استمع إلى الملخص
- تتزايد التوترات الأمنية بسبب التهديدات الأمريكية لإيران وتدخل الفصائل العراقية، مع عزل المبعوث الأمريكي مارك سافايا وتولي توم برّاك المهمة، وسط استمرار الأهداف الأمريكية ضد المليشيات المدعومة من إيران.
- يواجه العراق تحديات سياسية مع انقسام الأحزاب الكردية ومحاولات "الإطار التنسيقي" لحل الأزمة، في ظل مرحلة خطيرة من الفراغ الدستوري وتصاعد حراك القوى المسلحة.
يدخل العراق مرحلة جديدة من التصعيد على المستويين الداخلي والخارجي، خصوصاً بعد إعلان التحالف الحاكم في البلاد، "الإطار التنسيقي"، تمسكه بزعيم حزب الدعوة الإسلامية ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي
مرشحاً وحيداً للتحالف لمنصب رئيس الحكومة الجديدة، بالتزامن مع فشل القوى الكردية في التوصل إلى اتفاق بشأن مرشحها لمنصب رئيس الجمهورية.وبعد انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حافظ "الإطار التنسيقي" على أكبر كتلة نيابية، وحصل على 175 مقعداً، أي أكثر من نصف البرلمان المؤلف من 329 مقعداً. ووفق العرف السياسي المعمول به في العراق، يذهب منصب رئيس البرلمان لأحزاب المكوّن العربي السنّي، ومنصب رئيس الحكومة لأحزاب المكوّن العربي الشيعي، أما منصب رئيس الجمهورية فهو من حصة الأحزاب الكردية.
وأخفق البرلمان، أمس الأحد، للمرة الثانية، في عقد جلسة للتصويت على تسمية الرئيس العراقي الجديد. ولم يكتمل نصاب الجلسة، إذ حضرها عدد لا يتجاوز 60 نائباً فقط، فيما يشترط الدستور لانعقاد الجلسة حضور ثلثي أعضاء مجلس النواب، أي 220 نائباً من أصل 329. وفي الساحة الكردية، يتنافس تاريخياً الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي رشح وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين للرئاسة، مع الاتحاد الوطني الكردستاني ومرشحه وزير البيئة السابق نزار آميدي.
تأجيل جلسة انتخاب الرئيس
وأشارت الدائرة الإعلامية للمجلس إلى أن رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، الذي انتخب نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، سيحدد موعداً "نهائياً للانتخاب"،بعد التشاور مع الكتل النيابية. وكان من المقرر عقد جلسة انتخاب الرئيس في 27 يناير/كانون الثاني، قبل أن تُرجأ إلى الأحد بطلب من الحزبين الكرديين الرئيسيين لمنحهما مزيداً من الوقت للتوافق. ويُفترض، وفق الدستور، بعد جلسة البرلمان الأولى التي عُقدت في 29 ديسمبر الماضي، أن ينتخب البرلمان رئيساً للجمهورية خلال 30 يوماً. ويؤدي تأخير انتخاب رئيس الجمهورية تلقائياً إلى إرجاء تشكيل الحكومة، إذ ينص الدستور على أن يكلّف رئيس الجمهورية، خلال 15 يوماً من انتخابه، مرشح "الكتلة النيابية الأكبر عدداً" بتشكيل الحكومة، على أن يمنح رئيس الوزراء المكلف مهلة 30 يوماً للتأليف.
يأتي ذلك وسط مخاوف من توترات أمنية قد تحدث نتيجة للتهديدات الأميركية لإيران ودخول الفصائل العراقية على خط المواجهة، والتي بثت إحداها وهي "سرايا أولياء الدم"، في الساعات الأخيرة، مقاطع مصورة لاستعدادات عسكرية، شملت عرضاً للصواريخ في أنفاق تحت الأرض في حالة استعداد لافتة للمواجهة المقبلة. كما يتواصل الحديث عن عزل مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق مارك سافايا من منصبه، وتولي المبعوث الأميركي إلى سورية والسفير الأميركي لدى أنقرة توم برّاك المهمة بدلاً منه، وفق تسريبات لوكالة رويترز.
إصرار على ترشيح المالكي
وفي اجتماع استمر عدة ساعات ليل السبت الأحد، غابت عنه عدة أطراف وازنة أبرزهم عمار الحكيم زعيم تيار الحكمة، عقد "الإطار التنسيقي" اجتماعاً في منزل نوري المالكي ببغداد، جدد فيه تمسكه بترشيح الأخير لمنصب رئاسة الحكومة.
عضو في الائتلاف الحاكم: عدد من قادة "الإطار" يرون أن المضي بترشيح المالكي يعني الدخول في مواجهة غير متكافئة مع إدارة ترامب
وفي هذا السياق، أبلغ عضو بارز في الائتلاف الحاكم "العربي الجديد" بأن فشل البرلمان في عقد جلسته جاء نتيجة إبلاغ كتل سنيّة وكردية وعدد من الكتل الشيعية، أبرزها "صادقون" بزعامة قيس الخزعلي و"الحكمة"، نوابَهم بعدم حضور الجلسة بغية كسر النصاب، وهو ما فعلته كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني أيضاً. وشدد على أن عدداً من قادة "الإطار" يرون أن المضي بترشيح المالكي يعني الدخول في مواجهة غير متكافئة مع إدارة ترامب، قد تدفع البلاد إلى عقوبات وإجراءات اقتصادية لا يمكن للعراق تحملها، إلى جانب آثار سياسية عديدة. وبيّن المصدر أن المالكي وفريقه يعوّلان على ما أسماه "تغيير الرئيس الأميركي موقفه من خلال لوبي علاقات يعمل لصالح المالكي بدأ يتحرك فعلياً في واشنطن لهذا الغرض، ويقدم ضمانات بشأن برنامج المالكي الحكومي حال اختياره لرئاسة الحكومة".
وكان الرئيس الأميركي قد كتب على منصته للتواصل الاجتماعي "تروث سوشال" الثلاثاء الماضي: "أسمع أن العراق العظيم قد يرتكب خطأً فادحاً بإعادة نوري المالكي رئيساً للوزراء"، مشيراً إلى أنه "في العهد السابق للمالكي (حكومتان متتاليتان بين 2006 و2014)، انزلقت البلاد إلى الفقر والفوضى العارمة، ولا يجب أن نسمح بتكرار ذلك". بالمقابل، شدد المالكي، وهو رئيس ائتلاف دولة القانون، أول من أمس السبت، للصحافيين، أن اختيار الحكومة في بلاده "شأن وطني يجب أن يُحترم".
في غضون ذلك، نقلت وكالة رويترز، في تقرير أمس الأحد، عن مصادر مطلعة، أن مارك سافايا لم يعد يشغل منصب المبعوث الأميركي إلى العراق. وأشار أحد المصادر إلى ما قال إنه "سوء إدارة" من سافايا في مواقف مهمة، منها فشله في منع ترشيح المالكي لمنصب رئيس الوزراء المقبل. وقال المصدر ومسؤول عراقي رفيع إن هناك اعتقاداً بأن توم برّاك سيتولى ملف العراق في وزارة الخارجية الأميركية، وذلك في ظل أهداف أميركية لم تتغير تجاه العراق، بضمنها مواجهة المليشيات المدعومة من إيران، والسيطرة على تهريب الدولار إلى إيران وإنهاء الفساد المالي داخل العراق.
لكن "العربي الجديد" حصلت على معلومات من ثلاثة مصادر سياسية، أحدهم قريب من السفارة الأميركية ببغداد، أكدوا جميعهم أن سافايا وصل فعلاً إلى العراق مطلع الأسبوع الماضي في زيارة غير معلنة، والتقى خلالها بمسؤول حكومي بارز، غير أنه قطع زيارته بشكل مفاجئ وغادر البلاد، رغم أن برنامج زيارته كان يتضمن لقاءات مع نوري المالكي، ورئيس الحكومة السابق مصطفى الكاظمي، ورئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي، لكن لم يعقد أي واحد منها. وسافايا، رجل الأعمال، أميركي من أصول عراقية، وداعم لترامب في حملته الانتخابية، ذكر في بيان سابق أن "واشنطن تضع استرداد الأموال المنهوبة ومنع تمويل الجماعات المسلحة على رأس أولوياتها في التعامل مع المشهد العراقي الحالي، وأنه بالتزامن مع الحراك السياسي لتشكيل الحكومة، هناك مهمة سيادية وحساسة تتمثل في كشف مصير مليارات الدولارات التي سُرقت من خزينة الدولة، وأن الجهود الحالية لن تكتفي بتتبع الأموال المهربة إلى الخارج فحسب، بل ستكشف بدقة عن الغايات التي استُخدمت من أجلها والجهات النهائية التي تسلمتها".
حسين العطواني: رفض ترامب مرشح القوى الشيعية هو تجاوز على القرار العراقي
في الأثناء، يرى تحالف "الإطار التنسيقي" أن "رفض ترامب مرشح القوى الشيعية هو تجاوز على القرار العراقي"، بالتالي فقد فضّل التحالف أن يتحدى ترامب هو الآخر بالتمسك بنوري المالكي، وفقاً لما قاله عضو مجلس النواب عن حزب ائتلاف دولة القانون حسين العطواني لـ"العربي الجديد". ولفت إلى أن "تمسك قوى الإطار التنسيقي بمرشحها لا يعني أنه رد فقط على ترامب، إنما انسجام هذه القوى وثقتها بالمالكي"، معتبراً أن "بعض الأحزاب العراقية التي راحت (توجهت) إلى الانسجام مع الموقف الأميركي، أو الاستقواء بتغريدة ترامب أو مواقف سافايا تجاه العراق، تعبر عن حالة ضعف واستقواء بالخارج على حساب الشأن الوطني".
المرحلة الأخطر في العراق
ورغم حسم "الإطار التنسيقي" ملف رئاسة الحكومة المقبلة، فإن المتغيرات قد تحدث في أي لحظة وتقلب كل التفاهمات، لا سيما أن الأحزاب الكردية منقسمة بشكلٍ كبير بشأن رئاسة الجمهورية، إذ يرفض كل من الحزبين الحاكمين في إقليم كردستان-العراق التنازل للآخر. وتسعى أطراف من "الإطار التنسيقي" للدخول على خط حلحلة أزمة الأحزاب الكردية. ووصل أمس الأحد وفد من "الإطار" إلى أربيل لبحث ملف رئاسة الجمهورية، في محاولة لكسر الجمود السياسي الذي عطّل استكمال استحقاقات تشكيل الحكومة. وقال عضو الحزب الديمقراطي وفا محمد، لـ"العربي الجديد"، إن "الوفد يضم هادي العامري ومحسن المندلاوي ورئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد شياع السوداني".
بدوره، أشار الباحث في الشأن السياسي عبد الله الركابي إلى أن "العراق يمر حالياً بموجة تعد الأخطر على وضعه الداخلي، لا سيما أن الوضع السياسي دخل حالة الفراغ الدستوري حيث أمسى أغلبية المسؤولين بلا صلاحيات واسعة وفق القانون، في ظل تصاعد حراك القوى المسلحة على مستوى تهديد واشنطن إذا ما تعرضت طهران إلى الضربات". واعتبر في حديث مع "العربي الجديد" أن "الطبقة السياسية الحاكمة لا تعي ما يحدث خارج حدود العراق، ولا ترى أبعد من مسألة المحاصصة والمكاسب". ولفت إلى أن "الإدارة الأميركية لو صح استبعادها المبعوث مارك سافايا واستبداله بمبعوث آخر، فإن الأزمة لن تنتهي، لأن ترامب عازم على إنهاء الفصائل العراقية، وقد نصل إلى حالة التعرض إلى الضربات إذا فشل رئيس الوزراء المقبل في احتواء الأزمة". وشدد على أن "كل هذه المشكلات تحدث في العراق، والأحزاب عاجزة عن المواجهة الحقيقية للتحديات، وأنها تهرب إلى الأمام مستغلة مساحة التفاؤل بما ستحصل عليه من مناصب في الحكومة الجديدة".