوزارة الداخلية الألمانية في يوليو/تموز الماضي، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنّ "الجانب المصري طلب بشكل أساسي عدم إعلان طبيعة الأنشطة التي كان العميل مكلفاً بها، خشية انكشافها للرأي العام المصري والعواصم الغربية الأخرى". وأضاف أن "الجانب الألماني كان واثقاً بعد التحقيق الذي امتد لنحو ستة أشهر قبل الإعلان عن الواقعة، من أن العميل المصري فشل في الحصول على أي معلومات بارزة من دار المستشارية، ولذلك كان اكتشاف القضية نهاية العام الماضي مثيراً للشفقة أكثر من كونه مثيراً للغضب".
وتابع المصدر أنّ "جهات التحقيق الألمانية تأكدت بشكل لا لبس فيه من أنّ المهمة الأولى والرئيسة للعميل المصري كانت مراقبة المواطنين المصريين المقيمين في ألمانيا ورجال الأعمال من أصل مصري والدبلوماسيين المصريين أيضاً، وأنّ عدداً محدوداً للغاية من الأشخاص الذين عملوا بالسفارة المصرية في السنوات الأخيرة كانوا على دراية بطبيعة نشاط هذا العميل. كما أنّ بعض السفراء المصريين في برلين الذين تعاقبوا على مدار السنوات العشر، لم يعرفوا شيئاً عن ذلك النشاط إطلاقاً، مما يرجح أنه كان يعدّ تقارير عن مسلكهم وعلاقاتهم كذلك".

المهمة الرئيسة للعميل كانت مراقبة المواطنين المصريين

وأوضح المصدر أنّ "المعلومات والتقارير التي أرسلها العميل إلى المخابرات المصرية كانت متواضعة الكم والأهمية قبل انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013، إذ زاد بعد ذلك اهتمام النظام المصري بمراقبة تحركات المصريين المقيمين في برلين، ولا سيما آلاف الشباب والنشطاء والإسلاميين الذين هاجروا خوفاً من بطش النظام المصري، وحاولت مجموعات منهم العمل على التجمع واللقاء والتنسيق قبيل بعض المناسبات، مثل زيارات الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ألمانيا".
فعلى سبيل المثال؛ أمدّ العميل القاهرة بمعلومات عن تحركات المتظاهرين ضد السيسي خلال ثلاث زيارات للأخير إلى برلين في يونيو/حزيران 2015 وأكتوبر/تشرين الأول 2018 ونوفمبر/تشرين الثاني 2019، وعددهم المتوقع وأماكن معيشة الداعين لتلك التظاهرات. كما أرسل معلومات عن لقاءات جمعت بعض العاملين بالسفارة المصرية عام 2017، بنواب يساريين ونشطاء حقوقيين ألمان ومن جنسيات أخرى، وكذلك عن لقاءات عقدها نشطاء مصريون لتنسيق فعاليات معارضة لتنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية عام 2016.

وأشار المصدر إلى أنّ "التقارير الخاصة بتحليل خطاب الصحف ووسائل الإعلام تمثّل قسماً بسيطاً من المعلومات التي كان يرسلها العميل بشكل شهري، لكن المصريين خلال المفاوضات طلبوا من نظرائهم عدم إبراز جوانب أخرى، وهو ما استغله الألمان لفرض شروط جديدة على التعامل الأمني والاستخباراتي بين الطرفين. فعلى الرغم من تحسّن العلاقات الثنائية في هذا الملف أخيراً، إلا أنّ هناك رغبة من حكومة ميركل بمراجعة مستويات المساعدة المقدمة لمصر، خصوصاً في سياق التدريبات التي تقدم بشكل شبه دوري لرفع مستوى الخدمات الأمنية، والمساعدات التكنولوجية، وتبادل المعلومات".

هناك رغبة من حكومة ميركل بمراجعة مستويات المساعدة المقدمة لمصر

وذكر المصدر أنّ القاهرة تراهن بشكل أساسي على التعاقدات العسكرية التي تبرمها مع ألمانيا وعقود الاستثمار التي تمنح على نطاق واسع للمقاولين ورجال الأعمال الألمان، خصوصاً في المدن الجديدة، إلى جانب تطوير التعاون مع شركة "سيمنز"، الشريك الأكبر لنظام السيسي في مجال الكهرباء حالياً، لتجاوز قضية العميل.
وجاء إعلان هيئة حماية الدستور في ألمانيا في تقريرها السنوي في يوليو الماضي، عن اكتشاف العميل المصري، ليقدم دليلاً قاطعاً على الممارسات التي عكف النظام المصري عبر تكريس أموال طائلة ومجهودات متواصلة في الدول الأوروبية والعربية وتحديداً العواصم التي تقيم بها جاليات مصرية كبيرة، لمراقبة المواطنين المصريين المقيمين في الخارج حتى ولو تخلوا عن الجنسية المصرية، والسيطرة على تحركاتهم واتصالاتهم. الأمر الذي كان ينكشف دوماً في صورة اعتقال النظام لنشطاء مصريين بعد عودتهم من تلك العواصم لمصر على سبيل العودة النهائية أو الزيارة، وكذلك في الضغوط التي تمارس على ذويهم داخل مصر لأغراض مختلفة.
وكان ذكر التقرير أنّ "مصر تعمل على تجنيد مواطنين مصريين أو من أصول مصرية يعيشون في ألمانيا، للحصول على المعلومات. كما يتم استخدام البيانات التي يتم تسجيلها لدى البعثات الدبلوماسية المصرية وخلال رحلات المواطنين إلى مصر لأغراض استخباراتية".
وسبق أن قال مصدر دبلوماسي مصري بديوان وزارة الخارجية لـ"العربي الجديد"، في يوليو الماضي، إنّ "العلاقات بين القاهرة وبرلين لم تتأثر كثيراً في الأشهر الستة الماضية (فترة التحقيق قبل كشف الواقعة للعلن) بسبب هذه الواقعة تحديداً، ولكن كانت هناك العديد من النقاط الخلافية خصوصاً حول الشأن الحقوقي والأوضاع في ليبيا، لكنها كذلك لم تؤثر بالسلب على ملفين مهمين. أولهما يرتبط بالواقعة بشكل مباشر وهو التعاون الأمني المتطور بين البلدين، خصوصاً في مجال مراقبة "الإسلاميين الشرق أوسطيين" الذين ينشطون في أوروبا، والإسلاميين المتطرفين الألمان الذين يفدون إلى مصر ودول المنطقة، والحد من الهجرة غير النظامية، على الرغم من أن برلين كان لها موقف محافظ إزاء الأفكار التي طرحت بين القاهرة وفيينا وروما في العامين الماضيين لتحويل مصر إلى محطة لاستقبال اللاجئين وإعادة تأهيلهم وتوزيعهم على دولهم باتفاق طويل الأجل مدعوم من الاتحاد الأوروبي".
أما الملف الثاني الذي لم يصبه ضرر، فهو التسليح. فقبل ساعات معدودة من صدور تقرير حماية الدستور متضمناً تلك الفقرة الفاضحة لممارسات النظام المصري، أبلغ وزير الاقتصاد الألماني البرلمان بموافقة مجلس الأمن الاتحادي على تصدير غواصة رابعة لمصر، وسط انتقادات سياسية وحقوقية من أحزاب وقوى مختلفة ووسائل إعلام.

المساهمون