استمع إلى الملخص
- تتضمن أجندة الزيارة ملفات هامة مثل العلاقة مع إسرائيل ورفع العقوبات عن سوريا، مع تطلعات لانضمام سوريا إلى اتفاقات أبراهام، رغم التحديات الإقليمية.
- تُعتبر قضية الوجود العسكري الروسي في سوريا من القضايا الخلافية، مع مناقشة الوضع في السويداء والترتيبات الثلاثية الأميركية الأردنية السورية، مما قد يؤدي إلى تحولات مهمة في السياسة السورية.
يصل الرئيس السوري أحمد الشرع
إلى ذروة العملية الدبلوماسية بزيارة الولايات المتحدة في العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، ودخول أول رئيس سوري البيت الأبيض. وستكون الزيارة الثانية له إلى الولايات المتحدة بعد مشاركته في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول الماضي في نيويورك، حيث أصبح أول رئيس سوري منذ عام 1967 يُلقي كلمة أمام المنظمة الدولية. وفي أقل من عام على وصوله إلى دمشق في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي، يكون الشرع قد قطع شوطاً قياسياً على المسارين العربي والدولي، إذ زار الدول المؤثرة في الإقليم، السعودية، قطر، الإمارات، تركيا، كما فتحت أمامه فرنسا بوابة أوروبا.زيارة الشرع الأميركية
تُعدّ زيارة واشنطن الأكثر أهمية من بين كل العواصم التي زارها الشرع والتقى مسؤوليها. ويتعلق الأمر بموقف الولايات المتحدة من التحول الجديد في سورية، الذي فاق تقديرات وحسابات المسؤولين السوريين الجدد، والأطراف الدولية التي عملت على تذليل الطريق أمامهم، وهي السعودية وقطر وتركيا. وقد ترجم ذلك باللقاء بين الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض في 14 مايو/ أيار الماضي بحضور ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ومشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عبر الفيديو، ومنذ ذلك الوقت تسهّلت الكثير من العقبات أمام العهد السوري الجديد.
من الملفات المطروحة على جدول البحث في واشنطن هو ملف العلاقة مع إسرائيل
وتتمثل أهمية الزيارة بالملفات المطروحة على جدول أعمالها، وهي تنقسم إلى العلاقات الثنائية، التي ستبدأ من الصفر، إذ لم يسبق للبلدين أن أرسيا أسس تعاون متعدد المجالات، وقد بات ذلك ممكناً اليوم بعدما رحل نظام عائلة الأسد، الذي كان يدور في الفلك السوفييتي ومن ثم الروسي. ومن خلال خطوات الإدارة الأميركية تجاه الحكم الجديد يبدو أن واشنطن تولي سورية عناية خاصة، لذا تبدو حريصة على دعم ورعاية الاستقرار. وبرز في هذا السياق إطراء ترامب الشديد على الشرع، وهو ما لخصته تصريحات صدرت عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والمبعوث الأميركي توم براك حول منح سورية "فرصة" تتيح لها بناء دولة يسودها الاستقرار والازدهار والسلام. كذلك رأت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت أن "سورية حققت برئاسة الشرع تقدماً على طريق السلام". وعلى هذا الأساس اتخذت الإدارة الأميركية سلسلة من القرارات على طريق الرفع النهائي للعقوبات المفروضة على سورية، ومع ذلك بقيت العقدة الأساسية المتمثلة بـ"قانون قيصر"، الذي يحول دون وصول سورية إلى النظام المصرفي العالمي، الأمر الذي ينتظر تصويت المشرعين الأميركيين بأقرب فرصة ممكنة.
يزور الشرع واشنطن ولا تزال مسألة رفع العقوبات مثار جدل بين من يرى أنها قد تكون الهدية التي ستمنحها له واشنطن بمناسبة مرور عام على وصوله إلى دمشق، وبين من يرى أنه لن يكون هناك رفع نهائي للعقوبات الأميركية، بل سيكون جزئياً ومشروطاً بعدد من الخطوات التي يتوجب على السلطات السورية القيام بها، تتعلق داخلياً بتشكيل حكومة ذات تمثيل أوسع، منفتحة على قطاعات سياسية واجتماعية، تراعي الاستفادة من الكفاءات، والحد من اعتماد مبدأ الولاء. والشرط الثاني هو توقيع الاتفاق الأمني مع إسرائيل. وفي الأحوال كافة لن يطول الوقت حتى تتضح صورة ذلك.
ومن الملفات المطروحة على جدول البحث في واشنطن هو ملف العلاقة مع إسرائيل، وبغض النظر عن مسألة رفع العقوبات، تطمح الولايات المتحدة إلى تحقيق تقدم فعلي بين سورية وإسرائيل، تتجاوز الاتفاق الأمني الذي عقد مسؤولون سوريون وإسرائيليون أربع جلسات حتى الآن من أجل إنجازه، وتعثر توقيعه على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي. وحسب مصادر دبلوماسية سورية، فإن واشنطن ترى أن الاتفاق الأمني تحصيل حاصل، وسيتم التوصل إليه قريباً، أي قبل نهاية العام الحالي، وهناك ترتيبات تجري بوساطة أميركية لعقد جولة على مستوى عال بين مسؤولين إسرائيليين وسوريين.
وقال مصدر سوري لـ"العربي الجديد"، إن الإدارة الأميركية تضع نصب عينيها مسألة إقامة علاقات دبلوماسية بين دمشق وتل أبيب وركوب سورية قطار التطبيع بالانضمام إلى اتفاقات أبراهام
. وهو أمر لم يتحضر له المسؤولون السوريون حتى الآن، ويرون أن الظروف لم تنضج لذلك، خصوصاً الحل في غزة ولبنان، فإذا استطاعت واشنطن أن تلزم إسرائيل بتثبيت وقف إطلاق النار بغزة والانسحاب وبدء مشروع إعادة الإعمار، ووقف الأعمال العدوانية على لبنان، فإن ذلك يشجع على خطوة سورية إسرائيلية أبعد برعاية أميركية. وشرط ذلك انضمام السعودية وتركيا إلى هذا المسعى، نظراً إلى طبيعة العلاقات الخاصة بينهما وبين سورية، فالسلطات السورية ترى أن انضمام السعودية إلى مساعي السلام يشجع على حل شامل، ويحد من نهج الصفقات المنفردة، ويقوي موقف سورية في المفاوضات، وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا التي تربطها بسورية اتفاقية أمنية ذات طابع دفاعي.يبرز أيضاً ملف انضمام سورية إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش الذي تأسس عام 2014، وهذا الأمر يتفرع إلى مجموعة عناوين، مثل العلاقة مع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، وضع المقاتلين الأجانب في الجيش والمؤسسة الأمنية في سورية، الوجود العسكري الروسي بسورية. وفي ما يخص وضع "قسد" تبدو المسألة معقدة بسبب حضور قيادات عسكرية وسياسية كردية تركية ترفض إنهاء دورها، وتمانع في حل سوري للمسألة الكردية في سورية، في حين أن تشكيل "قسد" تم من أجل مهمة أخرى، وهي محاربة "داعش". وتتحمّل الولايات المتحدة مسؤولية أساسية في إنهاء حل هذه العقدة، إذ طالما أن الجيش السوري سينضم إلى "الحرب ضد داعش"، وتنتقل إليه مهمة محاربة الإرهاب، فإن "قسد" يجب أن تدخل في تركيبة هذا الجيش، الذي سيعتمد على تسليح وتمويل وتدريب عربي غربي.
وهناك قضية متعلقة بالمقاتلين الأجانب في الجيش والأمن بسورية، إذ ترى مصادر حكومية سورية أن هذه القضية مبالغ فيها، ويتم تضخيمها من أجل ابتزاز السلطات السورية وإضعاف موقفها، في الوقت الذي تدرك فيه الإدارة الأميركية كافة جوانب هذه القضية لجهة العدد والمواقع والدور وانعكاسات التخلي عنهم وترحيلهم إلى خارج البلد. وبعد لقاء ترامب ـ الشرع في الرياض تراجعت حدة هذه المسألة بفضل توضيح الرئيس السوري الصورة لنظيره الأميركي، الذي تفهم توجه الشرع لاحتواء هؤلاء، وهو أمر أفضل من ترحيلهم الذي قد يؤدي إلى استمالة بعضهم من أطراف إقليمية، لكن العقدة التي تحتاج إلى حل هي عدم ثقة واشنطن ببعض القيادات العسكرية والأمنية ذات الخلفية المتشددة. وهناك أطراف في الإدارة الأميركية من المشتغلين بملف الإرهاب، تعتبر هؤلاء قريبين من "داعش"، وتطالب القيادة السورية بإبعادهم.
لم تبدِ الإدارة الأميركية ردات فعل سلبية تجاه زيارة الشرع لروسيا
الدور الروسي في سورية
الوجود العسكري الروسي من خلال قاعدة حميميم في ريف اللاذقية يمثل إحدى قضايا الخلاف الرئيسية بين السلطات السورية والولايات المتحدة وأوروبا. وقد اشترطت المفوضية الأوروبية التقدم في العلاقات مع دمشق بإنهاء كل أشكال الوجود والعلاقات مع روسيا، لكن دمشق لم تلب ذلك، بسبب الثقل الكبير لهذا الملف المعقد والمتشابك. وقد حصل العكس نتيجة لزيارات المسؤولين الروس إلى سورية، والسوريين إلى روسيا، وآخرها زيارة الشرع في منتصف شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي إلى روسيا، والتي عكست اهتماماً من الطرفين بتطوير العلاقات الثنائية. واللافت أن الإدارة الأميركية لم تبد ردات فعل سلبية تجاه ذلك، ويبدو أنها تفهمت الأمر على أن يظل ضمن حدود لا تصل إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، وهذا أمر ينتظر زيارة الشرع إلى واشنطن، وبوسع الإدارة الأميركية أن تغير اتجاه الريح إذا قدمت لسورية ما ينتشلها من حال الدمار والتردي الاقتصادي، ومغادرة خطاب الوعود والتمنيات، خصوصاً أن السوريين على قناعة بأن أميركا تستطيع أن تقدم لسورية أكثر مما تفعل حالياً وتُسلّح الرئيس السوري ببعض أوراق القوة التي تسهّل مهمته في الداخل والخارج، وذلك على صعيدي رفع العقوبات وإعادة الإعمار.
تسود تكهنات وتقديرات أن الوضع في السويداء سيكون مطروحاً على جدول الأعمال. وتستبعد أوساط سورية أن يخرج النقاش عن سياق الترتيبات الثلاثية الأميركية الأردنية السورية، وفق صيغة الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الأطراف الثلاثة في عمّان ـ الأردن، ورفضه شيخ العقل حكمت الهجري، وهذه حجة بيد الحكومة، بالإضافة إلى نتائج عمل لجنة التحقيق الدولية بشأن انتهاكات السويداء في يوليو/ تموز الماضي. وتعول الحكومة السورية على الضغط الأميركي على إسرائيل لوقف تدخلاتها في السويداء، وهو أمر مستبعد في ظل تشابكات الوضع هناك. زيارة أكثر من مهمة للشرع تتوقف عليها العديد من الاستحقاقات الداخلية والخارجية، وفي حال نجاحها من المرتقب حصول عدة تحولات مهمة لجهة إعادة ترتيب البيت السوري بطريقة مختلفة، وإطلاق دينامية داخلية من أجل إنجاح التجربة التي يعول عليها السوريون وبعض الشركاء الإقليميين والدوليين.