العراق: خسارة القوى المدنية والليبرالية في الانتخابات تفتح باب المراجعة

17 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:36 (توقيت القدس)
من الانتخابات العراقية في دهوك، 11 نوفمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الانتخابات العراقية في 11 نوفمبر كانت مخيبة للآمال للقوى المدنية، حيث فشلت الأحزاب مثل الحزب الشيوعي العراقي في كسب الأصوات رغم تحالفها تحت "تحالف البديل" بقيادة عدنان الزرفي.

- الأحزاب المدنية عانت من إخفاقات تنظيمية وتحديات المال السياسي، حيث أثر الإنفاق الكبير للأحزاب التقليدية والجماعات المسلحة على نزاهة الانتخابات ونتائجها.

- الخسارة دفعت الأحزاب المدنية لمراجعة أدائها، مع دعوات لتجديد الثقة مع الشعب واستبدال القيادات غير المقنعة للجيل الجديد.

جاءت نتيجة الانتخابات التي أجريت في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي مخيبة للآمال بالنسبة للقوى المدنية والليبرالية حاملة شعار دولة المواطنة والمدنية في العراق، إذ لم تحصل على النتائج التي كانت تتوقعها، ما أسفر عن صدمة غير اعتيادية بالنسبة للجمهور المدني والنخبوي في البلاد. وفيما اعترض أغلبية المرشحين في الانتخابات، راح آخرون إلى خيار "المراجعة" للأداء السياسي للأحزاب والتكتلات السياسية التي ولدت من الاحتجاجات الشعبية سنة 2019 وأخرى تقليدية مثل الحزب الشيوعي العراقي والتحالف المدني الديمقراطي.

وسبق أن راهنت الأحزاب المدنية العراقية على كسب أصوات الشرائح الساخطة على الوضع السياسي في العراق في الانتخابات التشريعية السادسة، إلا أنها لم توفق. واجتمع المدنيون في العراق ضمن تحالف واحد، وهو "تحالف البديل" الذي يتزعمه رئيس حركة الوفاء ومحافظ النجف الأسبق عدنان الزرفي، المعروف بمناوأته الشديدة للفصائل المسلّحة، وملاحظاته القاسية ضدّ الحكومات المتعاقبة.

ويضم هذا التحالف حزب "الاستقلال" الذي يقوده عضو البرلمان العراقي سجاد سالم، وقد خسر الانتخابات، والحزب الشيوعي العراقي وحزب "البيت الوطني" والحركة المدنية الوطنية التي تتزعمها النائبة السابقة شروق العبايجي، بالإضافة إلى حزب "الفاو زاخو"، وقد حصل على مقعدين اثنين، وهما رئيس الحزب عامر عبد الجبار وعضو الحزب سارة البطاط.

مع العلم أن هذه الأحزاب حرصت على المشاركة بقوة في الانتخابات التي جرت، وأن تستغل حالة الغضب الشعبي المحلي وتستغل الظروف الإقليمية في المنطقة لإزاحة أو انتزاع مقاعد برلمانية على حساب الأحزاب التقليدية في الانتخابات، لكنها وقعت في إخفاق التنظيم وغياب التواصل مع الجمهور المدني، وتعاملت مع العراقيين بطريقة الأحزاب التقليدية، إذ إنها سعت إلى كسب أصوات الناخبين بالتحشيد قبل الانتخابات، ولم تتواصل معهم قبل الانتخابات إلا من خلال التعليقات الصحافية والظهور المتلفز.

مراجعة شاملة

وعقب الخسارة المدوية للحزب الشيوعي العراقي، أكد سكرتير اللجنة المركزية في الحزب رائد فهمي أن "حزبه يدخل مرحلة تقييم شاملة لما أفرزته الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وأن النتائج جاءت أقل بكثير مما كان متوقعاً"، مبيناً في تصريحٍ صحافي أن "هناك انحساراً واضحاً في أعداد المصوتين للقوى المدنية والديمقراطية عموماً، وهذا جزء منه يعود إلى موجة العزوف الواسعة عن المشاركة في عملية انتخابية بات يتحكم بها المال السياسي، وتُستخدم فيها موارد الدولة ونفوذها، ويغيب عنها تطبيق قانون الأحزاب، خصوصاً ما يتعلق بالقوى التي تمتلك أذرعاً مسلحة، وهي عوامل تُخلّ بعدالة المنافسة وتؤثر بشكل مباشر على نزاهة النتائج".

لكن عضواً بارزاً في الحزب الشيوعي العراقي أكد، لـ"العربي الجديد"، أن "الحزب لم يقرأ المشهد السياسي والانتخابي جيداً، وأن الخسارة الأخيرة دفعت عدداً من الأعضاء والنشطاء ضمن التنظيم الحزبي إلى المطالبة بإجراء تغييرات شاملة داخل الحزب، لا سيما أن القيادة لم تستمع للملاحظات الكثيرة والمطالبات العديدة بشأن عدم المشاركة في الانتخابات، كونها ستكون ضربة كبيرة له، بالنظر إلى قانون الانتخابات الذي لا يخدم الوضع الشيوعي"، موضحاً أن "قادة تحالف البديل أخطأوا في المشاركة في الانتخابات، وكان عليهم ألا يشاركوا لأنهم بلا جماهير حقيقية على الأرض، حتى بعض النواب الذين شاركوا مع التحالف، ضمنهم النائب سجاد سالم، فقدوا جمهورهم بسبب عدم التواصل والانشغال بالقضايا السياسية مع إهمال متعمد أو غير متعمد للوضع الاجتماعي المحلي".

من جهته، بيَّن الناشط السياسي من العاصمة بغداد محمد عمران أن "المال السياسي الكبير، الذي أنفقته الأحزاب والتكتلات والجماعات المسلحة التي تمتلك أجنحة سياسية على الانتخابات، كانت كفيلة بخسارة أي أحزاب معارضة أو مدنية، لا سيما أن الأحزاب التي ترفع شعارات المدنية بلا تمويل"، معتبراً في حديثٍ مع "العربي الجديد" أن "المال السياسي كان له دور حاسم في تحديد النتائج، وهو يعكس التحدي الموجه والعلني للدولة وقوانين الانتخابات والأحزاب وشروط العمل السياسي.. لكن ورغم ذلك، فإن الأحزاب المدنية متهمة هي الأخرى بعدم احترام مشاعر المدنيين".

وأكمل عمران بأن "المتظاهرين الذي خرجوا في احتجاجات تشرين، التي راح ضحيتها مئات المدنيين من المحتجين والناشطين، كانت تعترض وتفرض قانون سانت ليغو الذي اعتُمد في الانتخابات الأخيرة، لكن الأحزاب المدنية الحالية دخلت الانتخابات بقانون كان مرفوضاً من الأحزاب من الحركات المدنية والاحتجاجية، ونالت ما تستحق"، مستكملاً حديثه بأن "المدنيين عليهم العودة مرة ثانية إلى قواعدهم الشعبية وتجديد الثقة بينهم وبين الشعب، مع ضرورة استبدال الوجوه المعروفة وتحديداً من قادة الأحزاب المدنية، الذين لم تعد خطاباتهم مقنعة للجيل الجديد".

وعقب إعلان نتائج الانتخابات من قبل المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، شنَّ عدد من المدنيين هجمة سياسية وساخرة ضد الأحزاب المدنية المشاركة في الانتخابات، بما فيها أحزاب تحالف "البديل"، وكانت قاسية على الحزب الشيوعي وقيادته، فقد اتهم المدنيون قادة الحزب بأنهم أضاعوا جهود الاحتجاجات والحراك المستمرة منذ نحو عقد، وأنهم أصروا على المشاركة في قانون غير عادل، فيما تناقل آخرون النتيجة التي حصل عليها سكرتير الحزب الشيوعي رائد فهمي في هذه الانتخابات، وهي 3 آلاف صوت، في حين أنه حصل على 19 ألف صوت في الانتخابات التي سبقتها، ما يؤشر على التراجع في مشاركة المدنيين في الانتخابات.

حرمان لصوت المعارضة؟

بدوره، وجد الباحث في الشأن السياسي غازي فيصل أن "خسارة المدنيين في الانتخابات الأخيرة تعني حرمان مجلس النواب من صوت المعارضة البناءة الذي من المفترض أن يكون موجوداً من أجل إجراء الإصلاحات المهمة على مشاريع القوانين التي تسعى الأحزاب التقليدية لإقرارها، كما أن هذا الغياب سيؤدي إلى فتح المجال أمام إقرار قوانين كان المدنيون في البرلمان يعارضونها، وتحديداً القوانين الخاصة بالصحافة والإعلام.

ولفت فيصل في حديثه مع "العربي الجديد" إلى أن "الحضور المدني في البرلمان والسلطة التنفيذية (الحكومة) ظل محدوداً منذ عقدين، لكن في هذه المرحلة، يمكن القول إنه اختفى تماماً، وهذا يرجع إلى قوة الأحزاب التقليدية والدينية، بالإضافة إلى إخفاق المشاريع السياسية المدنية في قراءة المشهد السياسي والاجتماعي بشكلٍ جيد، إذ لا تزال الأحزاب المدنية تتعامل بأطر لا تختلف كثيراً عن الأحزاب التقليدية مع الناخبين العراقيين"، مؤكداً أن "فشل تجربة تحالف امتداد الذي فاز في انتخابات 2021 بأكثر من 40 مقعداً دفع الناخبين المدنيين إلى معاقبة الأحزاب المدنية الحالية".