العفر في القرن الأفريقي هدفاً لإسرائيل بعد "اعترافها" بـ"أرض الصومال"
استمع إلى الملخص
- يعاني أبناء قبيلة العفر من قمع ممنهج في إريتريا، مما دفعهم للبحث عن دعم دولي، حيث شهدت إثيوبيا مؤتمراً يركز على نضالهم وتوحيد جهودهم في الدول الثلاث.
- ترى إسرائيل دوراً استراتيجياً في دعم قبيلة العفر، بهدف خلق كيان سياسي محمي في منطقة دنكيلية، مما يعزز أمنها القومي في البحر الأحمر.
كشف موقع إعلام عبري أنّ إسرائيل بعد اعترافها بـ"أرض الصومال" في 26 ديسمبر/كانون الأول الماضي تحاول حبك السيناريو نفسه تقريباً، وتبحث عن موطئ قدم في إريتريا وجيبوتي وهذه المرة عبر استمالة سبط العفر القبيلة المنتشرة في القرن الأفريقي. ولا تترك إسرائيل منطقة أو دولة إلّا وتنسل من خلال شقوقها وتصدعاتها لتحقيق مصالحها الاستراتيجية وعلى رأسها الأمنية؛ فمرّة باستغلال الاضطرابات، وثانية بحرية تنشدها شعوب ضدّ جور حكامها، وأخرى بحجج حماية الأقليات.
ومن هذا المنطلق أتى اعترافها بإقليم "أرض الصومال" الانفصالي دولة مستقلة، بعدما أدرجت القرن الأفريقي في سلّم أولوياتها ضمن البحث عن خيارات عملية لتعزيز حضورها البحري والاستخباري في البحر الأحمر، إثر ما واجهته في العامَين الأخيرَين من تحديات فرضتها جماعة الحوثيين في اليمن. وتنسج إسرائيل منذ مدّة خيوطها حول إريتريا وجيبوتي، لتنفذ منهما إلى البحر الأحمر. أمّا الشق الذي تُخطط للانسلال عبره هذه المرّة فهو قبيلة العفر التي يعيش غالبية أهلها في ولاية عفر بأثيوبيا وشمال جيبوتي، ممتدين من هناك على كامل الساحل الجنوبي لإريتريا.
القبيلة كانت قد تصدرت العناوين في فبراير/شباط من العام الماضي، بعدما نشرت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والمناهضة للحوثيين، شهادة أحد أبناء العفر، وهو مواطن إريتري يُدعى علي أحمد يعيدي. في شهادته المصوّرة، التي نالت اهتمام الإعلام الإسرائيلي، كشف اليعيدي عن "كيفية تجنيد الحوثيين لشبان من القرن الأفريقي في صفوفهم"، وكيف أقامت في المنطقة الواقعة في شرق أفريقيا "خلايا إرهابية" تُطل وتشرف على البحر الأحمر، على حد وصفه؛ إذ فصّل أيضاً "كيف تعهدت إيران بمساعدة القبيلة".
وفي الصدد، زعم موقع "واينت" العبري، اليوم الاثنين، والذي كان قد تابع على نحوٍ لافت شهادة اليعيدي، أن "كُثراً من أبناء القبيلة (سنيّة المذهب كما لفت الموقع) يدركون خطورة التدخل الإيراني وتوسّع المحور الشيعي (بحسب وصف الموقع أيضاً) في المنطقة، ولا يزالون يبحثون عن حلول لتحدياتهم متطلعين إلى إسرائيل".
ولفت الموقع إلى أنه في الفترة الممتدة بين 28 إلى 30 ديسمبر/كانون الأوّل الماضي، عُقد في إثيوبيا مؤتمر شعبي لأبناء القبيلة الإريتريين، تحت شعار "توحيد النضال ضد النظام الحاكم". وقد حضر المؤتمر مسؤولون سياسيون، وممثلون عن الشباب والنساء، وزعماء دينيون، ووفود من أبناء القبيلة من جيبوتي وإثيوبيا، ونشطاء إريتريون، وصحافيون، ومدافعون عن حقوق الإنسان. أمّا هدف المؤتمر فكان تسليط الضوء على قضية القبيلة ونضالها المستمر ضد "الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة"، الحاكمة في إريتريا.
خلفية انعقاد المؤتمر أتت إثر ما يصفه أبناء القبيلة بالقمع الممنهج ضدهم من جانب النظام الحاكم في إريتريا، وذلك من خلال "القتل، والاعتقالات التعسفية، والتهجير القسري، ونهب الموارد الطبيعية، وحتّى حظر الصيد". وقد أولى المؤتمر، وفقاً لـ"واينت"، أهميّة للربط بين أبناء القبيلة المنتشرين في دول القرن الأفريقي الثلاث، موصياً المجتمعات المنتمية للقبيلة بتقديم ملاذ للهاربين من القمع في إريتريا والعمل على خلق بيئة داعمة لهم.
في أريتريا تحديداً، تمتد القبيلة على موقع استراتيجي مهم جداً بالنسبة لإسرائيل؛ إذ في مقابل موقعها تقع المناطق التي يُسيطر عليها الحوثيون، فضلاً عن قربها من مضيق باب المندب الذي أغلقته الجماعة خلال حرب الإبادة على قطاع غزة، مانعة مرور السفن المتجهة إلى ميناء إيلات، أو تلك المملوكة لشركات تتعامل مع إسرائيل. وإن لم يكن ما سبق كافياً، فيُضاف إليه التوتر المتصاعد بين إريتريا وإثيوبيا الساعية إلى منفذ للوصول إلى البحر الأحمر، وهي التي تربطها علاقات استراتيجية مع إسرائيل.
وفي الأثناء، نقل الموقع عمّن وصفه بـ"مصدر من قبيلة العفر" قوله إنّ "الأزمة التي يمرّ بها أبناء القبيلة في إريتريا ليست قضية إنسانية فحسب، بل قضية استراتيجية أيضاً"، مضيفاً أن "إيران تمثّل عدواً مشتركاً، فالمنطقة الجغرافية لدنكيلية (المنطقة التي تعيش فيها القبيلة التي تُعرف أيضاً بالدناكل في إريتريا)، مع القمع وعدم الاستقرار فيها، مرتبطة مباشرةً بمخاوف أمنية إقليمية ودولية".
وأوضح أنه "في هذا السياق، تبرز إسرائيل بوصفها دولةً يمكن أن تلعب دوراً بناء"، على حد ما نقل عنه الموقع، مضيفاً أن ذلك عائد إلى اعتبارها "ذات خبرة واسعة في أمن البحر الأحمر وفهم عميق للجغرافية السياسية في الشرق الأوسط ومنطقة القرن الأفريقي"، وتابع أن "إسرائيل تمتلك مصلحة استراتيجية وقدرة مؤسّسية على التدخل. وأمن البحر الأحمر يُصنّف بالفعل مصدر قلق إسرائيلي، كما أن عدم الاستقرار، وخصوصاً زيادة تدخل الجهات المرتبطة بإيران، يجعل المنطقة أكثر أهمية لحسابات الأمن القومي لإسرائيل".
وأضاف الموقع نقلاً عن المصدر نفسه، قوله إنه "بعيداً عن الدبلوماسية، تمتلك إسرائيل أيضاً النفوذ السياسي والأمني والدولي اللازم للمساعدة في تشكيل واقع جديد على الأرض"؛ إذ بحسبه "إسرائيل قادرة، إذا أرادت، على المساهمة في ظهور كيان سياسي محمي بحكم الواقع في دنكيلية، يمكنه الحد من السيطرة القسرية للنظام الإريتري، والحد من تدخل الوكلاء الخارجيين، وتوفير إطار للأمن والحكم لسكان العفر حتى في غياب اعتراف رسمي من الدولة، ويمكن لإسرائيل ربط حماية أبناء القبيلة الإريتريين بأمن البحر الأحمر".
وإذ لا يمكن التيقن من حقيقة "مصدر من قبيلة العفر" الذي نقل أقواله "واينت"، وحتّى وما إذا كان الكلام بالفعل صادر عن أحد أبناء القبيلة أم من مخيّلة معدّة التقرير ليؤور بن آري، فالأخيرة تعبّر عملياً عمّا تنشده إسرائيل وتتطلع إلى تحقيقه في المنطقة من خلال تسليطها الضوء على هذه القضية. وتابع الموقع نقلاً عن المصدر نفسه أن "إعادة تأطير أزمة القبيلة في دنكيلية على أنها مسألة أمن مشترك في البحر الأحمر وليس مجرد قضية داخلية في إريتريا، يخلق مساحة لمشاركة دولية أكثر فاعلية، يمكن لإسرائيل أن تنخرط في لعب دور مؤثر فيها على نحوٍ خاص".
إلى ذلك، زعم الموقع أن الفكرة (بخصوص تطلع القبيلة إلى مساعدة إسرائيل) كانت قائمة منذ وقت طويل حتّى قبل الاعتراف الإسرائيلي بـ"أرض الصومال"، لكن "يمكن القول إنّ الاعتراف عزّز لدى مجموعات أخرى الاعتقاد بأن إسرائيل يمكن أن تساعدها أيضاً"، بحسب ما فهمته بن آري من محادثتها مع المصدر.