العاصفة 333 و"العزم المطلق" ودروس اليوم التالي لإطاحة رؤوس الأنظمة

10 يناير 2026   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
دبابة سوفييتية في ضواحي كابول، 15 يوليو 2025 (وكيل كوهسار/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- عملية "العزم المطلق" و"العاصفة 333" تميزتا بالسرعة والدقة، لكنهما افتقرتا لخطط واضحة لليوم التالي، مما يثير مخاوف من تكرار الفشل في إدارة الأوضاع بعد العمليات العسكرية.

- تداعيات عملية "العزم المطلق" قد تؤدي إلى تراجع دور الولايات المتحدة عالمياً وتأسيس تحالفات جديدة، مع احتمالية انجرار واشنطن إلى مستنقع حرب طويلة في فنزويلا.

- التحديات في فنزويلا تتفاقم مع تعقيد الوضع الداخلي وضغوط أميركية على دول أمريكا اللاتينية، مما يزيد التوترات في المنطقة.

فيما يتفاخر الرئيس الأميركي دونالد ترامب

بسرعة عملية "العزم المطلق" ودقتها، وقد وصفت بأنها "فريدة من نوعها"، والتي نفذتها القوات الأميركية لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في 3 يناير/كانون الثاني الحالي، ونقله إلى الولايات المتحدة فإن قيادة الاتحاد السوفييتي سبقته إلى تنفيذ عملية أكثر تعقيداً وصعوبة قبل نحو 46 عاماً. وتجلّى ذلك، بسيطرة قوات من النخبة السوفييتية بالتعاون مع الاستخبارات العسكرية، وجهاز "كا جي بي" على القصر الجمهوري في العاصمة الأفغانية كابول، الأشبه بثكنة عسكرية على رأس جبل عال في أقل من ساعة. وضمن العملية المعروفة باسم "العاصفة 333" سيطرت القوات السوفييتية ليل 27 ديسمبر/ كانون الأول 1979 على الوزارات السيادية في كابول، وقتلت رئيس البلاد حينها حفيظ الله أمين، وأعلنت عن نجاح العملية على لسان الرئيس الجديد بابراك كارمال.

مآلات "العزم المطلق"

ولا تقتصر المقارنات على حجم العمليتين والتحضيرات المرافقة لهما، وطابع السرية، وإنجاز المهمة في وقت قياسي في ساحة قتال غريبة، بل في أهداف العمليتين، ما يفتح المجال على توقع مآلات "العزم المطلق" في ظل تخبط إدارة ترامب، وعدم وجود مخططات واضحة لـ"اليوم التالي" في فنزويلا باستثناء تعابير فضفاضة عن الرغبة في حكمها لسنوات وفرض الإملاءات عليها. وفيما غاص الاتحاد السوفييتي عقب هذه العملية في مستنقع حرب أهلية لأكثر من عشر سنوات، وكانت سبباً في كسر شوكة الجيش السوفييتي وانسحابه مع أكثر من 15 ألف قتيل في عام 1989، وأدت الهزيمة في أفغانستان دوراً في انهيار الاتحاد السوفييتي.. بدا أن ترامب لم يستفد من تجارب بلاده الفاشلة في فيتنام وبنما والعراق والصومال وأفغانستان. ولا يستبعد أن ترتد عملية اختطاف مادورو، مع الوقت، وبالاً على إدارته، وقد تفتح مخططاته للسيطرة المطلقة على نصف الكرة الأرضية الغربي بثرواته، وإخضاع الشعوب لإرادته، إلى بداية تراجع دور الولايات المتحدة عالمياً، والتأسيس لتحالفات جديدة لكسر الهيمنة الأميركية، ونزعات ترامب الإمبراطورية.


تمثلت عملية العاصفة 333 في الاستيلاء على القصر الجمهوري في كابول في غضون 43 دقيقة

وعلى الرغم من أن سجل الولايات المتحدة في عمليات اختطاف رؤساء الدول وشن حروب لتغيير الأنظمة لا يقارن مع السجل السوفييتي، ولاحقاً الروسي، فإن التجارب التاريخية، وعدم وجود خطة شاملة لدى فريق ترامب لإدارة "اليوم التالي" في فنزويلا، تنبئ بفشل إضافي، يضاف إلى إخفاقات واشنطن في العراق وبنما وأفغانستان. وربما تغوص إدارة ترامب التي نفذت عملية سريعة ومحكمة ضد مادورو ومالت نحو التعامل مع نائبته ديلسي رودريغيز التي تحولت إلى رئيسة مؤقتة وأركان الحكم في كاراكاس، في مستقنع فنزويلا تماماً كما حدث مع السوفييت في أفغانستان قبل نحو 46 عاماً.

وتمثلت عملية العاصفة 333 في إنجاز مهمة الاستيلاء على القصر الجمهوري المحصن في كابول في غضون 43 دقيقة، رغم عقبات واجهت القوات المنفذة في المرحلة الأخيرة. اللافت أن العملية السرية التي أُقرّت في مطلع شهر ديسمبر 1979، لم يُطلق عليها اي اسم، بل كانت ضمن "عملية بايكال 79" للسيطرة على أهم المرافق العسكرية والدوائر الحكومية والاتصالات في أفغانستان وتنصيب حكومة موالية لها لكن عرفت باسم "العاصفة 333"، لأنها انطلقت عقب إشارة واحدة: "العاصفة 333".

وتضمنت خطة "عملية بايكال 79" الاستيلاء على قصر تاج بيك، وهيئة الأركان العامة، وفيلق الجيش المركزي، وجهاز المخابرات ومكافحة التجسس، ومقر القوات الجوية، ووزارة الداخلية (تساراندوي)، وسجن بول-إي-شارخي للسجناء السياسيين، ومركز التلفزيون، والعديد من المرافق الأخرى، بالإضافة إلى حصار حامية كابول التي يبلغ قوامها 30 ألف جندي. وفيما استغرق احتلال القصر وقتل الرئيس أمين 43 دقيقة، فإن إجمالي العمليات الأخرى استغرق ساعة واحدة، لتحكم القوات الروسية سيطرتها على جميع المرافق المهمة، بالإضافة إلى مطاري باغرام وكابول.

بدأت جميع عمليات الوحدات المحمولة جواً، ومجموعات المخابرات السوفييتية (كا جي بي)، والاستخبارات العسكرية السوفييتية، في وقت واحد، وهو الساعة 7:30 مساءً في 27 ديسمبر 1979، عقب إشارة واحدة: "العاصفة 333". وقد بُثت هذه الإشارة عبر قنوات اتصال آمنة من قبل الفريق نيكولاي نيكيتيتش غوسكوف نائب قائد القوات المحمولة جواً في الاتحاد السوفييتي. و"العاصفة 333" كانت كلمة السر الأولى لبدء عملية اقتحام القصر، الواقع على رأس أحد الجبال المنيعة في كابول، وكان الرئيس أمين انتقل إليه قبل أيام من العملية. والأرجح أن العملية جاءت بعد ساعات من فشل محاولة تسميم أمين الذي ساءت صحته كثيراً ظهيرة اليوم نفسه. مع العلم أن طبيباً عسكرياً سوفييتياً هو من أنقذ الرئيس الأفغاني، ما أجبر المخططين على الانتقال إلى السيناريو الأصعب.

وطغت عملية السيطرة على القصر على باقي العمليات التي لم تكن أقل صعوبة وأهمية. ويرجح أن التركيز انصب يومها، على احتلال القصر وقتل أمين نظراً لأن القصر كان محمياً من أكثر من ألفي عسكري أفغاني، ويقع في منطقة مرتفعة حاكمة يصعب الوصول إليها، وفي محيطه تمركزت دبابات ومدرعات بعضها مخفي في حفر، كما كان القصر محمياً بشبكة دفاع جوي، وحقول ألغام. وكان عدد الحراس الشخصيين لأمين أكثر من 200 حارس شخصي مسلحين ببنادق كلاشنيكوف ورشاشات وقنابل يدوية وقذائف آر بي جي. في المقابل، تألفت نواة فريق الاقتحام "العاصفة 333" من 25 رجلاً من مجموعة النخبة ألفا و30 عنصراً من جهاز المخابرات السوفييتية. وشارك في العملية 87 جندياً من سرية تابعة للفوج 345 المحمول جواً للحرس المستقل، و520 رجلاً من الكتيبة 154 المنفصلة للقوات الخاصة التابعة لوزارة الدفاع السوفييتية، والمعروفة باسم "كتيبة المسلمين"، لأنها كانت تتألف حصرياً من جنود من جمهوريات الاتحاد السوفييتي الجنوبية، مثل القوقاز وآسيا الوسطى وشبه جزيرة القرم.

وحتى اندلاع القتال في محيط القصر كان أمين واثقاً من السوفييت، وقال لأحد مرافقيه إن السوفييت سيحمونه، لكن مرافقه فاجأه بأن الهجوم تنفذه وحدات القوات الخاصة السوفييتية وجهاز "كا جي بي". مع العلم أن أفغانستان تحت قيادة أمين وقعت اتفاق دعم عسكري في مارس/ آذار 1979 مع الاتحاد السوفييتي.

وفي المحصلة، أسفرت عملية "العاصفة 333" عن سقوط أفغانستان بيد السوفييت، لكن "النجاح الكبير" لقوات النخبة والاستخبارات، انقلب لاحقاً إلى هزيمة كبيرة وأدخل الاتحاد السوفييتي في مستنقع الحرب الأهلية الأفغانية. وأدى المجاهدون المدعومون من الغرب دوراً في هزيمة روسيا، ولاحقاً استمرار حالة عدم الاستقرار في أفغانستان المتواصلة حتى العصر الحالي. وفي حين حققت العملية الخاطفة أهداف موسكو القديمة بالسيطرة على "قلب آسيا"، وهو هدف كانت تتنافس عليه مع بريطانيا في القرن التاسع عشر، فقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن أفغانستان استحقت لقب "مقبرة الإمبراطوريات".


عدم وجود مخططات لليوم التالي قد يجر الولايات المتحدة إلى حرب طويلة

مقارنة بين العاصفة 333 و"العزم المطلق"

انطلاقاً من التطور التقني، وابتكار صنوف جديدة من الأسلحة، وتحسن تدريب القوات الخاصة على صعيد العالم عموماً، ودخول وسائل الحرب السيبرانية، لا يمكن الجزم في تحديد ما إذا كانت "العاصفة 333" في 1979 أكثر براعة من "العزم الصلب" في 2026.
ورغم أن ترامب استمتع بالمشاهد "الهوليودية" في كاراكاس، فإن عدم وجود مخططات لليوم التالي، قد يجر الولايات المتحدة إلى حرب طويلة قد تنتهي كما انتهى الأمر بالسوفييت، خصوصاً إذا قرر ترامب إرسال قوات برية، أو فشل في الوفاء بوعوده في تحسين ظروف حياة الفنزوليين.

وأخيراً يجب الإشارة إلى أن حجج القادة السوفييت للإطاحة بأمين، تمحورت حول بدئه التنسيق مع الولايات المتحدة، ورغم أن السوفييت فرضوا كارمال الأقرب لهم إلا أن حكمه سقط في عام 1986، وبعدها تحولت أفغانستان إلى مغناطيس جاذب لكل من يود محاربة "الشيطان الأحمر" (الاتحاد السوفييتي). وعلى الرغم من أن الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، تحاول تفادي المواجهة مع الولايات المتحدة، فإنه لا يمكن القول إن موقفها بات داعماً للقرصنة الأميركية، إذ إنه رغم تراجع شعبية مادورو لأسباب تتعلق بالأوضاع الاقتصادية وطريقة الحكم، فإن قسماً وازناً من الفنزويليين ما زالوا مؤمنين بـ"الثورة البوليفارية" ويدعمون أفكار الزعيم الراحل هوغو تشافيز. كما يتجه قادة في أميركا اللاتينية للانحناء للعاصفة، لا سيما بعد الفجاجة الأميركية بإعلان نيتها حكم فنزويلا وسرقة نفطها ومحاولة إخضاع باقي دول المنطقة تحت سيف الترهيب ومنظور إدارة ترامب بالتعاطي مع المنطقة كلها بصفتها حديقة خلفية لواشنطن.

المساهمون