العاهل الأردني في الصين: سياسة توازن بين مظلة واشنطن وبوابة بكين
غادر العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بلاده، اليوم الاثنين، متوجهاً إلى الصين في زيارة يلتقي خلالها عدداً من القيادات السياسية والاقتصادية، في توقيت إقليمي شديد الحساسية تتداخل فيه الحسابات الاقتصادية مع التطورات السياسية والأمنية المتسارعة، فيما تحاول عمّان الحفاظ على توازن دقيق بين تحالفها الاستراتيجي مع واشنطن وانفتاحها المتزايد على بكين. ولا تبدو الزيارة، في هذا السياق، سعياً إلى استبدال شريك بآخر، بقدر ما تعكس سياسة أردنية تقوم على تنويع الشراكات وتوسيع هامش الحركة، خصوصاً في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والتكنولوجية.
ويلتقي الملك عبد الله الثاني، خلال الزيارة، الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس الوزراء لي تشيانغ، ورئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني تشاو له جي، إلى جانب لقاءات مع ممثلي شركات صينية كبرى، فيما يرافقه وفد وزاري اقتصادي، بحسب الديوان الملكي الأردني. وتكتسب الزيارة أهمية إضافية في ظل أزمات الإقليم، التي تفرض على الأردن حماية مصالحه الأمنية والسياسية، بالتوازي مع البحث عن فرص اقتصادية وشراكات دولية جديدة.
فلسطين والتطورات في المنطقة
وخلال تصريحاته في مقابلة مع وكالة الأنباء الرسمية لجمهورية الصين الشعبية "شينخوا"، نشرت اليوم الاثنين، وأعادت نشرها وكالة الأنباء الأردنية الرسمية "بترا"، قال العاهل الأردني إنه، على الرغم من الوضع الإقليمي، يسعى الأردن باستمرار إلى أخذ زمام المبادرة وتشجيع التنسيق والتعاون من أجل تحقيق السلام، مع الحفاظ دائماً على التزامه بمبادئه. وأضاف: "لقد ركزت جهودنا الدبلوماسية على هذا النهج، ولطالما قلت إن القضية الفلسطينية ستظل القضية المحورية في منطقتنا، وأنا مؤمن بذلك، وما شهدناه في السنوات الأخيرة يؤكد هذه الحقيقة".
وأوضح أنه "ما لم تتم معالجة هذه القضية، ستظل المنطقة عرضة لموجات متكررة من العنف ستزداد حدة واتساعاً في نطاقها، وستمتد تداعياتها إلى ما هو أبعد بكثير من حدود المنطقة". وأشار إلى أن الفلسطينيين يواجهون إجراءات غير مسبوقة، تتمثل في تصاعد هجمات المستوطنين، والتوسع السريع والواسع النطاق في المستوطنات غير القانونية، والاستيلاء على الأراضي ومصادرتها، وهدم المنازل وانتهاك حرمتها، فضلاً عن المضايقات والتحريض في الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس.
وأكد أنه لا يمكن أن تستمر هذه الإجراءات من دون التصدي لها، مشدداً على أن من مسؤولية الجميع ضمان احترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وحقوق الإنسان. وقال إن جهود الأردن تركز على التوصل إلى تهدئة في المنطقة، والقيام بدور المملكة ضمن إطار الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والعمل على إنهاء الإجراءات الأحادية الجانب التي تعيق تحقيق السلام، والسعي إلى التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة والقابلة للحياة وذات السيادة، على خطوط عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، لتعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل بسلام وأمن.
وأضاف: "نتطلع إلى التنسيق مع الصين، باعتبارها صوتاً مؤثراً على المستوى العالمي وشريكاً رئيسياً، للبناء على دورها الكبير على الساحة الدولية في المساهمة بالدفع نحو تحقيق حل الدولتين". كما قال: "تستمر جهودنا الإنسانية في غزة، ونحن ممتنون لمساهمات الصين في جهود الإغاثة المستمرة".
وأكد العاهل الأردني أن تنامي أهمية دول الجنوب العالمي يفرض تعزيز نظام دولي أكثر توازناً، يقوم على القانون الدولي والتعاون متعدد الأطراف والحوار، مشيراً إلى أن الصين، بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن، تضطلع بدور مهم في دعم السلام والأمن الدوليين. ووصف التعاون الصيني العربي بأنه نموذج يقوم على "الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة"، مؤكداً أن الصين باتت "مركز ثقل عالمي للقوة الاقتصادية والسياسية".
تنويع الشراكات من دون فك الارتباط بواشنطن
ولا يخفي الطعاني أن الحسابات السياسية تحضر بقوة في قراءة الزيارة، إذ يشير إلى أن الأردن استُثني، في البداية، من أن يكون لاعباً أساسياً في المفاوضات الأميركية الإيرانية، مشدداً على أن المملكة تسعى إلى حماية مصالحها في إقليم باتت أزماته الأمنية تنعكس بصورة مباشرة عليها. وفي هذا السياق، يلفت الطعاني إلى الهجمات الإيرانية التي تعرّض لها الأردن، قائلاً إن المملكة "تعرّضت لضربات حقيقية"، لكنه يرى أنّ الهجوم كان موجّهاً بشكل أساسي إلى مصالح أمنية أميركية، مضيفاً أنّ الردّ الأردني اتخذ طابعاً دبلوماسياً وسياسياً ولم يأخذ منحى عسكرياً، معتبراً أن استمرار الدور السياسي الأردني ساهم في ضبط مستوى الرد.
لكن البعد الأكثر حساسية في الزيارة يبقى العلاقة مع الولايات المتحدة، الحليف الاستراتيجي للأردن. فالتوجه نحو بكين لا يبدو، وفق تصريحات الطعاني، محاولة لاستبدال بكين بواشنطن، بقدر ما يعكس رغبة أردنية في توسيع دائرة الخيارات. ويقول الطعاني إنّ الولايات المتحدة، رغم تحالفها الوثيق مع الأردن، لا تقيّد حراك المملكة وعلاقاتها مع الدول الأخرى، معتبراً أن الأردن ليس ساحة رئيسية للتنافس الاقتصادي الأميركي الصيني، وأن محدودية حجم السوق الأردني تجعله بعيداً عن أن يكون محوراً لهذا التنافس. غير أن أهمية الأردن بالنسبة إلى القوى الكبرى لا ترتبط بحجم سوقه وحده، بل بموقعه الجغرافي وشبكة علاقاته السياسية والأمنية، وهو ما يبرز في حديث الطعاني عن المملكة باعتبارها "بوابة مهمة ومحطة عبور" لأي تسويات في الإقليم.
ويشدد الطعاني على أن العلاقة الأردنية الصينية "متجذرة"، وأن واشنطن تدرك وجود علاقات تاريخية وثابتة بين عمّان وبكين، مشيراً إلى أن الأردن ينوع علاقاته مع الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وروسيا، مع استمرار التواصل المباشر بين الملك عبد الله الثاني والرئيس الصيني. ويرى الطعاني أن زيارة الملك إلى الصين أقرب إلى "سياسة تنويع للشراكات لا سياسة فك ارتباط". فالأردن، بحكم حاجاته الاقتصادية وموقعه الأمني، لا يملك ترف الابتعاد عن واشنطن، لكنه، في الوقت ذاته، يسعى إلى توسيع خياراته الاقتصادية والسياسية في عالم تتغير فيه موازين القوى. وبحسب الطعاني، تكمن أهمية الزيارة في مدى قدرة عمّان على تحويل الانفتاح على بكين إلى مشاريع واستثمارات ونفوذ سياسي إضافي، من دون أن تتحول سياسة التوازن إلى مصدر توتر مع الحليف الأميركي.
حدود الحساسية الأميركية من التعاون مع الصين
بدوره، قال عضو المجلس العالمي للدراسات الصينية، حسن عبد الله الدعجة، لـ"العربي الجديد"، إنّ زيارة الملك عبد الله الثاني إلى الصين "تجمع بين تنويع الشراكات وتعزيز التعاون الاقتصادي، من دون أن تعني تحوّلاً في التموضع السياسي الأردني". وأوضح الدعجة أنّ الأردن، بحكم موقعه وموارده وتحدياته، يحتاج إلى توسيع شبكة علاقاته مع القوى الكبرى، معتبراً أن الصين تمثل مصدراً مهماً للاستثمار والتكنولوجيا وتمويل مشروعات البنية التحتية وفتح الأسواق. وأضاف أن لقاءات الملك مع القيادة الصينية وكبرى الشركات، واصطحاب وفد اقتصادي، تؤكد أولوية البعد التنموي في الزيارة.
سياسياً، يرى الدعجة أن الزيارة تتيح تنسيق المواقف بشأن فلسطين وأمن الإقليم وحرية الملاحة، والاستفادة من وزن بكين الدولي وعضويتها الدائمة في مجلس الأمن، مؤكداً أن ذلك لا يتعارض مع الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، التي تشمل الأمن والدفاع والمساعدات والروابط السياسية العميقة. ويقول إن الزيارة "لا تبدو انتقالاً من محور إلى آخر، بل تعبيراً عن دبلوماسية أردنية براغماتية تسعى إلى تعدد الخيارات، وتقليل المخاطر الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، مع الحفاظ على التحالفات التقليدية". ويضيف أن الأمر يتعلق بـ"عملية موازنة مدروسة بين ثبات الموقع السياسي ومرونة الحركة الاقتصادية والدبلوماسية"، بما يخدم المصالح الوطنية في عالم متغير ومتعدد الأقطاب.
ويعتقد الدعجة أن الأردن يستطيع تعميق تعاونه مع بكين بدرجة معتبرة، شرط أن يركز على المجالات الاقتصادية المدنية، مثل الاستثمار الصناعي والطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية الرقمية ونقل التكنولوجيا، مع ضمان الشفافية والجدوى وحماية البيانات. ويشير إلى أن الحساسية الأميركية ستزداد عندما يمتد التعاون الصيني إلى شبكات الاتصالات الحساسة، والموانئ ذات الاستخدام المزدوج، والذكاء الاصطناعي الأمني، أو المشتريات الدفاعية، باعتبار أن هذه الملفات ترتبط بصورة مباشرة بالتعاون العسكري والاستخباري الأردني الأميركي.
لذلك، يرى الدعجة أن الحدود العملية للعلاقات تكمن في الفصل بين شراكة اقتصادية متنوعة مع الصين وتحالف استراتيجي أمني وسياسي مع واشنطن، مضيفاً أن الأردن لا يملك مصلحة في استبدال قوة بأخرى، بل في توظيف التنافس الدولي للحصول على الاستثمار والتكنولوجيا بشروط أفضل، من دون تهديد التزاماته الأمنية أو تعريض المساعدات الأميركية للخطر. ويضيف أن ذلك يستوجب وضع قواعد واضحة للمشروعات الصينية، وتنويع الشراكات بما لا ينشئ تبعية جديدة، مع الحفاظ على استقلالية القرار السيادي الأردني وتجنب الانخراط في سياسة المحاور الدولية الحادة، إذ "تستطيع عمّان التوجه شرقاً اقتصادياً، لكن سقف حركتها يبقى محكوماً بتحالفها الأمني مع الولايات المتحدة وبقدرتها على طمأنة الطرفين"، وفق الدعجة.
وبحسب الدعجة، تستطيع الصين أن تمنح الأردن مساحة واسعة لإعادة صياغة خياراته الاقتصادية والسياسية، لا بوصفها شريكاً مكملاً فحسب، بل قوة دولية قادرة على دعم مسارات التنمية وتعزيز استقلالية القرار. ويرى أن الاستثمارات الصينية في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والتكنولوجيا والبنية التحتية يمكن أن تخفف الضغوط الاقتصادية، وتفتح أسواقاً جديدة، وتنقل الخبرات، وتوفر تمويلاً طويل الأجل، كما أن التنسيق مع بكين يمنح الأردن ثقلاً إضافياً في قضايا فلسطين والاستقرار الإقليمي، مستفيداً من حضور الصين في مجلس الأمن ونهجها القائم على احترام السيادة وعدم التدخل. ويؤكد أن الشراكة الأمنية مع واشنطن ستبقى مهمة، لكنها لا تمنع بناء علاقة استراتيجية متقدمة مع الصين، معتبراً أن تنويع الشراكات يعزز قدرة عمّان على المناورة ويحمي مصالحها من تقلبات السياسة الدولية.