العراق بين شبح الحرب وضبط الفصائل: خيارات "محدودة" في لحظة حرجة
استمع إلى الملخص
- تعكس تهديدات فصائل مثل "كتائب حزب الله" ضعف قدرة الدولة على فرض قرار موحد، بينما تلتزم فصائل أخرى الصمت، وتتحرك الحكومة بحذر لضبط الحدود ومنع تسلل الجماعات المسلحة.
- تحت ضغوط أميركية لتشكيل الحكومة ورفض دور الفصائل المسلحة، يسعى العراق لتحقيق توازن بين نفوذه الداخلي وتجنب مواجهة إقليمية، مما يدفعه لتقليل الخسائر بانتظار تطورات الأوضاع.
يواجه العراق مرحلة معقدة بفعل تصاعد التهديدات الأميركية بتوجيه ضربة عسكرية لإيران، وتلويح فصائل عراقية مسلحة بالانخراط المباشر في أي مواجهة محتملة. وكشفت مصادر مطلعة في بغداد، أحدها مقرب من جماعة "سيد الشهداء"، عن أن جميع جهود الحكومة في الأيام الأخيرة لأخذ ضمانات من الفصائل بعدم التحرك أو الدخول على خط الحرب في حال اندلاعها، لم تفض إلى أي ضمانات حقيقية.
هذه التطورات تضع بغداد أمام اختبار صعب، إذ يجد نفسه مرة أخرى في قلب صراع إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات، في ظل حكومة تصريف أعمال محدودة الصلاحيات، وانقسام سياسي داخلي وضغوط إقليمية ودولية متشابكة. ويعيد هذا المشهد الى الواجهة سؤالاً قديماً متجدداً: "هل يمتلك العراق القدرة السياسية والأمنية على تحييد نفسه ومنع الفصائل من جره الى حرب إقليمية؟".
التهديد الذي أطلقته جماعة "كتائب حزب الله"، إحدى أبرز الفصائل المسلحة الحليفة لطهران، بالدخول على خط الحرب في حال تعرض إيران لهجوم أميركي، أعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة من تحول العراق إلى ساحة صراع بالوكالة، وهو ما يقرأ على نطاق واسع بوصفه رسالة سياسية أكثر منه إعلان قرار نهائي، لكنه في الوقت ذاته يعكس هشاشة قدرة الدولة العراقية على فرض قرار موحد في قضايا مصيرية.
في المقابل، تلتزم فصائل أخرى الصمت، ما يشير إلى وجود حالة ترقب داخل "محور الفصائل"، في انتظار اتضاح طبيعة المواجهة المحتملة، وحدودها، وما إذا كانت ستبقى ضمن إطار ضربة محدودة أم تنزلق إلى حرب إقليمية مفتوحة. ووسط هذا المشهد، تتحرك الحكومة العراقية بخطوات حذرة، فالاتصال الذي جرى بين مستشار الأمن القومي العراقي، قاسم الأعرجي ونظيره الإيراني علي لاريجاني مساء أمس الأول الثلاثاء، والتركيز على ضبط الحدود المشتركة ومنع تسلل الجماعات المسلحة، يعكس توجهاً عراقياً لتخفيف التوتر ومنع استغلال الحدود ذريعةً لتوسيع الصراع. غير أن هذه الإجراءات، بحسب مراقبين، تظل وقائية ومحدودة التأثير إذا ما اتخذ قرار إقليمي بالتصعيد.
وأكد مصدر حكومي عراقي مطلع لـ"العربي الجديد"، "صعوبة المرحلة الحالية، وأن العراق لا يريد أن يكون طرفاً في أي نزاع إقليمي وأن حكومته تعمل على هذا الاتجاه". وأضاف المصدر، مفضلاً عدم ذكر اسمه، أن الحكومة حذرت الفصائل من أن أي تصرف أو قرار فردي منها، خارج إطار الدولة العراقية، يعني سحب البلاد إلى ساحة الحرب وتعريضها لضربات وعقوبات أميركية.
وأشار المصدر إلى أن "الحكومة لم تحصل إلى أي ضمانات من تلك الفصائل، خلال تحركها الذي تم من خلال قيادات سياسية شيعية ومسؤولين بالحكومة". فيما أكد مصدر مقرب من جماعة "سيد الشهداء"، أحد أبرز الفصائل الحليفة لإيران، أن قرار الدخول للحرب سيكون حتمياً من قبل الفصائل في حال كان الهدف هو إسقاط النظام الإيراني وإحلال نظام آخر موالٍ لواشنطن، وفقاً لتعبيره.
وأضاف أن "حكومة السوداني أوصلت رسائل إلى الفصائل بخطورة الموقف، وقد حصلت على ضمانات من عدد منها بعدم التدخل، وهي ذاتها الفصائل التي أعلنت سابقاً رغبتها في نزع سلاحها، إلا أن الموقف يصعب مع فصائل أخرى متشددة، خاصة كتائب حزب الله والنجباء وسيد الشهداء".
وفي سياق التحركات العراقية أيضاً، برز لقاء زعيم ائتلاف "دولة القانون" نوري المالكي، أمس الأربعاء، مع القائم بأعمال السفارة الأميركية ببغداد، جوشوا هاريس، بوصفه محطة سياسية لافتة في توقيت بالغ، فقد شدد المالكي، وهو المرشح لرئاسة الحكومة العراقية الجديدة، ومعروف بقربه من الفصائل، على أهمية "حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سيادة القانون".
وقال المكتب الإعلامي للمالكي إن المالكي أبدى "رغبة العراق في مواصلة التعاون وإقامة علاقات متينة وشراكة مع الولايات المتحدة عبر تفعيل اتفاقية الإطار الاستراتيجي المبرمة بين البلدين"، مشدداً على أن "بناء دولة قوية مستقرة يتطلب حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز سيادة القانون".
يأتي ذلك في وقت تستمر فيه الضغوط الأميركية على مسار تشكيل الحكومة الجديدة، ورفض واشنطن أي دور سياسي أو أمني للفصائل المسلحة، وهو ما يضع قوى "الإطار التنسيقي" أمام معادلة صعبة وتحقيق الموازنة بين الحفاظ على نفوذها الداخلي، وتجنب إدخال البلاد في مواجهة قد تترتب عليها تداعيات اقتصادية وأمنية قاسية.
العراق يحاول موازنة مواقفه
ورغم نجاح رئيس الوزراء محمد شياع السوداني في مراحل سابقة في تحييد العراق عن تداعيات ضربات إقليمية، يقلل موقعه الحالي رئيساً لحكومة منقوصة الصلاحيات، ورفض فصائل نافذة التجديد له لولاية ثانية، من قدرته على ممارسة ضغط فعلي على تلك الجماعات، حتى مع رغبته المعلنة في تجنيب العراق الانخراط في حرب إقليمية.
ويرى الأكاديمي العراقي عبد المنعم العزاوي أن "الحديث عن قدرة الدولة على ضبط الفصائل في حال اندلاع حرب شاملة هو حديث نظري أكثر منه واقعياً". وقال العزاوي لـ"العربي الجديد" إن "العراق لا يعمل اليوم على تفكيك أزمة الفصائل، بل على احتوائها وتخفيف آثارها، بانتظار ما ستؤول إليه المواجهة بين واشنطن وطهران". وأشار إلى أن "الإطار التنسيقي نفسه لا يمتلك قراراً موحداً في هذا الملف، ما يجعل خياراته محصورة في التهدئة وإدارة الوقت لا أكثر".
وبحسب تقديرات سياسية، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في سعي بغداد إلى منع استخدام أراضيها نقطةَ انطلاق رسمية لأي عمليات عسكرية، مع غض نظر محدود عن تحركات غير معلنة، في محاولة لتفادي ردود أميركية مباشرة أو غير مباشرة، مع الحفاظ على قنوات التواصل المفتوحة مع جميع الأطراف.
وأمام هذا المشهد، يجد العراق نفسه على حافة أزمة إقليمية قد تتجاوز قدرته على التحكم الكامل في مساراتها، فبين شبح الحرب، وسلاح الفصائل، وحكومة منزوعة الصلاحيات، يعمل صانع القرار في بغداد على تقليل الخسائر لا أكثر، في انتظار ما ستفرضه التطورات الإقليمية.
وكان مسؤول عراقي رفيع، ومصدر داخل السفارة الأميركية في العاصمة بغداد كشفا لـ"العربي الجديد"، أمس الأربعاء، عن مغادرة جميع أفراد القوات الأميركية العاملين ضمن قوات التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش" في قاعدة عين الأسد بمحافظة الأنبار غربي البلاد، في إخلاء للقوات الأميركية هو الأول من نوعه للقاعدة العسكرية الأضخم في العراق.