استمع إلى الملخص
- قامت الولايات المتحدة بنشر قوات عسكرية في الكاريبي وأغلقت المجال الجوي الفنزويلي، بهدف السيطرة على الموارد النفطية الفنزويلية وتعزيز نفوذها في أميركا اللاتينية، معتبرة المنطقة فناءها الخلفي.
- رغم استثمارات الصين الضخمة في فنزويلا، أغلقت صنبور التمويل بعد انهيار أسعار النفط، وركزت على استعادة أموالها، مستمرة في شراء النفط عبر وسطاء وتزويدها بالسلع.
أثار موقف الصين المتحفظ من التصعيد الأميركي ضد فنزويلا تساؤلات حول مدى استعداد بكين لتقديم مساعدة عسكرية لكاراكاس إذا تحركت الولايات المتحدة ضد الرئيس نيكولاس مادورو. وبينما أدانت الصين ما وصفته بالتدخل الخارجي، وحثّت على ضبط النفس، فإنها لم تظهر أي إشارة إلى أنها ستدافع عن الرئيس الفنزويلي. ويبدو حذر بكين يتبع نمطاً مألوفاً، إذ إنها نادراً ما تدافع عن شركائها تحت الضغط العسكري، وتُركّز بدلاً من ذلك على حماية المصالح الاقتصادية ومسألة التموضع السياسي بعد الأزمة.
وكانت الولايات المتحدة قد نشرت نحو 11 سفينة حربية ونحو 15 ألف جندي في منطقة البحر الكاريبي، وأعلنت إغلاق المجال الجوي الفنزويلي، ولمّحت إلى عمليات برّية محتملة بعد أشهر من الضربات على سفن تزعم أنها تُهرّب المخدرات إلى أميركا الشمالية. وصعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته النارية ضد مادورو مجدداً الأربعاء الماضي، ولوّح ببدء عمليات "على الأرض"، لم يحدّد مكانها.
بكين لن تحرق الجسور
وتجنبت الصين منذ مدة طويلة تقديم الدعم العسكري للخارج، وأعطت الأولوية للنفوذ على الولاء لأي نظام. ويتوقع مراقبون أن تحافظ الصين على نفوذها بهدوء، في انتظار إعادة بناء العلاقات مع أي حكومة مستقبلية، من دون أن تحرق الجسور، بل تنتظر وتعيد حساباتها ثم تعود إلى الساحة عندما تهدأ الأمور.
لي وين: تعتبر الولايات المتحدة منطقة الكاريبي فناءها الخلفي، ولن تقبل أي تسلل من قبل قوى خارجية منافسة
وكان مادورو قد ندّد بأفعال واشنطن ووصفها بأنها عدوان إمبريالي، وتعهد بمقاومة ما وصفه بحملة الترهيب. مع ذلك، لم يُقدّم حلفاؤه له سوى دعم لفظي، إذ تعهدت روسيا بمراقبة الوضع، بينما أدانت إيران ما وصفته بالأحادية الأميركية، واقتصر ردّ الصين على دعوات ضبط النفس وبقاء أميركا اللاتينية منطقة سلام.
وكانت الصين قد ضخّت مبالغ ضخمة إلى فنزويلا خلال سنوات الطفرة النفطية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث قدمت أكثر من 60 مليار دولار أميركي في شكل قروض وخطوط ائتمان مدعومة بشحنات النفط الخام. ووفقاً لمركز سياسة التنمية العالمية في جامعة بوسطن، تظل فنزويلا أكبر دولة متلقية للتمويل التنموي الصيني في أميركا اللاتينية، ولكن عندما انهارت أسعار النفط ووقع الاقتصاد الفنزويلي في أزمة، أغلقت بكين صنبور النفط بهدوء، وحولت تركيزها من المشاريع الجديدة إلى استعادة أموالها في براميل النفط.
فنزويلا في المنظورين الأميركي والصيني
وحول قراءته للتصعيد الأميركي، رأى الخبير الصيني في العلاقات الدولية لي وين، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن إجراءات الولايات المتحدة ضد فنزويلا مدفوعة في المقام الأول بمصالحها الخاصة، إذ تمتلك فنزويلا موارد نفطية وفيرة، وبصفتها مستهلكاً رئيسياً للنفط، تسعى الولايات المتحدة إلى السيطرة على هذه الموارد لتحقيق استقرار إمداداتها من الطاقة وتعزيز نفوذها في السوق الدولية. ولفت إلى أن التهديدات التي أطلقها ترامب تشير أيضاً إلى رغبة واشنطن في بسط نفوذ الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، وتوجيه رسائل شديدة اللهجة إلى الدول الأخرى لإجبارها على القبول بالإملاءات الأميركية في ما يتعلق بالتجارة والاقتصاد وإدارة العلاقات الدولية.
لين وي: الصين لا تتصرف بشكل انفعالي أو اعتباطي، وحماية المصالح الاقتصادية لا تستدعي بالضرورة التدخل العسكري
وأضاف: من منظور جيوسياسي، اعتبرت إدارة ترامب نظام مادورو تحدياً مباشراً للهيمنة الأميركية التقليدية في نصف الكرة الغربي، خصوصاً أن كاراكاس حافظت على تعاون عسكري واقتصادي وثيق مع من تعتبرهم الولايات المتحدة منافسين أساسيين، مثل روسيا والصين وإيران، ولطالما اعتبرت الولايات المتحدة منطقة الكاريبي فناءها الخلفي، وبالتالي لا يمكنها قبول أي تسلل من قبل قوى خارجية منافسة.
من جهته، رأى الباحث الصيني في معهد جيانغ شي للدراسات السياسية لين وي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الصين جزء من عوامل عدة تدفع واشنطن نحو التصعيد العسكري ضد فنزويلا، مضيفاً أنه "بصفتها مُصدّراً عالمياً رئيسياً للنفط، فإن أي خلل في سلسلة إمدادات النفط الفنزويلية نتيجةً لعمل عسكري خارجي سيؤثر بشكل مباشر على سوق الطاقة العالمية وعلى الدول المستوردة والمستفيدة مثل الصين، وهذا بكل تأكيد سوف يشكّل مصدراً للقلق بالنسبة لبكين التي تحرص على الاستقرار في الدول المنتجة للنفط، خصوصاً فنزويلا، الشريك الرئيسي لها في أميركا اللاتينية".
وعن الموقف الصيني المتحفظ إزاء التصعيد الأميركي، اعتبر لين أن موقف بكين ينطلق من موقعها دولةً مسؤولةً وعضواً دائماً في مجلس الأمن، لذلك فإنها دعت منذ بداية الأزمة إلى حلّ أي خلافات عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية. وأضاف أن الصين لا تتصرف بشكل انفعالي أو اعتباطي لأن جميع خطواتها مدروسة بعناية، وحماية المصالح الاقتصادية لا تستدعي بالضرورة التدخل العسكري، لأن تداعيات خطوة من هذا النوع قد تجر وبالاً وتتسبب في دفع أثمان باهظة.
يشار إلى أن الصين تظلّ واحدة من الشركاء التجاريين الرئيسيين القلائل لفنزويلا، حيث تستمر في شراء النفط من خلال وسطاء وتزويدها بالسلع الاستهلاكية والمركبات وتكنولوجيا المراقبة. ولا يزال مشروع مشترك بين مجموعة إنسبور الصينية وشركة التكنولوجيا الحكومية الفنزويلية مديناً بمبالغ غير مسدّدة تصل إلى نحو 40 مليون دولار أميركي تعود إلى عام 2016، وقد واجه الموردون الصينيون تأخيرات مزمنة في السداد، وانسحبت شركات بناء عدة من البلاد خلال السنوات الأخيرة، ودفعت هذه التجربة بكين إلى الحذر من تعميق تأثرها في الاقتصاد الفنزويلي المتقلب.