تنافس صيني أميركي في بناء المفاعلات النووية: وتيرة بكين أسرع

11 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 18:18 (توقيت القدس)
محطة للطاقة النووية في تشاندونغ، 29 يونيو 2026 (Getty)

كثّفت الصين جهودها لتطوير الطاقة النووية خلال السنوات الأخيرة، ساعيةً لتجاوز الولايات المتحدة لتصبح أكبر دولة نووية في العالم. ويخشى خبراء من أن يؤدي هذا التوسع السريع إلى ثغرات في معايير السلامة والرقابة. علاوة على ذلك، فإن البيئة السياسية شديدة المركزية في الصين تُصعّب على الجهات الخارجية التحقق من استيفاء معايير السلامة واستقلالية الهيئات التنظيمية، ما يُثير مخاوف بشأن سلامة الطاقة النووية.

ورغم أن ربط أول محطة طاقة نووية لها بشبكة الكهرباء جرى في مطلع تسعينيات القرن الماضي، أي بعد عقود من ريادة الغرب، إلا أن الصين اليوم تبني مفاعلات نووية بوتيرة أسرع وبكلفة أقل من نظيراتها. فمنذ نهاية عام 2016، أضافت 27 وحدة نووية عاملة، ما أدى إلى مضاعفة قدرتها المركبة تقريباً، وفقاً لحسابات تستند إلى بيانات رسمية. وعلى النقيض من ذلك، أضافت الولايات المتحدة، التي لا تزال رائدة عالمياً في القدرة النووية، وحدتين جديدتين فقط خلال الفترة ذاتها، بسبب التأخيرات الطويلة وتحديات التمويل.

الصين اليوم تبني مفاعلات نووية بوتيرة أسرع وبكلفة أقل من نظيراتها

وبحسب تقرير نشرته مجلة فوربس في الثاني من أغسطس/آب الحالي، بلغ إنتاج الطاقة النووية العالمي ذروته التاريخية في عام 2025، وكان للصين الفضل الأكبر في هذا النمو. فعلى مدى العقد الماضي، تضاعف إنتاج الصين من الطاقة النووية ثلاث مرات تقريباً، ما ساهم ليس فقط في سدّ الفجوة في نمو الطاقة النووية العالمي، بل أيضاً في تضييق الفجوة بشكل سريع مع الولايات المتحدة، الرائدة تقليدياً في قطاع الطاقة النووية.

ووفق التقرير، فإنه بين عامي 2015 و2025، ارتفع إنتاج الطاقة النووية في الصين من 171 تيراواط/ساعة إلى 485 تيراواط/ساعة، أي بزيادة قدرها 314 تيراواط/ساعة تقريباً. وفي الفترة ذاتها، لم ينمُ إنتاج الطاقة النووية عالمياً إلا بنحو 270 تيراواط/ساعة صافياً. وهذا يعني أن القدرة النووية الصينية المضافة حديثاً لم تساهم فقط في النمو العالمي بأكمله، بل عوضت أيضاً بشكل فعّال انخفاض الإنتاج النووي في مناطق أخرى.

ومع ذلك، لا تزال الولايات المتحدة أكبر منتج للطاقة النووية في العالم. ففي عام 2025، بلغ إنتاج الطاقة النووية الأميركية 826 تيراواط/ساعة، ما يمثل حوالي 29% من الإجمالي العالمي. وجاءت الصين في المرتبة الثانية بإنتاج 485 تيراواط/ساعة، أي ما يعادل 17.1% من الإنتاج العالمي للطاقة النووية، بينما احتلت فرنسا المرتبة الثالثة بإنتاج 390 تيراواط/ساعة، أي ما يعادل 13.7%.

الاندماج النووي المُتحكم به

في ما يتعلق باستمرارية الخبرة في مجال البناء، يرى مراقبون صينيون أن بكين هي القوة الوحيدة في العالم التي تمتلك هذه القدرة، ومع ذلك، فبينما تظلّ الطاقة النووية محورية في التحول الأخضر الذي تنتهجه الصين، فإن الحفاظ على هذه الوتيرة المتسارعة على المدى الطويل يطرح تحديات جديدة: ففي حين أن التأخيرات وارتفاع التكاليف تعيق المشاريع في الولايات المتحدة، فإن النموذج الصيني الذي تديره الدولة يتحرك بسرعة قياسية، لكن القيود الجغرافية تشكّل تحديات هائلة.

ويلفت هؤلاء إلى أنه إذا كان التنافس العالمي على الطاقة النووية خلال العقود الماضية قد ركّز بشكل كبير على بناء وتوسيع مفاعلات الانشطار النووي، فإن المرحلة التالية من سباق الطاقة قد تعتمد بشكل متزايد على من يستطيع تحقيق أول اختراق تجاري في مجال الاندماج النووي المُتحكم به. ويشير المراقبون إلى أن الصين تعمل حالياً على بناء استراتيجية شاملة للطاقة النووية تشمل كلاً من النشر واسع النطاق للطاقة النووية التقليدية والبحث في تقنيات الجيل المقبل من الطاقة النووية.

جياو بينغ: ارتفعت تكاليف بناء الطاقة النووية في الدول الغربية بشكل كبير 

أسباب تفوق الصين

تعليقاً على ذلك، يشرح الباحث في مركز جيانغ شي للدراسات الاستراتيجية جياو بينغ، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "عادة ما يستغرق بناء مفاعل نووي واحد في الصين ما بين خمس وست سنوات في المتوسط، بينما غالباً ما تواجه الدول الغربية تأخيرات متكررة تمتد لأكثر من عشر سنوات". ويضيف أنه "منذ بداية الألفية الثانية، انخفضت كلفة بناء الطاقة النووية في الصين واستقرت بسبب الخبرة الفريدة في مجال البناء المستمر وسلامة سلسلة التوريد، ولكن في المقابل، ارتفعت تكاليف البناء في الدول الغربية بشكل كبير خلال الفترة ذاتها".

ويلفت جياو بينغ إلى أنه في أعقاب حادثتي تشرنوبيل (1986)، وفوكوشيما (2011)، شدّدت العديد من الدول الغربية سياساتها المتعلقة بالطاقة النووية، ما أدى إلى اضطرابات في سلاسل التوريد والعمالة الماهرة أعاقت وتيرة البناء هناك وأدخلت العملية برمتها في إجراءات تنظيمية معقدة. ولكن على الجهة الأخرى، سهّلت الحكومات الصينية المتعاقبة عمليات البناء وأزالت العقبات أمام النشر واسع النطاق للطاقة النووية من خلال التوجيه المخطط والتعاون مع الشركات المملوكة للدولة.

يشار إلى أنه بحسب بيانات إدارة الطاقة الوطنية الصينية، تمتلك الصين حالياً 120 وحدة طاقة نووية، إما قيد التشغيل أو قيد الإنشاء أو معتمدة، بقدرة إجمالية مركبة تبلغ 135 مليون كيلوواط، ما يجعلها في المرتبة الأولى عالمياً من حيث الحجم الإجمالي. من بين هذه الوحدات 62 وحدة قيد التشغيل حالياً، بقدرة مركبة تبلغ 66.14 مليون كيلوواط، لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً، وتمثل 1.6% من إجمالي القدرة المركبة للطاقة في الصين. كما تمّت الموافقة على 58 وحدة أخرى وهي قيد الإنشاء، بقدرة مركبة تبلغ 69.51 مليون كيلوواط، لتحتل بذلك المرتبة الأولى عالمياً.