العراق: جدل حول إجبار عناصر "الحشد الشعبي" على التصويت لجهات معينة

04 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 10:42 (توقيت القدس)
صور مرشحين للانتخابات البرلمانية العراقية، الموصل 2 نوفمبر 2025 (إسماعيل عدنان/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تتبادل القوى السياسية في العراق الاتهامات حول إجبار "الحشد الشعبي" على التصويت لجهات محددة، مما يثير مخاوف من تأثير الفصائل المسلحة على حرية الناخبين وشفافية العملية الديمقراطية.
- يُعتبر "الحشد الشعبي" قوة مؤثرة في الانتخابات بسبب عدد أعضائه الكبير، مما يتيح له التأثير على نتائج الانتخابات، خاصة مع توقعات بانخفاض نسبة التصويت العام.
- ينفي بعض أعضاء "الحشد الشعبي" وجود ضغوط للتصويت لجهات معينة، بينما يستمر الجدل حول تأثير هذه الممارسات على النسيج الوطني والاستقرار الأمني في العراق.

قبيل أسبوع واحد فقط على الاستحقاق الانتخابي السادس في العراق لاختيار البرلمان الجديد، تتبادل قوى سياسية عراقية مختلفة الاتهامات حول إجبار العناصر المنتمين إلى "الحشد الشعبي"، المظلة الجامعة لنحو 70 فصيلاً مسلحاً، على التصويت لجهات ومرشحين محدّدين، وذلك بعد إدراج "الحشد" إلى جانب قوات الجيش والشرطة ونزلاء السجون والمستشفيات، الذين سيصوّتون في موعد يسبق يوم الاقتراع العام.

ويبلغ عدد أعضاء "الحشد الشعبي" نحو 200 ألف عضو، ودخل الكثر من  الفصائل والجماعات المسلحة المنضوية ضمن "الحشد" بالانتخابات عبر تأسيس أجنحة مسلّحة لها، وباتت ضمن التراشق السياسي بين القوى السياسية، خاصة الشيعية منها. ويفرض العدد الكبير لأعضاء "الحشد" معادلة مهمة داخل مقاعد البرلمان، إذ يتيح لها تمكين كفة القوائم الانتخابية، خاصّة إذا ما استمرت التوقعات بألّا تكون نسبة التصويت العام مرتفعة جماهيرياً.

وتحدث سياسيون ومرشحون وزعماء أحزاب وعشائر، في الأيام الماضية، عن وجود عمليات "توجيه قسري للأصوات داخل معسكرات ومقرات تابعة إلى الحشد الشعبي"، وسط مخاوف من أن يتحول نفوذ بعض الفصائل المسلحة إلى أداة لتوجيه النتائج الانتخابية وتقويض حرية الناخب وشفافية العملية الديمقراطية، بينما تؤكّد بعض الأطراف المقربة من فصائل "الحشد الشعبي" أن هذه الاتهامات تأتي في إطار الصراع السياسي ومحاولات التشويه والاستهداف.

ويرى مراقبون أنّ تكرار الحديث عن تصويت موجه وفرض إرادة معينة على أفراد منخرطين في مؤسسات أمنية مرتبطة بقوة السلاح، يشكل تهديداً حقيقياً لمبدأ التداول السلمي للسلطة ويمسّ جوهر العملية الديمقراطية في البلاد. ويعكس هذا الجدل، الذي ما زال يدور في نطاق الاتهامات والاستفهامات دون تحقيقات حكومية أو قضائية حاسمة حتى الآن، خوفاً متزايداً من إقحام المؤسسة الأمنية في لعبة التأثير السياسي، وتحويل أصوات منتسبيها إلى ورقة نفوذ تستخدم لترجيح كفّة على حساب أخرى.

ومن أبرز من ناقش هذه القضية وأبدى مخاوفه من تأثيرها مرشحو القوى والتيارات المدنية العراقية، إلى جانب رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي والمرشح نوزاد صادق والناشط السياسي أحمد الوشاح والزعيم القبلي عبد الله الياور. وحذر العضو عن الكتلة المسيحية في نينوى، ضياء بطرس، في حديث لـ"العربي الجديد" من وجود "ممارسات ضاغطة تستهدف حرية الناخبين، من خلال إجبار عناصر الحشد الشعبي على التصويت لجهات وشخصيات محدّدة تحت التهديد والضغط".

وشدد بطرس على أنّ المناطق ذات الغالبية المسيحية في نينوى "تتعرض لمحاولة علنية للسيطرة على الأصوات المسيحية في الانتخابات البرلمانية القادمة، عبر إلزام عناصر الحشد بإحضار ما بين 10 و25 بطاقة انتخابية لكل عنصر لاستخدامها في انتخاب مرشحين محدّدين، وإلّا فإنّ التبعات تشمل التهديد الأمني أو الفصل من الوظيفية". وحذر من أن الانتخابات المقبلة في سهل نينوى "قد تشهد إعادة إنتاج نفس سيناريو السيطرة على الممثلين المسيحيين، بدلاً من تمثيلهم الحقيقي"، في إشارة إلى مليشيا بابليون بزعامة ريان الكلداني إحدى فصائل "الحشد الشعبي"، مطالباً "الحكومة ومفوضية الانتخابات بفتح تحقيق مستقل وضمان آليات واضحة لحماية حرية التصويت ومحاسبة أي جهة تستغل النفوذ ضد الناخبين".

من جهته قال الناشط السياسي، طلال الجبوري، لـ"العربي الجديد" إنه "يجب الحذر من التداعيات الخطيرة لإجبار بعض الفصائل وقادة الحشد الشعبي عناصرهم على التصويت لصالح قوائم وشخصيات محدّدة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، فمثل هذه الممارسات تشكل انتهاكاً صارخاً لمبادئ الديمقراطية وحرية الإرادة، وتهدد مصداقية العملية الانتخابية، بالإضافة إلى أنها تزرع الانقسام والتوتر داخل المجتمع والحشد الشعبي نفسه"، مبيناً أن "إجبار العناصر على التصويت تحت التهديد أو الإكراه لا يقتصر على مخالفة القانون، بل يحمل في طياته مخاطر أمنية وسياسية، قد تؤدي إلى تصاعد الاحتقان الشعبي وتعميق الفجوات بين الفصائل المختلفة".

وأضاف الجبوري أن "الحشد الشعبي يجب أن يظلّ قوة وطنية مستقلة تحمي البلاد والشعب، وليس أداة للضغط السياسي أو الترويج لقوائم معينة، وعلى الجهات الرقابية والقانونية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان حماية حرية الناخبين ومنع أي محاولة للتأثير على خياراتهم بالقوة"، موضحاً أن "التاريخ أثبت أن الانتخابات التي تجرى تحت الإكراه أو الضغوط لا يمكن أن تكون شرعية، وأن الشعب العراقي هو صاحب الحق الأصيل في اختيار ممثليه دون تدخل من أي طرف مسلح أو سياسي، وحماية العملية الديمقراطية ومصداقيتها مسؤولية الجميع، وأن أي تجاوز في هذا السياق سيترك آثاراً سلبية طويلة الأمد على الساحة السياسية والأمنية".

ورأى الباحث في الشأن السياسي والأمني، محمد علي الحكيم، في حديث لـ"العربي الجديد" أن "محاولات بعض الفصائل وقادتها لإجبار عناصر الحشد الشعبي على التصويت لصالح قوائم وشخصيات محدّدة في الانتخابات البرلمانية انتهاك خطير وغير مسبوق لكل معايير الديمقراطية وحرية المواطن، وما يحصل الآن يعد محاولة مباشرة لتحويل الحشد الشعبي إلى أداة سياسية، وهو أمر مرفوض تماماً ويهدّد النسيج الوطني والاستقرار الأمني في العراق"، وأكد الحكيم أن "إجبار الأفراد على التصويت تحت التهديد أو الترهيب ليس خرقاً للقانون، بل هو اعتداء على إرادة الشعب نفسها، وكل فصيل أو قائد يشارك في هذا العبث بالعملية الانتخابية يتحمل المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات سياسية أو أمنية لاحقة، فهذا السلوك يمسُّ مصداقية الانتخابات".

وحذر الحكيم من أن "استمرار مثل هذه الممارسات سيخلق أزمة حقيقية في المشهد السياسي ويزيد الاحتقان الشعبي، وربما يؤدي إلى مواجهات داخلية بين الفصائل، فالحشد الشعبي ليس ملك لأحد، بل قوة عسكرية لحماية العراق، وأي محاولة لتحويله إلى أداة ضغط سياسي هي مسألة خطيرة للغاية"، مشدداً على أن "السلطات المختصّة وخاصة القضائية والأمنية مطالبة بالتحرك الفوري لوضع حد لهذه التجاوزات، وإلّا فإننا أمام أزمة انتخابية وأمنية غير مسبوقة ستترك آثارها على كل مؤسسات الدولة".

في المقابل رأى عدي الخدران عضو تحالف "الفتح"، الجناح السياسي لعدد من فصائل "الحشد الشعبي"، أن "العناصر العاملة ضمن الحشد الشعبي يتمتعون بحرية كاملة في اتخاذ قرارهم بشأن المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة" يوم 11 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي. وأضاف لـ"العربي الجديد" أنه "لا توجد أي توجيهات أو ضغوط على أعضاء الحشد لانتخاب شخصيات أو جهات معينة، وأن كل عنصر يملك حرية الاختيار سواء بالمشاركة في التصويت أو مقاطعته"، مؤكداً أن "الفصائل تحرص على احترام قرار أعضائها الشخصي، وتؤكد ضرورةَ أن تكون المشاركة في الانتخابات عملية اختيارية، خالية من أي ضغوط سياسية أو تنظيمية، والحرية في الاختيار تعكس نضج العملية السياسية ورغبة الفصائل في دعم الديمقراطية والمشاركة المجتمعية من دون تدخل في إرادة الأفراد".