الصين محور الاستراتيجية الأميركية للأمن القومي

08 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
جنود أميركيون في كوريا الجنوبية، 27 أغسطس 2025 (تشونغ سونغ ـ جون/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- الاستراتيجية الأميركية الجديدة: تركز على مواءمة تصرفات الحلفاء مع المصالح المشتركة لمنع هيمنة أي دولة منافسة، مع تحديد الصين كمنافس قوي، وتعتبر تايوان جزءاً مهماً من هذه الاستراتيجية.

- دور الحلفاء: تدعو الاستراتيجية الحلفاء لتحمل مسؤولية أكبر عن الأمن، مع تقديم حوافز للدول المتماشية مع الضوابط الأميركية، وتشمل الحوار الأمني الرباعي لضمان منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة.

- التحديات والانتقادات: تجسد الاستراتيجية سياسة "أميركا أولاً"، مما قد يخلق شكوكاً لدى الحلفاء التقليديين، وتنتقد سياسات الهجرة والدفاع في أوروبا، محذرة من التدهور الاقتصادي.

أصدر البيت الأبيض، الجمعة الماضي، استراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترامب

الجديدة للأمن القومي، وتعلن الوثيقة المكونة من 33 صفحة أن عصر دعم الولايات المتحدة للنظام العالمي بأكمله مثل أطلس (كتاب الخرائط الجغرافية) قد انتهى، وأن الولايات المتحدة ستعمل على مواءمة تصرفات حلفائها وشركائها مع المصلحة المشتركة في منع هيمنة أي دولة منافسة واحدة. وتحدد الاستراتيجية الصين باعتبارها منافساً قوياً، وتؤكد الجهود الأميركية لمواجهة نفوذها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري. وفي حين اعتبرت الوثيقة أن نصف الكرة الغربي والأمن الداخلي هما الشاغلان الرئيسيان لأميركا، فإنها أشارت أيضاً إلى أن تايوان توفر الوصول المباشر إلى سلسلة الجزر الثانية، وهي خط دفاعي في المحيط الهادئ مكون أساساً من جزر بونين وفولكانو اليابانية وجزر ماريانا الشمالية وغوام الأميركية، وتُعد خط دفاع ثانياً للولايات المتحدة بعد سلسلة الجزر الأولى، التي تشمل اليابان وتايوان والفيليبين. ومن ثم، فإن ردع الصين في الصراع بشأن تايوان، من خلال الحفاظ على التفوق العسكري، يمثل أولوية. ولم ترد الصين علناً على هذه الاستراتيجية، لكن بعض وسائل الإعلام الصينية في البر الرئيسي دعت بالفعل إلى اليقظة، نظراً للإشارة المتكررة إلى تايوان في الوثيقة.


جو فانغ: الاستراتيجية الأميركية لم تأت بجديد في ما يتعلق باحتواء الصين باعتبارها التهديد الأكبر

دور تايوان في الوثيقة الأميركية

خلال الولاية الأولى لدونالد ترامب (2017 ـ 2021)، ذُكرت تايوان ثلاث مرات في استراتيجية الأمن القومي الأميركية الصادرة في ديسمبر/كانون الأول 2017. أما الاستراتيجية الصادرة في أكتوبر/تشرين الأول 2022 في عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، فقد ذُكرت تايوان سبع مرات. وكان لافتاً في الوثيقة، أن آسيا تستحوذ على معظم الصفحات، وإن كان معظمها يتعلق بالصين، في حين أن الفيليبين، حليفة الولايات المتحدة بالمنطقة، لم تُذكر، وكذلك جزر المحيط الهادئ. وتدعو الولايات المتحدة في الوثيقة الهند إلى المساهمة بشكل أكبر في أمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والعمل مع حلفاء آخرين في منع هيمنة أي دولة منافسة واحدة، في إشارة للصين.

أيضاً تُحدد الاستراتيجية حوافز واضحة، فالدول التي تتحمل طواعية مسؤولية أكبر عن الأمن في محيطها وتُوائِم ضوابط صادراتها مع الضوابط الأميركية، ستحصل على معاملة أفضل في الشؤون التجارية، ومشاركة التكنولوجيا، وشراء الأسلحة. أيضاً تشير الوثيقة إلى الحوار الأمني الرباعي، وهو تكتل أمني رباعي تقوده الولايات المتحدة ويضم اليابان وأستراليا والهند، ويهدف إلى ضمان منطقة المحيطين الهندي والهادئ حرة ومفتوحة.

في تعليقها على ذلك، اعتبرت وسائل إعلام صينية، أمس الأحد، أن استراتيجية الأمن القومي الجديدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب لا تنظر إلى حلفاء الولايات المتحدة بوصفهم شركاء فحسب، بل أدوات للحفاظ على تفوق الولايات المتحدة ومواجهة صعود الصين، وأن الاستراتيجية تحث الحلفاء الأثرياء على زيادة الإنفاق الدفاعي، والتحالف بشكل أوثق مع واشنطن بشأن تدابير أمنية، وتحمل مسؤولية أكبر عن مناطقهم، وهو التحول الذي اعتبرته بأنه يعيد صياغة التحالفات القائمة منذ فترة طويلة كأدوات في المنافسة بين القوى العظمى.

ورأى الباحث في مركز جيانغ شي للدراسات الاستراتيجية، جياو بينغ، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الاستراتيجية الأميركية التي أُعلن عنها أخيراً، تجسيد واقعي لسياسة أميركا أولاً التي تبناها ترامب، فهي من جهة تتجاهل المبادئ التي قامت عليها العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وحلفائها، ومن جهة أخرى، تتعامل معهم أدوات وأحجار شطرنج على طاولة التنافس التقليدي مع الصين، باعتبار الأخيرة الدولة التي ترتكز حولها استراتيجية الأمن القومي الأميركي في منطقة آسيا والمحيطين الهندي والهادئ. ولفت إلى أن الصين أصبحت المنظار الذي ترى واشنطن من خلاله حلفاءها، وتقدّرهم وفق انصياعهم والتزامهم بالإملاءات والشروط الأميركية.

وأضاف جياو أن هذه اللغة الفوقية في التعامل مع الحلفاء على الطريقة الترامبية، ستخلق حالة من الشك لدى القوى التي تراهن على المظلة الأميركية في المنطقة، مثل اليابان وتايوان كوريا الجنوبية. وهذا يمثل تحذيراً للحلفاء، لأن الرسالة واضحة ويجب تلقفها بعناية: لا مزيد من الأموال والدعم العسكري، أنتم مجرد أدوات، ستقاتلون بالوكالة، وتنفذون الأجندة الأميركية بكل تفاصيلها، ولا مجال للمناطق الرمادية في عهد ترامب. وهذه بطبيعة الحال انتهاك صارخ لأبسط قواعد اللياقة في التعاملات الدولية، التي من المفترض أن تقوم على الاحترام المتبادل بين الدول.


جياو بينغ: الاستراتيجية الأميركية تجسيد واقعي لسياسة أميركا أولاً التي تبناها ترامب

احتواء الصين

في المقابل، قال الباحث الزميل في جامعة آسيا (تايوان)، جو فانغ، في حديث مع "العربي الجديد"، إن الاستراتيجية الأميركية لم تأت بجديد في ما يتعلق باحتواء الصين باعتبارها التهديد الأكبر، لكن ما كان لافتاً، هو الضغط على الحلفاء من أجل الاضطلاع بأدوار مسؤولة، من دون الاعتماد بالكلية على المظلة الدفاعية الأميركية. واعتبر أنه من المعتقد أن هذا التشديد يعكس دراية أميركية وتقديرات استخبارية حثيثة، للتهديد الذي تمثله الصين لدول المنطقة من خلال تعزيز ترسانتها العسكرية، وبالتالي فإن تعاظم هذه المخاطر يحتم اتخاذ إجراءات عملية، للحيلولة من دون جر المنطقة إلى واقع جديد يصعب التعامل معه بأثر رجعي.

يُشار إلى أن النهج الذي وُصف بـ"الفوقي في التعامل مع الحلفاء" لا يقتصر فقط على آسيا، إذ تتناول الوثيقة أيضاً حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، وتنتقد سياسات الهجرة والدفاع في القارة الأوروبية، وتقترح أن تعطي الإدارة الأميركية الأولوية لتنمية المقاومة للمسار الحالي داخل الدول الأوروبية نفسها. كما تحذّر من أن التدهور الاقتصادي لا يُضاهيه سوى احتمال حقيقي وصارخ لزوال الحضارة الغربية، مشيرة إلى أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، فستُصبح القارة غير قابلة للتمييز خلال العقدين المقبلين، الأمر الذي يشير إلى مدى تشكيك الولايات المتحدة بأقدم حلفائها التقليديين.

المساهمون