العراق: فصول الانتخابات التشريعية ما بعد الاحتلال الأميركي

07 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
لافتات انتخابية في بغداد، 4 نوفمبر 2025 (مرتضى السوداني/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الانتخابات البرلمانية السادسة في العراق، المقررة في 11 نوفمبر، تشهد صراعاً سياسياً ومقاطعة من التيار الصدري والحركات المدنية بسبب الشكوك في نزاهتها، رغم الإنفاق الكبير على الدعاية الانتخابية.

- منذ 2003، تعاني الانتخابات العراقية من انقسامات طائفية وتحشيد ديني، مع اعتماد المحاصصة الطائفية، مما أدى إلى تراجع الاندفاع الشعبي نحو الانتخابات بسبب اليأس من التغيير.

- الانتخابات السابقة شهدت تدخلاً دولياً ومشاركة شعبية منخفضة، مما أدى إلى أزمة سياسية طويلة. الانتخابات المقبلة تواجه مخاوف من عرقلة الاقتراع وزيادة النقمة الشعبية، مع استياء من فشل الأحزاب في تحقيق تغيير حقيقي.

لم يبقَ إلا أيام على إجراء الانتخابات البرلمانية السادسة في العراق منذ الاحتلال الأميركي عام 2003، والمقررة في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، وهي الانتخابات الأكثر احتداماً من ناحية الصراع السياسي والأكثر مقاطعة، سواء بطريقة منظمة كما حال التيار الصدري، أكبر القواعد الشيعية الفاعلة في الوضع السياسي، أو الحركات المدنية التي اختارت عدم المشاركة باعتبار الانتخابات "غير نزيهة" وفقاً لاعتقادها. رغم ذلك، تعد الانتخابات في العراق من الأعلى سقفاً في الإنفاق على الدعاية الانتخابية، حيث تنفق الأحزاب ملايين الدولارات على مرشحيها للإعلانات والظهور الإعلامي.

هذه الانتخابات لا تختلف من ناحية الآليات عن الانتخابات الخمسة التي أجريت سابقاً في العراق لكن ما يميّزها أنها تأتي في لحظة اصطدام مع واقع متردٍ يعيشه العراقيون، واستياء شبه كامل يخيّم عليهم، وهم الذين ما كانوا يظنون أن العملية الديمقراطية ستفضي إلى هذا الحال المشوه، خصوصاً مع استخدام المال السياسي وموارد الدولة وتسخيرها لصالح بعض الأحزاب، وتحديداً الكبيرة ومن كل المكونات، حيث يؤشر إلى هذه الانتخابات أنها الأعلى من ناحية التجاوزات القانونية، على أصعدة الإنفاق والدعاية والخطاب الطائفي.

وعقب إسقاط نظام صدام حسين في إبريل/ نيسان 2003 ودخول القوات الأميركية إلى العراق جرى الاتفاق على آلية الانتخابات كل أربع سنوات، عبر مبدأ التداول السلمي للسلطة. غير أن هذه التجربة التي وُلدت وسط الاحتلال شهدت انقسامات طائفية وتحشيداً دينياً، إلى جانب واقع أمني هش. انتهى ذلك إلى اعتماد المحاصصة الطائفية عرفاً سياسياً يجري التعامل معه في العراق وكأنه دستور ثابت.

وما زال العراقيون يعيشون ترسبات مرحلة البناء الأولى للعملية السياسية، مع ما فيها من أخطاء الصانع الأميركي والمؤثر الإيراني فيها، ويتحملون ضريبتها. ولم تكن للعراقيين أي يد في ما حدث، في اختيار الوجوه التي برزت مع دخول القوات الأميركية، ثم احتكار الأحزاب الدينية السلطة، ما جعل الاندفاع الشعبي نحو صناديق الاقتراع يتراجع تدريجياً بسبب اليأس من التغيير عبر الانتخابات، التي تنخفض فيها المشاركة الشعبية على نحو واضح في كل نسخة منها.

وجرى أول اقتراع بعد الاحتلال الأميركي في يناير/ كانون الثاني 2005، وكان مخصصاً لاختيار الجمعية الوطنية الانتقالية التي تولت صياغة الدستور الجديد، وسط موجة من العنف والهجمات والتفجيرات التي طاولت مراكز الاقتراع، فيما شهد هذا الاستحقاق مقاطعة كبيرة من المكوّن العربي السنّي بسبب قرار اتخذته قوى وازنة سياسية واجتماعية، اعتبرت تنظيم الانتخابات تحت الاحتلال الأميركي غير صحيح.


صالح المطلك: كل الأحزاب ستحاول الحصول على المناصب الهامة والوزارات والهيئات


وفي هذا الاقتراع فاز الائتلاف العراقي الموحد (وهو مجموعة الشخصيات والقوى الشيعية) بنحو 140 مقعداً من أصل 275، فيما جاء ثانياً التحالف الكردستاني (يمثل القوى السياسية في إقليم كردستان العراق) بينما شاركت القوى السنّية بشكل محدود عبر شخصيات منفردة، إلى جانب تيار الإخوان المسلمين، الذي قرر الدخول والمشاركة. عقب ذلك، اختير إبراهيم الجعفري رئيساً للوزراء، وكانت أولى الحكومات العراقية بعد الاحتلال الأميركي، لكنها كانت انتقالية تهدف إلى البدء بعملية صياغة الدستور الدائم للبلاد.

أول انتخابات في العراق

وفي ديسمبر/ كانون الأول 2005، أجريت أول انتخابات تشريعية في العراق، وتوجه العراقيون بشكل كبير نحو صناديق الاقتراع، حيث كانت التطلعات والآمال كبيرة في عراقٍ جديد. وشهدت الانتخابات حالة استقرار إلى حد ما، خصوصاً مع مشاركة معظم القوى السياسية من المكونات الكبيرة في البلاد، بما فيها القوى السياسية السنّية. وجاءت النتائج بحفاظ "الائتلاف العراقي الموحد" على الصدارة بـ128 مقعداً، تلاه التحالف الكردستاني ثم جبهة التوافق (عدد من الأحزاب السنّية). وعقب أشهر من المشاورات التي كانت محتدمة سياسياً، أفضت الاتفاقات لاختيار نوري المالكي رئيساً للوزراء في مايو/ أيار 2006.

الانتخابات التشريعية الثانية، في مارس/ آذار 2010، جرت وسط تصاعد التوتر السياسي والاتهامات بالفساد وتنافس حاد على "الكتلة الكبرى" في البرلمان، التي كان من المفترض أن تتكفل بتشكيل الحكومة الجديدة، قبل أن تتدخل المحكمة الدستورية (الاتحادية) وتفسّرها بما يتلاءم مع رغبة نوري المالكي، وتحسم الجدل لصالحه عبر اعتبارها تتشكل من مجموعة تكتلات وأحزاب تصل إلى البرلمان. ورغم أن "القائمة العراقية" بزعامة إياد علاوي فازت بـ91 مقعداً، فيما حصل "ائتلاف دولة القانون" بزعامة المالكي على 89 مقعداً، إلا أن تفسير المحكمة الاتحادية سمح للمالكي بتشكيل تحالف واسع والاستمرار في رئاسة الحكومة لولاية ثانية.

وفي ديسمبر 2011، انسحبت القوات الأميركية، ودخلت البلاد بعدها مرحلة جديدة من الفساد وسوء التصرف بموارد الدولة، واستولت الأحزاب الحاكمة على المناصب بطريقة أكثر إحكاماً. كما انتعشت الجماعات المسلحة، وتدهورت أحوال الجيش العراقي، كما تغول الضغط الأمني على المناطق التي تسكنها أغلبية سنّية، وأودى التخبط الأمني والخلافات السياسية أخيراً إلى احتلال تنظيم داعش مدينة الموصل في يونيو/ حزيران 2014. وقبل احتلال التنظيم الإرهابي الموصل بشهرين كانت قد أجريت ثالث انتخابات عراقية، وجاءت على وقع احتجاجات عارمة وكبيرة في معظم محافظات غرب وشمال العراق، وهي المحافظات السنّية التي انتفضت بوجه تصاعد الاستهداف الطائفي لحكومة المالكي ونفوذ الجماعات المسلحة وزيادة الاستقطاب الطائفي وتدهور الخدمات وتفشي الفساد.

ورغم ذلك، فاز "ائتلاف دولة القانون" بنحو 92 مقعداً في البرلمان، لكن الظروف وتدخل السيد علي السيستاني، كبير المراجع الشيعية في العراق، أجبر المالكي على التنحي، وتولى حيدر العبادي رئاسة الحكومة في أغسطس/ آب 2014. ولم تكن هذه الحكومة أكثر من كونها خاضعة للظروف والتحديات الأمنية والاقتصادية والتصدي لتنظيم داعش الذي انتهى عملياً في يوليو/ تموز 2017.

وفي مايو 2018، أجريت الانتخابات الرابعة، وسط عودة الآمال بالإصلاح السياسي الشامل، والهدوء الأمني وانتظار ما هو جديد، خصوصاً على مستوى المناطق التي هجّر أهلها ودمرت بفعل الحرب، ووعود محاربة الفساد ومحاسبة المتورطين بالحرب وسقوط نحو ثلث مساحة العراق بيد "داعش". وفاز في هذه الانتخابات، تحالف "سائرون" التابع لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بالمركز الأول بواقع 54 مقعداً، تلاه تحالف "الفتح" بزعامة هادي العامري، ثم تحالف "النصر" بزعامة حيدر العبادي. وتحالف الفائزون في ما بعد، وعقب مفاوضات طويلة بين الكتل، تم الاتفاق على ترشيح عادل عبد المهدي لرئاسة الوزراء مرشحاً توافقياً.

تنامي الغضب الشعبي

لكن حكومة عبد المهدي لم تصمد كثيراً مع تنامي الغضب الشعبي من سياسات الأحزاب التي لم يكن يبدو عليها أنها ذاهبة باتجاه الإصلاح والتغيير، خصوصاً مع اندلاع احتجاجات شعبية غاضبة في معظم محافظات البلاد في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، التي واجهتها معظم أحزاب السلطة في البلاد بالتنكيل، فيما أخذت الجماعات المسلحة تقتل وتختطف النشطاء وتروّعهم. وتراجعت الاحتجاجات بعد أشهر من الصمود ومقتل نحو 800 عراقي وجرح نحو 28 ألف متظاهر، وحققت جزءاً من مطالبها، باستقالة عادل عبد المهدي وتغيير نظام الانتخابات وتأسيس أحزاب جديدة.

وفي أكتوبر 2021، جرت الانتخابات الخامسة، وحظيت بإشراف دولي واسع، لكن المشاركة كانت الأدنى، حيث تقدر مراصد ومراكز حقوقية نسبة المشاركة بـ18%. لكن النسب الحكومية قالت إنها تجاوزت 40%. وفاز في الانتخابات التيار الصدري بـ73 مقعداً، فيما تراجع تحالف "الإطار التنسيقي" الذي يضم القوى الشيعية المقربة من إيران، لكن التيار الصدري فشل في تشكيل الحكومة، ولم يتم التوصل إلى أي آلية لتشكيل حكومة توافقية، ما أدى إلى أزمة سياسية دامت أكثر من عام، وانتهت بانسحاب التيار الصدري من البرلمان، وشُكلت حكومة محمد شياع السوداني في أكتوبر 2022 بدعم من قوى "الإطار التنسيقي".

مخاوف من عرقلة سير الاقتراع

ومن المقرر أن تجرى الانتخابات التشريعية السادسة في 11 نوفمبر الحالي، وسط مخاوف من احتمالات أي عرقلة لسير عملية الاقتراع، خصوصاً مع زيادة النقمة الشعبية. كما أن الأجواء الإقليمية غير مستقرة، لا سيما أن التهديدات الإسرائيلية والأميركية تتواصل، مع انفجارات وقعت خلال اليومين الماضيين في معسكرات ومخازن أسلحة تابعة لهيئة "الحشد الشعبي".
وتُواصل مفوضية الانتخابات استعداداتها، إلى جانب قوات الأمن والجيش، ضمن خطّة أمنية ستدخل البلاد فيها في عطلة عامة، مع إغلاق للمنافذ والمطارات. وتحظى الانتخابات السادسة منذ تغيير النظام العراقي عام 2003 بفعل الاحتلال الأميركي بأهمية كبيرة لدى الأحزاب المتنافسة فيها، خصوصاً أن حجم المشاركة الشعبية فيها ربما يكون أقل من سابقاتها، بحسب مراقبين.
استياء العراقيين من الأحزاب


إحسان الشمري: الأحزاب متخوفة بشكل جاد من العزوف الشعبي عن الانتخابات


وقال نائب رئيس الوزراء الأسبق صالح المطلك، لـ"العربي الجديد"، إن "العراقيين يشعرون بالاستياء الحقيقي من فشل القوى والأحزاب السياسية في تحقيق أي تغيير في واقعهم أو إصلاح منظومة الحكم وإنهاء ظواهر أثرت كثيراً على الحكومات وبنية الدولة، من ضمنها المحاصصة الحزبية والطائفية التي ستعود مع تشكيل الحكومة الجديدة". ولفت المطلك إلى أن "كل الأحزاب ستحاول الحصول على المناصب الهامة والوزارات والهيئات، سواء من خلال شخصيات كفوءة أو حزبية، من أجل تعويض الخسارات المالية خلال الحملات الانتخابية، وأن المواطن على علم بكل ما يحدث من استغلال لموارد الدولة، لذلك فإن رقعة المعارضين والناقمين والمقاطعين للعملية السياسية تتسع". واعتبر أن "معظم الأحزاب المشاركة في الانتخابات والطامحة إلى مزيد من الصفقات والأموال، تتغافل عن النظر إلى المتغيرات التي تحدث في المنطقة وما قد يؤثر على العراق، مع العلم أن هذه المتغيرات قد تؤثر في صميم الوضع العراقي".

من جهته، أشار رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "المشاركة الشعبية تتراجع مع كل انتخابات، وهذا واضح بالنسبة لنا لكوننا مراقبين ومتابعين ومؤثرين في الشأن السياسي، لذلك يظهر في هذه الانتخابات حجم الإنفاق الهائل على الدعاية الانتخابية في محاولة للتأثير على المزاج العام للناس، لكن حتى مع ذلك فإن الاهتمام الشعبي متراجع للأسباب المعروفة. ويبدو لنا أن الاهتمام بالانتخابات يظهر من الأحزاب، أما شرائح الشعب التي تسعى إلى قوتها اليومي فهي منفصلة تقريباً عن الواقع السياسي". وأضاف أن "الأحزاب متخوفة بشكل جاد من العزوف الشعبي عن الانتخابات، ما يُنذر بأزمة وجودية لهذا النظام، حيث إنه يكاد يكون بلا مشروعية".